
“البيّنة على من ادّعى”.. ولكن هل يشهد البحر؟!
تحرّش في عرض البحر في مدينة صور
في 18 آب/أغسطس الماضي، وبينما كانت الشابة حوراء دكّاك تمضي إجازتها في مدينة صور جنوب لبنان، تحوّل يومها البحري إلى كابوس.
كانت تقيم في أحد الفنادق المحاذية للبحر، برفقة صديقها الأجنبي السائح الذي لا يجيد تحدّث اللغة العربيّة. لم تكن الشابّة تعرف أن جولة سياحية في البحر ستكون تجربة قاسية عليها بفعل تعرّضها للتحرّش من قبل المرشد “البحري” الذي استغلّ عدم قدرتها على النجاة بنفسها من الماء.
“قد أغرق وأموت، لكن لن أتركه يفعل ما يريد”.
منذ وصولها، علم مالك الفندق أنّها لا تجيد السباحة، فنصحها بالاستعانة بـ”م. ج.“، وهو مرشد سياحي يعمل في جولات بحرية وتدريب الغطس. كان انطباع السائحان عن م. ج. أنّه رجل “آدمي” خصوصًا بعدما أعاد لحوراء مقتنيات نسيتها على الشاطئ من دون أن يمسّ المال الموجود فيها. هذه اللفتة جعلت شيء من “الثقة” يُبنى بين السائحان و”البحري”.
في اليوم التالي، توجّهت حوراء وصديقها لرؤية الآثارات برفقة “البحري” معتقدة أنها ستبقى على القارب، قبل أن تفاجأ بأن الرحلة تتطلّب الغوص. أقنعها “البحري” بالنزول إلى الماء مطمئنًا إياها أنه سيكون إلى جانبها. ولأمانها بقيت حوراء متمسكة به.
بعد دقائق، وبينما كانت بعيدة عن صديقها وتحاول التغلّب على خوفها من الماء أقدم م.ج على “التحرّش بها جنسيًّا”، بحسب حوراء، مستغلًّا أنها لا تجيد السباحة ولن تقدر على الصراخ بفعل أنبوب التنفس.
View this post on Instagram
أدركت حوراء ما حصل، قاومت وبدأت تتخبّط في المياه وهي برفقة الغطّاس محاولةً الاستنجاد بصديقها بالتلويح له لمساعدتها. بعد أن أمسكت بيد صديقها، رمت بنفسها على القارب وهي مذهولة ممّا حدث. كان من الممكن أن تغرق لكنّها رفضت السكوت. بالرغم من فداحة ما تعرّضت له، طلبت حوراء من صديقها ألّا يبدي أي ردّ فعل وأن يتصرّف بشكلٍ “طبيعي”، خوفًا من أن يكون “المعتدي” مسلّحًا، ولأنهما لا يجيدان قيادة القارب للعودة. ردّ فعل “م.ج” كان بالصراخ على حوراء قائلًا إن تصرفها عرّضهما للغرق.
تضيف حوراء: “انزعج وكأنّه كان يريدني أن أستسلم له وأدعْه يفعل ما يشاء”. تتابع: “قلت في نفسي: قد أغرق وأموت، لكن لن أتركه يفعل ما يريد”.
طوال طريق العودة من البحر إلى الفندق عانت حوراء من نوبة هلع، كان جسدها يرتجف وهي تحاول استيعاب ما حصل معها والمتحرّش أمامها.
View this post on Instagram
وقاحة ثم وقاحة
لاحقًا وبعد مغادرة حوراء للفندق طالب المعتدي الفندق بأجر الجولة –كان قد أعطى للسائحين/ات حرية الاختيار بين الدفع المسبق وبين الدفع بعد العودة-. فاستجمعت حوراء شجاعتها وروت التفاصيل للإدارة التي أبدت تفهّمها وصدمتها في آن. فالـ”بحّار معروف في صور ومرتبط بالبلدية منذ نحو عشرين عامًا”، حسب ما أفادت في الفيديو المنشور. تقول حوراء: “لم أفكر بنفسي فقط، بل بالنساء والأطفال في المكان. ما فعله معي قد يفعله مع غيري”.
وبالفعل، بعد نشرها قصتها تلقّت حوراء شهادات مشابهة من نساء أخريات تعرضن للتحرّش من الشخص نفسه.
تؤكد حوراء أن ما حدث لم يكن عفويًا. “منذ البداية كان يعلم أنني لا أجيد السباحة، وأن صديقي لا يفهم العربية ولا يستطيع التدخّل فهو أجنبي في نهاية المطاف. انتظر اللحظة المناسبة. هذا لم يكن تصرفًا ساذجًا بل مدروسًا“.
حوراء قررت أن تكسر الصمت. فنشرت فيديو عبر “إنستغرام” تتحدث فيه عن الاعتداء وتكشف هوية المعتدي، كما أنها لجأت للقانون وقدّمت شكوى ضده، إلا أن الإجراءات قد تستغرق أسابيع لتحويلها. “هذه ليست أول حادثة تحرّش أتعرض لها، لكن هذه المرة اخترت أن أتكلم“.
في اتصالٍ من منصتنا مع مدير الفندق المعني، قال إن “المتّهم يتعاون مع العديد من الفنادق، من ضمنها فندقنا، غير أنه ليس موظّفًا لدينا”. وتقوم بعض الفنادق بترشيح اسم “م.ج” للسائحين/ات لمرافقتهم/نّ في جولات بحرية ترفيهية -وهذا ما حصل مع حوراء-. كما أنّه أي المتهم “موكل من قبل بلدية صور للاهتمام بالشاطئ العام، بغية ضبط الأمن ومنع العراكات الفردية والأحداث التي تهدّد الأمان هناك وتنظيم الشاطئ“.
أوضح مدير الفندق أنه كان خارج البلاد عند وقوع الحادثة، وأنه فور إبلاغه بها حاول الاتصال برئيس بلدية صور، حسن دبوق، إلا أن الأخير لم يجب. وبعد تواصلنا نحن مع رئيس البلدية، نفى علمه بالحادثة ولم يتمكّن من معرفة هوية المتّهم “م.ج.” ثم أعاد دبوق الاتصال بمدير الفندق، بعد اتصالنا به وإخباره عن الحادثة ليطلعه الأخير على تفاصيل ما حصل مع حوراء.
وأضاف مدير الفندق أنه أخبر رئيس البلدية تفاصيل الحادثة باعتبار “أن من واجب البلدية اتخاذ الإجراءات بحق المتهم إلى حين انتهاء التحقيقات، بعد تقدّم حوراء بشكوى ضده المتهم”. مضيفًا أنه: “يصدّقها أكثر مما يصدّق المتهم، فما مصلحتها؟“.
بعد مهاتفتنا مدير الفندق حاولنا مجدّدًا التواصل مع رئيس بلدية صور لمعرفة إذا ما كانت البلديّة ستتخذ أي إجراء بحق المتهم ، إلا أنه لم يجب على اتصالنا.
“البيّنة على من ادّعى”، ولكن هل يشهد البحر؟!
يعرّف القانون 205/2020 التحرّش الجنسي كـ “أيّ سلوك سيّء ومتكرّر، خارج عن المألوف، وغير مرغوب فيه من الضحية، وذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكا للجسد، أو للخصوصية، أو للمشاعر”.
كما يشير القانون إلى أن التحرش الجنسي قد يتم عبر أقوال، وأفعال، ووسائل إلكترونية. ويَعتبر القانون تحرّشًا جنسيًا “كلّ فعل أو مسعى، لو كان غير متكرّر، يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري ويهدف فعليا للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية“.
ولكنّ هناك العديد من الثغرات التي لم يعالجها القانون إلى الآن، كإلقاء المسؤوليّة على الناجية بتقديم الدليل على وقوع التحرش على أساس أن “البيّنة على من ادّعى”، وفي حالات مثل الحادثة التي حصلت مع حوراء يصعب إثبات دليل على ما حصل معها في وسط البحر وهي وحيدة برفقة المتهم!
في حديثٍ “لشريكة ولكن“ مع المحامية ليال صقر قالت إن “من الثغرات في القانون أنّه لم يُرفق بأيّة إجراءات عملية، مثل تنظيم دورات تدريبية للضابطة العدلية أو قضاة التحقيق أو المسؤولين عن هذه المّفات، ما يُظهر فجوة واضحة في التطبيق. ورغم أنه تناول جانب المراعاة النفسية للضحايا، إلا أن لبنان ما زال متأخرًا في تبنّي مقاربة “مركزية الضحية” واحترام الخصوصية التي تتطلّبها مثل هذه القضايا“.
من ناحيتها، تؤكّد الصحافية والناشطة النسوية حياة مرشاد على أنّه: “من المهم جدًّا ألّا يُترك عبء الإثبات على الضحية/ الناجية وحدها، بل يجب تعزيز حماية المبلّغات/ين والشهود، وإعطاء شهاداتهن/م قيمة قانونية تُمكّن القضاء من التحرّك على أساسها. كذلك، من الضروري التركيز على آليات الوقاية، خصوصًا في أماكن العمل، من خلال فرض سياسات واضحة ومدوّنات سلوك داخل المؤسسات”.
وتضيف مرشاد أنّه: “ثمة خطوات يمكن اتخاذها قبل أن تصل القضيّة إلى القضاء، مثل تفعيل صندوق دعم الناجيات/الضحايا عبر تخصيص ميزانية حقيقية له، وضمان أن تكون ميزانية الدولة حساسة للنوع الاجتماعي، بحيث تعطي الأولوية لقضايا النساء على غرار القضايا الأخرى. بالإضافة إلى تكثيف التدريبات الموجّهة للقوى الأمنية حول آليات تطبيق هذا القانون”.
أما عن الهدف المعلن من القانون “فهو إصلاحي أكثر منه عقابي”، بحسب ليال صقر التي لفتت إلى أنه “نصّ على إنشاء صندوق يُموَّل من الغرامات المفروضة في قضايا التحرّش، يتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية، ويهدف إلى دعم الضحايا/ الناجيات وإعادة تأهيل المرتكبين، غير أنّ هذا الصندوق لم يُموَّل كما هو الحال في كثير من الملفات اللبنانية“.
الفضيحة للمتّهم وليست للناجية
أخذت حوراء على عاتقها خطوة المواجهة. “لم أفكّر بنفسي فقط، بل فكّرت بما رأيت من أطفال ونساء وأشخاص في الفندق، وتساءلت: ماذا لو ارتكب الفعل نفسه مع آخرين/ أخريات؟ من يجرؤ على فعل ذلك بي، يمكن أن يفعله مع أيّ أحد. فكّرت بالأطفال تحديدًا، ولهذا لم أستطع أن أحمّل نفسي هذا الذنب”.
“لقد ارتكب فعلته، وأنا عليّ التعامل مع الأمر والتعافي منه والمضيّ قدمًا. هذه ليست أول حادثة تحرّش أتعرض لها، لكن هذه المرة قررت أن أتكلم”. نسألها عن الحساب الذي تراه منصفًا بحقها فتجيب: “من المفترض أن يُسجَن هذا الإنسان، لأنّه يستغل موقعه في عملٍ فيه مسؤولية تجاه أرواح الناس. إنه يحق الأذى بالناس، كما يضر بالسياحة والبلدية. أقلّ ما يجب أن يحدث هو أن يُفضَح ويُسجَن. هو من يجب أن يحمل الفضيحة، وليس الناجية أو الضحية”.
حاولنا مرارًا التواصل مع وزيرة السياحة لورا لحّود، إلا أنّنا لم نلقى أي جواب حتّى تاريخ نشر المادّة.
انحياز أعمى عن الحقّ للمتهّم وتهديدات للناجية
تعرّضت حوراء لهجوم في التعليقات على الفيديو الذي نشرته، فآفة مناصرة المتحرّش ليس بجديدة في مجتمعاتنا التي تجرّم الضحيّة وتقوم بإلقاء اللوم عليها.
إذ وُجهّت أصابع الاتهام نحوها لأنها برفقة “غريب”، وذهب مناصرو التحرّش بإلقاء اللوم عليها بسبب لباسها وصورها على صفحتها.
لم يقتصر الأمر على الهجوم عليها الكترونيًا بل وصل إلى حدّ التهديد بالأذى والتعرّض لها. فقد وصل لحوراء رسالة تهديد من مختارة في صور تُدعى (ي.خ)، ورد فيها : “بدي اكسر إجرك إذا بتجي على صور”. وفي حيت ألقت اللوم على حوراء فيما تعرضت له من تحرش وتعريض حياتها لخطر الغرق، لأنها برفقة صديقها، دافعت عن المتحرش “لأنه رجل آدمي”، مهدّدة حوراء بأن “رجال الحارة سوف يشهدون معه إن تقدمت الناجية بتقديم شكوى ضدّه.”
في هذا السياق، تشير حياة مرشاد إلى آن “المجتمع نفسه يسهم في إسكات النساء ووصمهن، في حين أنّ السلطة الذكورية والأبوية الممنوحة للمعتدي أو المتحرّش تجعله مصدرًا دائمًا للخطر. وقد قُتلت نساء كثيرات أو تعرضن لعنف مضاعف بعد إفصحاهن عمّا تعرضن له، ما يجعل من الضروري العمل على حماية الناجيات”.
وتلفت إلى أنّه “بالإضافة إلى فشل المؤسسات القضائية والأمنية في إنصاف النساء، سواء في قضايا التحرّش أو غيرها، هناك أيضًا أداء الإعلام التقليدي الذي لا يزال في غالبيته يقدم خطابًا مخزيًا بشأن التحرّش الجنسي، رغم بروز منصات حديثة تحاول كسر هذا النمط”.
بين مسارٍ قانونيٍّ بطيء، وتهديدات اجتماعية لا تقل عنفًا، تجد حوراء نفسها تخوض معركة مزدوجة: إثبات حقها ومواجهة وصم الناجية، وكل ما ينتج عن هذا من ضغطٍ نفسي، ناهيك عن صدمة ما تعرّضت له. ومع ذلك، ترفض التراجع: “عم يجربوا يخوفوني، بس ما عم تزبط معن“.
قصّة حوراء ليست مجرد حادثة فرديّة، بل هي تجربة سيئة تعيشها كثير من النساء: التحرّش، الاستغلال، وتواطئ المجتمع بلوم الضحيّة أو الناجية وقصص قتل النساء التي نشهدها في بلادنا. لكنها أيضًا قصة شجاعة أيضًا تقدمها لنا، لتثبت أن لكل امرأة الحق في الأمان، وفي أن يُسمع صوتها، مهما حاول المجتمع إسكاتها.