“الشيطانة النجسة” التي نعهد لها بمهمة أخلاقية مقدّسة

أندهش كثيراً وأنا أتابع الحديث الدائر مؤخراً في المجتمع المصري بين عدة أطراف حول إباحة الإسلام ضرب الزوجة الذي يهدأ فترةً ثم يعود ويشتعل مرةً أخرى.

هذه الدهشة بالمناسبة، تصاحبني دائماً عند متابعة الآراء المتعلقة بجميع قضايا النساء التي تخصهّن قلباً وقالباً منذ ولادتها حتى زفّها إلى القبر.

منذ أن تستيقظ في الصباح، حتى تنام في المساء. هذا إذا تمكنت من النوم أصلاً، بسبب المناخ الذي يحاصرها.

سبب الدهشة هو أن معظم الآراء في قضايا النساء، سواء أتت من أطرافٍ دينية أو مدنية، من رجال ومن نساء، من مؤسسات رسمية حكومية، أو من مؤسساتٍ مستقلة، محلية أو عالمية، مراكز بحثية، وجمعيات نسائية وجمعيات حقوق الإنسان، نواب ونائبات في البرلمان، إعلاميون وإعلاميات على المحطات الأرضية والفضائية. من أشخاصٍ في مناصب مرموقة، أو أشخاص على المقاهي، كُتّاب وكاتبات، كلها تتسم بقواسم مشتركة هي: التناقض، التجزأ، الترقيع، ركوب الموجة، تحقيق منافع، إلى آخر الأغراض الفاسدة، التي لا تحلّ شيئاً من جذوره. ولا تصل إلى الأسباب الحقيقية وراء القضايا المثارة، ولا تلمس من قريبٍ أو من بعيد أصل الداء.

وهذا هو السبب أننا بالنسبة إلى قضايا النساء، وليس فقط في موضوع ضرب الزوجة، نتحرك خطوةً مرتعشة جزئية غير كاملة، ثم لا نلبث سريعاً أن نتراجع عشرات الخطوات إلى الخلف. وبين كل فترةٍ وأخرى، يدور الحديث نفسه، عن الأمر نفسه.

يأخذ نصيبه المعتاد من الصخب والفوضى، وتبادل الاتهامات. ثم ينطفئ كل شيء، ونحن عند نقطة الصفر.

ويبدو أن هذه الطريقة في التفكير مغروزة في ثقافتنا الموروثة، ونحن نتعامل مع المشكلات والأزمات في أي مجال. لكن الملاحظ، أنها في قضايا النساء، تصبح أكثر وضوحاً، وإصراراً على عدم التغير.

والسؤال: لماذا؟ لماذا في ما يخصّ النساء نجد هذا الموقف المتكرر، سواء في قضية إباحة ضرب الزوجة أو غيرها؟

السبب هو أن “المرأة” في ثقافتنا العربية الإسلامية، وفي الموروثات التي ندرسها ونقرأها، وفي مقررات التعليم، وفي أسلوب تربية الأسرة الأبوية، وفي مفاهيم “الشرف”، وبنود قوانين الأحوال الشخصية، والمواد الإعلامية، واللغة الذكورية التي نتحدث ونكتب بها، وفي الأعمال الدرامية، هي “كائن” غير مستقل بذاته.

ليست حرة بالفطرة، ليست كاملة في العقل والتمييز والأهلية، “دوافعها شيطانية”، “انتقامها بشع” و”كيدها مرعب”! “كائن نجس مصافحته تنقض الوضوء”.

اسم  المرأة عار، جسمها من أول شَعرها حتى أظافر قدميها عورة، وحركتها فضيحة، مشكوك في نواياها وتصرفاتها.

المرأة ليست مخلوقاً في ذاتها ولذّاتها، لكنها مخلوقة من ضلعٍ ذكوري أعوج، لإمتاع الرجل الهائج دائماً، بالنكاح الحاضر، وبالخدمة وطاعته من دون نقاش.

والنتيجة هي المعلوم من الدين ومن الثقافة بالضرورة، أن ضرب الزوجة و”الوصاية” على النساء واجبة. قبل أن يتحرّكن لا بد من أخذ رخصة من الذكور، الذين يحرسون موروثات الدين والثقافة والفضيلة.

أما الهدف، فهو كما يرّسخه ويقنّنه ويشرعنه المجتمع الصحراوي البدوي منذ 1400 عام: إحكام الحصار والهيمنة الذكورية على النساء.

فهن “الفريسة” التي لا بد من إبقائها داخل المصيدة، و”الشيطانة” التي يجب تغطيتها وتأديبها، وإصلاح اعوجاجها، والقوامة عليها، لنحمي الذكور من الغرائز المثارة بفعلها.

كما لنحمي الأسرة من الفساد المغروز في عقلها وقلبها، ونحميها أيضاً من شرور نفسها، ونقص دينها وأخلاقها.

والتناقضات التي تسد عين الشمس في هذه الموروثات البدوية الصحراوية، هو كيف توصف النساء بأنهن “الكائن الأضعف”، ورغم ذلك، هن “القادرات” بمجرد إظهار خصلاتٍ من شعرهن، وإن كنّ طفلات، أن “تعفرتن” غرائز وشهوات الرجال (الكائن الأقوى)، تنسيهم تعاليم دينهم، وتدفعهم بسهولة متجاهلين معصية الله وغضبه؟

كيف تكون النساء “الكائن الأضعف”، الشيطاني، المدنّس، المشبوه، ثم نعهد لها بالمسؤولية عن “شرف الذكور وعرضهم”، سواء قبل الزواج، من الأب والأخ والعم والخال، أو بعد الزواج من الزوج، والذين  يتباهون بالقتل والذبح، لاستعادة “شرفهم وعرضهم”، إذا ظهر في المشهد “ذكر” آخر؟

حتى القانون يعطي حكماً مخففاً للزوج الذي قتل زوجته “الزانية” على فراش الزوجية، هي و”عشيقها”، لأن “شرفه” الموجود “حصرياً” في جسد زوجته، “تمرمط في الطين”. و”عرضه” مدفوع الأجر، من المهر والشبكة والعفش وبقية المصاريف، قد استُهزئ به، على سريره الشرعي.

وكيف تكون النساء هذا الكائن المشكوك في شهادته أمام المحاكم، وحسن تمييزه للأمور، وتعطين آذانهن من دون مقاومة لتحريض إبليس على الرذيلة (المحصورة فقط في النصف السفلي من جسدهن)، هن “المسؤولات” عن تربية الأطفال والطفلات وتحديد نوعية رجال ونساء الدولة في المستقبل.

المهمة التي لا نتوقف عن تمجيدها، وتبجيلها، وتقديسها، ومن أجلها تترك النساء تعليمهن وعملهن، إذا تعلّمن وعملن؟

ثم كيف يكون الرجل هو الأقوى، عقلياً ونفسياً، مكتمل الأهلية، يحسن التمييز، قادرر على ضبط انفعالاته، وهو “يرمي يمين الطلاق” في لحظة غضبٍ أهوج، بشكلٍ شفوي على زوجته و”أم عياله” لأنها تأخرت في تحضير الغداء، أو جرت لرؤية أمها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، أو ليس لديها مزاج للنكاح، أو بادلته الحجة بالحجة، أو اكتشفت تحرّشاته وخيانته، وتعاطيه للممنوعات، ونكاحاته في “بيت دعارة”، وكسب المال من أعمال ضد القانون؟

بكل بساطة، تخوض النساء حروباً على جميع المستويات، منذ الميلاد وحتى الموت. حرب ضروس، لا تسمح لهن أن يكنّ “مواطنات” يملكن أنفسهن، ولسن “في عهدة” ذكر، أو “على ذمة زوج”، أو “في كنف ِمحرم”.

ومعظم الفقهاء الذين يقدّسهم المسلمون والمسلمات، أسسوا لهذه الحرب وخططوا لها قوانينها ومناهجها ومعاركها، وأسلحتها.

حرب كل شيء فيها، مثل أي حرب، مباح. حرب تأبى إلا أن ينتصر “الذكور” فيها، لأنهم “خلفاء الله على الأرض”.

الملفت للنظر والدهشة، أن هذه الحرب التي تشحذ كل الأسلحة المعنوية والجسدية، الممكنة وغير الممكنة، المتجددة على مدى الأزمنة، لإبقاء النساء داخل القفص الذكوري متاعاً مطيعاً للوطئ، غير متكافئة على الإطلاق.

وهذا تناقض آخر، لا يناقش كيف تكون النساء هن “الأضعف”، لكنهن فعلياً، في العرف والثقافة والموروثات الدينية، هن “المحاصرات” بجميع الأسلحة؟

الإنسان الضعيف لا يحتاج إلى كل هذا الكم من الأغلال والقيود، والفرض والإجبار، وتجمّع الحشود الغاضبة، ليبقى مُسيطراً. هكذا يقول المنطق السوي.

في داخلي قناعة، أن هناك خوف هائل لدى الذكور أنهم في حال تركوا النساء حرّات، سيملكن أنفسهن وقراراتهن واختياراتهن، وعقيدتهن وأخلاقهن، ويحدّدن مصيرهن من الألف حتى الياء، كما يفعل الرجال. وأن يكون لهن الحقوق نفسها كاملة على جميع المستويات مثل الرجال.

لا أندهش من المرأة التي تدافع عن دونيتها وتحقيرها، ولا تجد غضاضة في أن يضربها الزوج، وينفق عليها، ويجبرها على الطاعة العمياء، وتتلذذ في ترسيخ عبوديتها في القرن الواحد والعشرين.

هذه هي سيكولوجية المقهور/ة، الذي/التي لا حول له/ا ولا قوة، ولا حياة ولا أمان، إلا باستدماج ثقافة وتصرفات القاهر.

أن تنفق النساء على أنفسهن، ولا تحتجن إلى الرجال لكي يعشن حياة آمنة اقتصادياً، وأن لا يلفظن كلمة “معولة من الزوج”، هي أول خطوة في طريق انتصار النساء في الحرب الشنعاء المعلنة ضدهن سلفاً قبل أن يولدن.

وهذا الأمر لن يتم إلا بثورةٍ ثقافية عامة تشهدها البلاد، كمشروع قومي يوحّد الناس، وتتبناه جميع أجهزة الدولة المدنية المستنيرة، التي لم يكتمل تطهيرها وبناؤها منذ 30 حزيران/يونيو 2013.

معظمنا يدرك أن الكثير من أجهزة ومؤسسات الدولة، ما زالت إخوانية وهابية سلفية، وترسخ ذلك بغسل العقول عن طريق الإعلام الديني، و”بيزنس” الشيوخ والدعاة الإسلاميين، جنود وأنصار وحلفاء الدولة الدينية الذكورية.

الثورة الثقافية هي الحل. هي التي ستخلق نساءً يرفضن أن يمدّ ذكر يده عليهن، حتى لو كان هو الذي يوفر “اللقمة والهدمة” وينفق على الأسرة.

وأنا أعرف نساء كثيرات “على باب الله” كما يقال، والواحدة منهن لا تملك شهادات ولا مهنة، لكنهن يدركن بالحس الفطري للكرامة الانسانية أنهن لا يجب “أن يُضربن”.

والعكس صحيح. هناك نساء مرموقات العلم والثقافة والمناصب، لكنهن “يُضربن” من أزواجهن، الذين هم أقل منهن علماً وثقافة ومنصباً.

يُضربن لفظياً وجسدياً، ومعنوياً. وبعضهن لا يعتبرن الرجل رجلاً، مكتمل الرجولة، إلا إذا مارس عليهن العنف، وآليات الإهانة الإنسانية الفجة.

الثورة الثقافية هي التي ستخلق رجلاً، لا يقبل أن يضرب امرأة، زوجته كانت أو أخته أو ابنته أو والدته. ولا يقبل أن يكون للرجال حقوق مواطنة كاملة، بينما النساء مغروزات في القهر والتفرقة والازدواجيات الأخلاقية.

الملاحظ عند مناقشة قضايا النساء وإثارة موضوع يخصهن، مثل ضرب الزوجة، نجد الجميع، يدلي بدلوه، إلا النساء أنفسهن.

كيف ذلك وهن اللاتي يُضربن، وتتم إهانتهن، والحرب تخاض ضد إنسانيتهن الكاملة، وضد شعورهن بالمواطنة الشاملة العادلة؟

نحن في القرن الواحد والعشرين، من الناحية الزمنية. لكننا من الناحية الثقافية في القرون الوسطى.

ما زلنا نعتبر جنس النساء “تحت خط الإنسانية”. وكل ما يخص “أنسنة النساء” ومعاملتهن على أنهن “مواطنات” درجة أولى، يتم إحالته إلى الأزهر ليقول رأيه.

هذه إهانة علنية لا تستحي. ما معنى أن نُخضع ضرب الزوجة للنقاش والجدل وإصدار فتاوى؟

يعتبر المجتمع الذكوري أن واجبات النساء الأولى المقدسة هي طاعة الذكر وعدم التحرك إلا بإذنه وموافقته.

وتعتبر “ناشزاً” إذا لم تطع، وتحصل على الإذن والتصريح المختوم بمباركة الزوج. وهو إذن مشروط بوقتٍ محدد، ويوم محدد، يقرّره الزوج خليفة الله على الأرض.

وإذا أصبحت “ناشزاً”، وجب تطبيق كل عقوبات النشوز لكسر كبريائها كما أفتى الشيوخ وإمام الأزهر، بأريحيةٍ كاملة، واطمئنان أن شرع الله بخير لم يفرّط فيه.

أما الرجل الناشز، فلا تضربه المرأة ولا تعاقبه. ما هذا التمييز الكريه الذي تحمله الأجيال عبر الأزمنة؟

وأخيراً وليس آخراً، أقول بديهية من البديهيات الغائبة المنسية عن جهلٍ أو عن عمد، الحر من الرجال، لا يضرب. الحرة من النساء، لا تُضرب. وفي الأسر العادلة السويّة، التي تخلّصت من الإرث الذكوري الموروث، الأطفال والطفلات لا يُضربن/ون.

يقولون إن الإسلام لا يقبل بضرب إنسان لإنسان. وهذا صحيح، لأن المرأة في الموروث الديني ليست “إنسانة”. هي “تابعة”، “مطيعة” للزوج الذكر، المعقّد من المناقشة المنطقية، ويحمل رجولته وفحولته علي رأسه، مثل بطحةٍ لا تحتمل المساس بها.

الجواري والعبيد يُضربن/ون من “المالك” الذي اشتراهن/م بالمال. هن/م ليسوا بشراً، فالبشر غير قابلين للبيع والشراء.

والزوجة تضرب من “الزوج” الذي امتلكها أيضاً بالمال، واشتراها بالمهر في سوق الزواج، متسلحاً ومتنمراً، بشروط الذكور وسلطاتهم المطلقة في الزواج والطلاق والخيانة، والمعروف الذي يقدمه “ليستر الأمر في بيت العَدَلْ”.

“مراتي وأنا حر فيها” .. “الست بتاعتي”، هذه مقولات شائعة وسائدة، والناس يؤمنون بها، بل ويقدسونها.

الجذر الأصلي، هو فرض “الطاعة” على النساء والزوجات، التي هي رذيلة من ميراث العبودية، واعتبارهن ناقصات وجبت عليهن الوصاية والرقابة والإقصاء والإصلاح والتأديب والتهذيب، وإلا ضاعت الأسرة، وتأريف الزوج، وتشرد الأطفال/ات، وفسد المجتمع، واندثرت الفضيلة.

وكما قال واحد من فلاسفتي الذين أحبهم فريدريك نيتشه (15 تشرين الأول/أكتوبر 1844 – 25 آب/أغسطس 1900): “الحديث عن حراسة الأخلاق هي أكثر الوسائل فعالية لجرّ البشرية من أنفها”.

كتابة: د. منى حلمي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد