
مروّجًا لإنسانيته الزائفة الاحتلال الإسرائيلي يستغل أطفال/ات
في غرف الدعاية الإسرائيلية، تُهندس الروايات بعناية، ويُجمَّل المشهد بلمسات إنسانية زائفة لقلب الحقائق، غير أن مسرحية “الجندي الإنسان” سرعان ما تنهار أمام واقع غزة، حيث تكشف الجرائم المتواصلة بحق الأطفال/ات زيف الخطاب الدعائي ومحدودية تأثيره أمام سيل الوقائع الميدانية.
في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تمزق القناع بالكامل، فالجندي الذي يظهر أمام الكاميرات موزِّعًا الماء والطعام، يتحول إلى إصبع يضغط زر الإطلاق، موجِّهًا صواريخ الموت نحو أطفال/ات يبحثون/ن عن مأوى يقيهم/ن برد الشتاء في جباليا ومحيطها.
وكتب أدرعي معلِّقًا على المقطع:
“رغم ضجيج الحرب، كان للأطفال بوصلة فطرية تقودهم نحو الأمان، نحو القلب النابض بالإنسانية، لحظة بسيطة تختصر معنى الرحمة”.
يُرّوج المحتل لنفسه بالإنسانيته مع الأطفال أمام الإعلام
ثم يوجه لهم السلاح ويقتلهم في الكواليس
استخدام الأطفال/ات لتحسين صورة الاحتلال
ويُلاحظ أن هذا المقطع يُعاد تدويره بشكل متكرر عبر الحسابات الإسرائيلية الرسمية، في إطار حملة دعائية منظَّمة تهدف إلى الترويج لما يسمى “إنسانية الجيش”، في محاولة لحجب التدفق الهائل لصور المجازر والانتهاكات بحق المدنيين/ات في غزة.
غير أن هذه الرواية سرعان ما اصطدمت بالواقع، إذ كشفت “الجزيرة تحقق” تناقض الخطاب الإنساني المُعلَن مع السلوك الميداني، حيث لم يكد يمر يوم واحد على تغريدة أدرعي حتى استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية طفلين في محيط مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع.
الهدف لم يكن مسلحين، بل الطفلان سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا)، اللذان استشهدا ظهيرة السبت الماضي، بعد يوم واحد فقط من الترويج الدعائي “للمشهد الإنساني”.
واستهدف الاحتلال الطفلين بصاروخ من مسيّرة عند مستشفى كمال عدوان، بينما كانا في طريقهما للحصول على مقتنيات لبناء خيمة لعائلتهما، خاصة مع ظروف الشتاء القاسية التي يواجهها النازحون/ات.
من جانبه، أوضح الناشط عبد الرحمن بطاح (عبود) أنه التقى جاره أبو محمد الزوارعة، والد أحد الطفلين، قبل يومين فقط من الحادثة، وكان يُحدِّثه عن المعاناة اليومية والاستهداف المستمر للمنطقة، وفقد أبو محمد بعد ذلك الحوار بـ48 ساعة ابنه الوحيد.
وظهر أبو محمد في مقطع فيديو مفجع وهو يحتضن جثمان طفله، مخاطبًا الأطباء بصدمة:
“نادي الدكتور يصحيه، هذا ابني الوحيد بموتش، نادي الدكتور يعطيه إبرة ويمسحله وجهه، ما بدي أدفنه، حطه بسيارة، مشان الله تقوم يابا”.
بث أكاذيب إعلامية باستغلال الطفولة
وتكشف المقارنة بين المشهدين نمطًا ممنهجًا من التعمية الإعلامية، إذ يُستغل الأطفال/ات في مناطق التماس لصناعة محتوى ترويجي، بينما يجري استهدافهم/ن بأسلحة دقيقة في المناطق المدنية فور غياب الكاميرات، في محاولة دائمة لإعادة إنتاج صورة زائفة عن سلوك الاحتلال.
وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى استشهاد 483 فلسطينيًا/ـة منذ وقف إطلاق النار، بينهم/ن 252 من النساء والأطفال/ات، استُهدف معظمهم بعيدًا عن “الخط الأصفر”، إضافة إلى أكثر من 20 ألف طفل/ـة فقدوا/ن حياتهم/ن في حرب الإبادة المستمرة على القطاع.
ولا تمثل هذه الجريمة حادثة معزولة، بل تأتي ضمن نمط متكرر من استهداف الأطفال/ات في قطاع غزة منذ بدء الحرب، حيث وثقت تقارير أممية وحقوقية مئات الوقائع التي قُتل فيها أطفال/ات داخل منازلهم/ن أو في محيط المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، فضلًا عن استهدافهم/ن أثناء محاولات النزوح أو البحث عن الغذاء والماء.
وتكشف هذه الوقائع عن سياسة ممنهجة تتجاوز منطق الأخطاء الفردية، لتؤكد أن الأطفال/ات في قلب دائرة الاستهداف، في واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الطفولة في العصر الحديث.