حادثة حضانة الجديدة الوجه الأوضح لعنف المنظومة الأبوية

انتشر أمس على مواقع التواصل الاجتماعي اللبنانية مقطع مصوّر داخل حضانة أطفال في منطقة الجديدة، يظهر تعنيف الجليسات/ المعلمات للطفلات/ الأطفال بشكل وحشيّ.

ويوحي الفيديو بأن هذا الضرب الذي تمّ توثيقه ليس إلّا جزءًا من تعنيف مستمرٍ يعانين/ون منه بوتيرة ثابتة تركت أثرها على سلوكهنّ/هم الذي اتّسم بالوجوم.

ما الذي يجعل تعنيف الطفلات/ الأطفال قضية نسوية؟

تعارض النسوية مبدأ التسلّط، وتقف ضد جميع الممارسات التي تقوم على استضعاف أفراد/ فئات، كما تولي الطفلات/ الأطفال اهتمامًا لناحية أنهنّ/هم فئة مستضعفة.

فالمنظومة الأبوية التي تصوّر العلاقات الاجتماعية على أنها هرمية الشكل، تعتبر الأطفال ملكًا للعائلة، أو بالأحرى ضمانةً لاستمرار وجود “العائلة” ونسلها.

لكنّ المنظور النسوي لهذه العلاقات قائم على تفكيك التشابك فيما بينها، ورفض التسلّط المتغلغل فيها، فالأطفال/ الطفلات ليسوا ملكًا لأحد، وقدومهنّ/هم إلى الحياة عبر هذه العائلة أو تلك هو محض مصادفة كان يمكن لها ألّا تكون من الأصل.

إشكالية حضانة الجدَيدة

قد يبدو عسيرًا أن نتفهّم أن النساء اللواتي يعانين من اضطهاد المنظومة الأبوية في كافة أشكال التعنيف، ابتداءً من الاقتصادي وصولًا إلى الجسدي والنفسي، يمكن أن يقمن هنّ بدورهنّ بممارسته.

ولكنّ ما يجب أن نقف عنده هو مستويات العنف المتداخلة في هذه الحادثة. فالمشرفة التي عنّفت الطفلات/ الأطفال تعرّضت لهجوم من قبل الأهالي على منزلها.

وبعدها، انطلقت عاصفة اختراق خصوصية الطفلات/ الأطفال، عبر تداول المقطع الذي يوثّق لحظات تعنيفهن/م. وأظهر المقطع وجوههن/م -على غير وجه حق- وهن/هم ينفجرن/ون بالبكاء، من دون أخذ المضاعفات النفسية لهذا الانتهاك بعين الاعتبار.

واللافت في الأمر، أن تحالفًا وزاريًا أبويًا تشكّل لمعاقبة المشرفات، لامتصاص الغضب الشعبي والتغطية على تقاعس أجهزة الدولة عن القيام بمسؤولياتها.

إذ صرّح وزير الصحة اللبناني أنه سيتم إغلاق الحضانة. وتصدّر هذا القرار المشهد على وسائل الإعلام ومواقع التواصل، كما لو أنه عملٌ بطولي.

وأوضح الوزير أن “هذا الإجراء وحده ليس كافيًا بل أنه سيتعاون مع وزير التربية، ووزير الشؤون لمتابعة شكل العقوبة”.

بالطبع، لا خلاف على أن المشرفات المعنفات يجب أن ينلن جزاءً قانونيًا. لكنّ ما وجب النظر في أمره ابتداءً هو غياب آليات الرقابة التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه.

فمن الغريب في مكانٍ أن يكون مقطع مسرّب هو المحرّض لثلاث وزارات، لتأدية عملها “البديهي والطبيعي”. فالانتهاك لم ترصده كاميرات للمراقبة في الحضانة، بل صوّرته إحدى المساعدات التي كانت تشاهد ما يحدث وتضحك.

علمًا أن القانون اللبناني، يلزم دور الرعاية بما فيها الحضانات بتركيب كاميرات للمراقبة، ويمنح الأهالي حق الاطلاع عليها.

ولكنّ الوزير الذي أطلّ يستعرض بطولاته الانتقامية لم يأت على ذكر هذا القانون، ولم ينوّه لذاك الحق.

وهو ما ينذر بالخطر حول الجسم الرقابي المتآكل في لبنان، والذي حاولت السلطات التغطية عليه عبر تقديم نموذج أبوي للعدالة.

ويعدّ نموذجًا شائعًا في البلاد المحكومة بقوانين أبوية. والتي تنطلق من ثنائية المحاسبة والعقاب، مع إغفال دور الرقابة، وواجب استحداث قوانين عادلة.

ما الذي كان ينقص معاقبة المشرفات ليكتمل مشهد العدالة؟

ما لا شك فيه، أن إغلاق الحضانة ومحاكمة المشرفات هو جزء من العدالة للطفلات/الأطفال وللأهالي. ولكنّ ما لم يتم الإتيان على ذكره هو عدم وجود حضانات مخصصة داخل أماكن العمل.

فضلًا عن “إجازة الأمومة” التي تعتبر بحدّ ذاتها شكلًا من أشكال التمييز ضد النساء في قوانين العمل. وذلك لتصوير  واجب رعاية الطفل/ة على أنه شأن الأم وحدها.

ورغم ذلك، تجد الكثير من النساء أنفسهن خارج وظائفهنّ بعد انتهاء هذه الإجازة، بينما تتغافل السلطات عن ضرورة استحداث إجازة رعائية يحصل عليها كل من الأم والأب للاهتمام بالطفل/ة.

في المقابل، هذا لا ينتقص من أهمية الحضانات كمنشآت ضرورية، إلا أنّ مراقبتها لضمان تحقيقها الشروط المادية والمعنوية لرعاية الطفلات/ الأطفال هي مسؤولية الدولة وأجهزتها. وليس الأمهات اللواتي طالتهنّ موجات من اللوم والتذنيب على خلفية انتشار الفيديو، وشاركت فيها شخصيات “عامة”.

موجةٌ كفيلةٌ بصب زيت التحريض فوق نار كراهية النساء المستعرة بالأصل، والمتربّصة بخياراتهن الحرة وقراراتهن اللا نمطية.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by شريكة ولكن – Sharika wa Laken (@sharikawalaken)

مقابل وابل الشتائم والتهديدات التي طالت المشرفة المعنفة، كان هنالك عاصفة من الشتائم والتذنيب للأمهات اللاتي يرسلن أطفالهنّ إلى الحضانات.

فجميع الحوادث في أدمغة الذكوريين تحور حول النساء، و”دور النساء”، إذ تحوّلت حادثة حضانة الجديدة من انتهاك عنيف بحقّ الطفلات/ الأطفال إلى مساحة لإلقاء اللوم على الأمهات.

فبالنسبة لهؤلاء لم تكن الحادثة مؤشر خطر على غياب المراقبة، بل على وجود النساء في المساحات العامة بدل اعتكافهنّ في المنازل لتربية أبنائهن.

علمًا أن الكثير من النساء لا يزلن محصورات ضمن هذا الحيز الضيق للواجب الرعائي، بفعل المنظومة الرأسمالية الأبوية. إلا أن الذكورية لا تنفكّ تحملهنّ ذنب أي ضرر أو أذى يلحق بناتهن وأولادهن.

يذكر أنه، بتاريخ 12 تموز/يونيو ادّعت القاضية غادة عون على المشرفة المعنّفة بجرم إيذاء ومحاولة قتل أطفال في الحضانة المذكورة، وعلى مدير الحضانة بجرم الإهمال والإيذاء.
وانتهت يوم 18 تموز/يونيو جلسة التحقيق، وأصدرت القاضية رانيا يحفوفي مذكرة توقيف بحقّ كلّ من المشرفة والمديرة استنادًا إلى الاتهامات الموجهة إليهما.  

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد