
حين تتحوّل الجريمة إلى محاكمة جماعية على أساس العرق
عن الخطاب العنصري الذي تلا مقتل الممثلة السورية هدى شعراوي
أعادت جريمة مقتل الممثلة السورية هدى شعراوي إلى الواجهة منطقًا عنصريًّا راسخًا في الخطاب العام، يتغذّى على بنية تمييزية يرسّخها نظام الكفالة القائم على اختلالات بنيوية في موازين القوة، بحيث لا يكتفي بتفسير الجرائم وتحليل سيناريوهاتها، بل يحدّد، في كثير من الأحيان، مسبقًا من يُشتبه به ومن يدان.
فالجريمة، إلى جانب فظاعتها، كشفت كيف تتحوّل المأساة سريعًا إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز والكراهية، حين تستدعى الهويات الهشّة بوصفها موقع الذنب الجاهز. وإذا كان اللاجئون/ات والنازحون/ات غالبًا ما يحمَّلون عبء الاشتباه المسبق، فإن العاملات المنزليات المهاجرات يحظين بحصّة الأسد من هذه الفرضية، حيث يفترض الذنب قبل أي تحقيق.
المقلق ليس الجريمة فقط، بل السرعة التي تحوّل فيها الخطاب العام إلى محاكمة علنية، والطريقة التي أدير بها هذا الخطاب من استسهال التشهير، وخرق الخصوصية، وإعادة تدوير صور نمطية تقدّم العاملات المنزليات المهاجرات بوصفهن خطرًا، في مشهد يفرغ العدالة من معناها ويحوّل التحقيق إلى محاكمة جماعية مسبقة. وهو ما لا يمكن فصله عن بنية عنصرية أوسع، تجرَّد فيها العاملات المهاجرات من صفة الشاهدة أو الضحية، ويدفع بهن إلى خانة المتهمات الدائمات.
الإعلام والسوشيل ميديا في انتاج العنصرية
سرعان ما تحوّلت هذه الجريمة المأساوية إلى ذريعة لإعادة بثّ خطابٍ عنصريٍّ مألوف، وتكريس الصور النمطية ضدّ العاملات الأجنبيات. فتجاوزت الجريمة حدود الفعل الفردي، لتفتح الباب أمام موجةٍ ثانية من الانتهاكات الخطابية والرمزية، حيث لم يعد الحدث المركزي هو جريمة قتل الممثلة هدى شعراوي، بل تحوّل الخطاب العنصري نفسه إلى “تريند” على منصّات التواصل الاجتماعي، ضحيته العاملات الأجنبيات، اللواتي جرى وضعهن في قوالب نمطية تعيد إنتاج الاشتباه الجماعي وتجرّم فئة كاملة بناءً على الهوية لا الفعل.
في هذا السياق، لم تكن المنصّات الإعلامية بمعزل عن ترسيخ هذا الخطاب. في عدد من التغطيات، جرى تناول الخبر بمنطق يربط الإدانة بالهوية والعرق، مع إتاحة المساحة لخطابات عنصرية من دون مساءلة أو حذف، ما أسهم في تكريس الوصم بحق فئة كاملة من العاملات المنزليات. وهو نمطٌ ليس جديدًا في جزء من الإعلام، الذي غالبًا ما يعالج القضايا الاجتماعية خارج منظور إنساني أو حقوقي أو نسوي.
View this post on Instagram
فاللغة المستخدمة في التغطيات الإعلامية والتعليقات المتداولة لم تكن حيادية، بل أعادت إنتاج صورة العاملة المنزلية بوصفها خطرًا كامنًا، تُعمَّم عليها الجريمة وتسحب منها صفة الفرد، لتتحوّل إلى نموذج يدان جماعيًا. وهو خطاب لا يكتفي بتشويه السمعة، بل يقصي العاملات المنزليات ويدفع بهن تلقائيًا إلى خانة المتهمات، في انتهاك مباشر لمبدأ المساواة أمام القانون.
خطورة تعميم الخطاب الاتهامي الجماعي
تفتح هذه الجريمة إشكالية جدّية حول مدى إمكانية الالتزام بتحقيق عادل، ومسؤولية مختلف الجهات المعنية في التعامل مع القضايا الجنائية، ولا سيما حين يُقدَّم شخص للرأي العام كمذنب مفترض بسبب لونه أو جنسيته أو موقعه الاجتماعي. فخطورة ما يجري تكمن في أن تصبح العدالة عرضة للتقويض، وأن يتحوّل التحقيق من مسار قانوني إلى محاكمة اجتماعية تُدار بمنطق الوصم لا بمنطق الحقوق.
وفي هذا السياق، ورغم تداول بعض الفرضيات التي أشارت إلى احتمالات أخرى في الفضاء العام، لم تحظَ هذه المقاربات بالمساحة نفسها في التغطية أو النقاش الإعلامي، مقابل تركيز شبه حصري على العاملة المنزلية بوصفها المشتبه بها الأساسية. هذا التركيز المبكر في الخطاب العام، قبل صدور أي نتائج رسمية أو استكمال مسار التحقيق، يعكس أثر الصور النمطية والخطاب العنصري في تشكيل الرأي العام، لا حكمًا قضائيًا على الجرم نفسه. وهو استسهال لا يمكن فصله عن بنية تمييزية أوسع، تعامل فيها العاملات المنزليات المهاجرات كفئة جاهزة للاشتباه، من دون ضمانات متساوية أو حماية قانونية فعلية، بما يشرعن العنف الرمزي ويقوّض أسس العدالة.
ومن دون تبرير أي جريمة كائنًا من كان مرتكبها، يبقى الخطر الحقيقي في أن يدار مسار العدالة تحت ضغط الصور النمطية لا الوقائع، بما يعيد إنتاج منطق “الذنب المسبق”، خصوصًا في القضايا التي لطالما استسهل فيها ربط العاملات المنزليات بالجريمة.
View this post on Instagram
نظام الكفالة: السياق البنيوي لإنتاج الوصم والذنب المسبق
لا يمكن فهم الخطاب العنصري والتحريضي الذي أعقب الجريمة بمعزل عن السياق البنيوي الذي ينتج فيه، وفي مقدمته نظام الكفالة، الذي يقوم على اختلال جذري في موازين القوة ويحوّل العاملة المنزلية إلى موقع هشّ، عرضة للوصم والاشتباه، لا شخصًا يتمتع بحماية قانونية متساوية. إن الإضاءة على هذا السياق لا تهدف إلى تفسير الجريمة أو تبريرها، بل إلى تفكيك الآليات التي تجعل فئات معينة هدفًا فوريًا للإدانة المسبقة في الفضاء العام، خصوصًا في لحظات الصدمة والعنف.
في هذا الإطار، كانت “شريكة ولكن” قد تابعت، منذ أكثر من سبعة أشهر، ضمن تحقيقاتها حول نظام الكفالة، قضية العاملة ر.ز، التي عملت لدى الفنانة الراحلة هدى شعراوي قبل المتهمة الحالية بالقتل. فقد وصلت ر.ز، البالغة من العمر 30 عامًا ومن غانا، إلى سوريا عام 2022، قبل أن تنقطع أخبارها عن عائلتها بشكلٍ شبه كامل، ما دفعهم/ن إلى التواصل مع موقع This Is Lebanon خوفًا على سلامتها.
وقد تابع الموقع القضية على مدى أكثر من عامين لضمان حمايتها، في واحدة من الحالات الموثقة المرتبطة بضعف حماية العاملات المنزليات.
وبعد ضغوطٍ متواصلة، سُمح لر.ز بإجراء اتصال واحد فقط مع عائلتها، وخلال هذا الاتصال، أجبرت على التحدث باللغة الإنجليزية، وهي لغة لا يتقنها أطفالها، وبدت، بحسب إفادة شقيقتها، خائفة وغير قادرة على التحدث بحرية، وهو ما يظهر في الفيديو الأصلي الذي اطّلع عليه موقعنا.
وبعد تأمين عودتها إلى بلدها في 25 تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد جريمة القتل المأساوية للفنانة شعراوي، نشر This Is Lebanon إفادة لر.ز أشارت فيها إلى تعرّضها لاعتداءات جسدية متكررة، وحرمانها من التواصل مع أطفالها لسنوات، إضافة إلى إعادتها من دون استيفاء كامل مستحقاتها المالية. كما أفادت بأنها حاولت، في عامها الأول، اللجوء إلى مركز شرطة لطلب المساعدة، قبل أن تعاد إلى المنزل نفسه بدل تأمين حمايتها.
View this post on Instagram
وخلال مقابلة أجرتها “شريكة ولكن” مع هدى شعراوي في حزيران/يونيو 2025، ردّت بأن العاملة “قاعدة بعقد ولسّا عقدها ما خلص”، وأنها “تتواصل مع أهلها وتأخذ كامل حقوقها”، مشيرة إلى أنها أرسلت لإحدى الجمعيات فيديو يثبت ذلك. إلا أن ردودًا لاحقة لها عكست بوضوح منطق اختزال العاملات إلى أرقام، حين قالت: “أنا إلي 30 سنة بجيب… وبعدين هاي رقمها عندي 13″، قبل أن تتوقف عن الرد على الأسئلة المتعلقة بمستحقات العاملة.
بعد الجريمة، أُعيد تداول مقتطفات من مقابلات وتصريحات سابقة لهدى شعراوي، ظهر فيها الخطاب الاختزالي ذاته تجاه العاملات المنزليات، سواء عبر توصيفهن بالأرقام أو عبر عبارات تنطوي على نزعة عنصرية واستعلائية، وهذا أيضًا ما رأيناه في تصريحات للعديد من الأشخاص أيضًا اللواتي/الذين حضرن/وا دفن الراحلة. كما انتشرت مقاطع مصوّرة أخرى تظهر أنماطًا من الخطاب التحقيري، لا بوصفها أدلة في أي مسار قضائي، بل كمؤشرات على مناخ عام يطبع حضور العاملات المنزليات بوصفه حضورًا قابلًا للتجريد من الإنسانية.
يُستدعى هذا السياق هنا لا لربطه بالجريمة، بل لإبراز الكيفية التي يعاد فيها إنتاج منطق الذنب المسبق بحق العاملات المنزليات، وكيف يصبح هذا المنطق جزءًا من الخطاب العام، ومن طريقة إدارة الاشتباه والتحقيق، بما يهدد أسس العدالة نفسها.