
اختطاف العلويات في سوريا بين العنف الطائفي والنفي الرسمي
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تحقيقٍ موسّع عن حالات اختفاء وخطف طالت نساء وفتيات من الطائفة العلوية في سوريا منذ أواخر عام 2024، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، وسط اتهامات بوجود نمط من العنف المرتبط بالهوية، تقابله السلطات السورية بنفي قاطع لأي استهداف ممنهج.
استُهل التحقيق برواية فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا من شمال غربي سوريا، خرجت في أيار/مايو الماضي لشراء بعض الاحتياجات ولم تعد، ولكن بعد أسابيع من اختفائها، تلقت عائلتها اتصالًا من مجهول أكد احتجازها، مطالبًا بفدية مالية كبيرة.
13 حالة خطف لنساء علويات
وبحسب التحقيق، عادت الفتاة إلى منزلها في آب/أغسطس 2025، بعد أكثر من مئة يوم من الاحتجاز، حيث أفادت بأنها كانت محتجزة في قبو وتعرضت للتخدير والاغتصاب بشكل متكرر.
أفادت الصحيفة أنها تمكنت من التحقق من 13 حالة خطف لنساء وفتيات علويات، قالت خمس منهن إنهن تعرضن للاغتصاب، فيما عادت اثنتان إلى عائلتيهما وهما حاملتان، كما وثقت حالات دفعت فيها عائلات مبالغ مالية كبيرة مقابل الإفراج عن الضحايا، دون ضمانات لعودتهن.
في المقابل، تنفي الحكومة السورية وجود نمط من الاستهداف الطائفي، مؤكدة أنها لم تثبت سوى حالة واحدة “حقيقية” من أصل 42 بلاغًا وردت إليها، بينما أرجعت بقية الحالات إلى أسباب أخرى، مثل الخلافات الأسرية أو الهروب أو أنشطة إجرامية.
شهادات تشير إلى دوافع طائفية
في المقابل، قالت النساء اللواتي التقت بهن الصحيفة وأقاربهن إنهن خُطفن من الشارع على أيدي رجال مسلحين قرب منازلهن أو أثناء قيامهن بأعمال يومية، وأن الخاطفين كانوا سوريين أو جهاديين أجانب قدموا إلى سوريا خلال الحرب، وقالت كثيرات أن خاطفيهن شتموا العلويين/ات واعتبروا أن سلبهم/ن واغتصابهم/ن أمر مباح.
ونقلت الصحيفة عن امرأة تبلغ 33 عاماً قولها أن أربعة رجال مسلحين خطفوها الصيف الماضي، وسألوها إن كانت علوية، وحين أجابت بالإيجاب قالوا إنهم “سيقضون وقتًا ممتعًا”، مضيفة: “كانوا يريدون إذلال العلويين/ات”.
كما وثقت الصحيفة خمس حالات لنساء علويات اختفين وما زلن مفقودات، مع عدم القدرة على الجزم بما إذا كن مخطوفات.
ومن جهتها، قالت “منظمة العفو الدولية” في تموز/يوليو الماضي، إنها تلقت تقارير موثوقة عن 36 حالة خطف مماثلة، ووثقت ثماني حالات منها، فيما قالت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة في آب/أغسطس الماضي أنها وثقت ست حالات مماثلة، وتلقت “تقارير موثوقة” عن عشرات الحالات الأخرى التي ما زالت تحقق فيها.
ونقل التحقيق عن المديرة التنفيذية لـ”اللوبي النسوي السوري”، ريما فليحان، أن المنظمة أحصت اختفاء 80 امرأة وفتاة علوية منذ مطلع العام 2025، مع تأكيد 26 حالة خطف عادت منهن 10، فيما ما زالت ثلاث نساء مفقودات، وأن أوضاع 13 أخريات غير واضحة.
“الحمل لا يثبت وقوع خطف، ورسائل الفدية يمكن تزييفها”، متسائلاً: “بالنسبة لكل هذه الفديات، أين الدليل؟”.نور الدين بابا المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية
يربط التحقيق بين هذه الحوادث والسياق السياسي بعد سقوط النظام، مشيرًا إلى أن اعتماد النظام السابق على أبناء الطائفة العلوية في المؤسسات العسكرية والأمنية ساهم في ربطها بالنظام في نظر خصومه.
كما يستعيد التحقيق أحداث عنف طائفي شهدها شمال غربي سوريا في آذار/مارس الماضي، وأسفرت عن مقتل نحو 1400 مواطن/ة، معظمهم/ن من المدنيين/ات العلويين/ات، ما يعزز المخاوف من موجة انتقام أو استهداف غير مباشر.
ووفقاً للتحقيق، أوضح نور الدين البابا أنه لا يستطيع التعليق على ما توصلت إليه الصحيفة إلّا إذا قدمت أسماء الحالات التي تحقق منها، إلّا أن الصحيفة رفضت هذا الطلب. وأضاف: “الحمل لا يثبت وقوع خطف، ورسائل الفدية يمكن تزييفها”، متسائلاً: “بالنسبة لكل هذه الفديات، أين الدليل؟”.
ويختتم التحقيق بالإشارة إلى التداعيات النفسية والاجتماعية القاسية على الناجيات، حيث تعاني كثيرات من صدمات أثّرت على حياتهن اليومية، بما في ذلك التعليم والعمل والنوم، فيما انتهت بعض الزيجات، واضطرت أخريات إلى مغادرة البلاد خوفًا من تكرار الاستهداف.