
غادة النخعي تروي معاناتها في بودكاست” قصص حياة”
ثلاث سنوات بلا طفليها: كيف حوّلت القوانين الأبوية العنف إلى حق!
لم تبدأ قصة غادة النخعي بالعنف، بل بالطموح. امرأة يمنية درست، عملت، ونجحت، ثم دخلت زواجًا ظنّته شراكة حب، فإذا به يتحوّل إلى دائرة مغلقة من الغيرة، والسيطرة، والضرب، والتهديد، وانتهاءً بأقصى أشكال العنف، مثل خطف طفلين وحرمان أم من رؤيتهما لثلاث سنوات.
قصة غادة ليست استثناءً، بل مرآة لمنظومة قانونية واجتماعية أبوية تُمكّن المعتدي، وتُقيّد الضحية، وتضع “حق الأب” فوق سلامة الأطفال وحق الأم في رعايتهم.
“قصص حياة” هو مساحة تضع النساء في مركز الحكاية: أوجاعهنّ، نضالاتهنّ، انتصاراتهنّ، ورحلة سنوات طويلة من مواجهة منظومة أبوية تُحاول إسكاتهنّ منذ عقود.
بين لبنان ومصر، وبين غياب الطلاق الرسمي، وتهديدات القتل، ومنع السفر، وجدت غادة نفسها أمام قانون لا يحميها، وأطفال يُعاقَبون لأن أمهم قررت النجاة.
قصة غادة لا تتجسد في معاناة الانفصال وحدها، بل تروي في فصولها العنف الأسري، وخطف الأطفال، وكيف تتحوّل القوانين إلى أداة قمع حين تفشل في حماية الأضعف. نعرف تفاصيلها كاملة من خلال بودكاست “قصص حياة”.
View this post on Instagram
بودكاست “قصص حياة” هو مساحة تضع النساء في مركز الحكاية: أوجاعهنّ، نضالاتهنّ، انتصاراتهنّ، ورحلة سنوات طويلة من مواجهة منظومة أبوية تُحاول إسكاتهنّ منذ عقود.
يُوثق البودكاست قصص نساء من جنسيات وخلفيات متنوعة، وينصت لتجاربهن، وللظلم الذي مررن به، والقوة التي بنينها، وتلك اللحظة التي قررن فيها أن أصواتهنّ لن تُقمع بعد اليوم.
غادة.. من الطموح والشغف لدائرة العنف
تُعرّف غادة نفسها ببساطة؛ “أنا غادة علي النخعي، يمنية، أم لولدين محمد وأمين، 9 و10 أعوام، شخصية طموحة كثير، أحب الحياة، درست واشتغلت، وكنت ناجحة بدراستي وبشغلي.”
قبل الزواج، كانت غادة تعمل مع منظمات، في الجامعة، وفي أكثر من مجال، مشحونة بالشغف، التجربة والتعلّم، وتؤمن بأن الزواج شراكة لا إلغاء للذات.
تقول لـ “قصص حياة”: “قررت أتزوج عن حب، كنت أحلم بعلاقة فيها احترام وتفاهم.”
View this post on Instagram
البدايات المبهرة وتجاهل الإشارات التحذيرية “الريد فلاجز”
تزوجت غادة من أستاذ جامعي لبناني تعرّفت إليه خلال دراستها، كانت البداية، كما تصفها: “مبهرة”. لكن أول مؤشّر للعنف كان الغيرة المفرطة. تقول: “أول خط أحمر كان الغيرة الأوفر، لدرجة الهوس”.
تجاهلت هذه الإشارات في الأشهر الأولى من زواجها مدفوعة بالحب والثقة. كانت حاملًا حين واجهت أول صدمة العنف، بعيدة عن أهلها، وتعيش انتقالًا قسريًا من اليمن بسبب الحرب.
ومثلما زُرع في أذهان الكثيرات أن “الحب يبرر الغيرة”، تقول غادة: “كنت أفسّر الغيرة إنه يحبني، ما كنت متوقعة منه العنف.”
العنف الجسدي: “عندما يصبح الحب خنقًا”
تتوقف غادة عند اللحظة التي كادت تُقتل فيها: “أول مرة مدّ إيده عليّ، خنقني وأنا حامل، حرفيًا صار لوني أزرّق”.
لم يكن هذا الاعتداء الأول والأخير، ليتبيّن أنه سلوكٌ أصيلٌ لدى الزوج المعنّف. تكرّر العنف لاحقًا لأكثر من مرة، تسبّبت إحداها بإصابةٍ دائمة. تقول: “ضربني كف تحرّك فكي من مكانه، لليوم عندي التهاب بعصب التوازن.”
لم يكن العنف جسديًا فقط، بل نفسيًا، ومعنويًا، واقتصاديًا. تروي لـ”شريكة ولكن” عن أشكال العنف الكثيرة التي اختبرتها، من إهمال، تحقير، تحكّم، ومنع من الاستقلال.
تقول: “كنت أشتغل وأساعده بالبيت وبالبناء وبكل شي، وما سمعت كلمة تقدير وحدة.”
الأطفال شهود على العنف
كانت الصدمة الأكبر التي هزت كيان ووجدان غادة، حين أدركت أن طفليها شهدا الضرب.
تقول: “ابني قال لخالته: بابا ضرب ماما بالممر، أنا انصدمت.”
رغم الألم الجسدي والنفسي، حرصت غادة على حماية فليها نفسيًّا، وتنحيتهما عن الخلافات التي تجمعها مع والدهما.
“كنت أفصل انكساري عنهما، نفسيّتهما كانت فوق كل شيء”، تقول غادة.
الطلاق عبر الهاتف.. “بقتلك وبقتل العيال وبنتحر!”
حين طلبت زيارة أهلها في مصر مثل كل عام، تحوّل الخلاف مع الزوج إلى تهديد ثم قطيعة. “قال لي: إذا ما رجعتي بعشر أيام، أنتِ طالق.”
الطلاق قيل، لكنه لم يُثبّت قانونيًا. وبعده بدأت مرحلة أخطر: “هددني بالقتل، قال بقتلك وبقتل العيال وبنتحر”.
وفي شكلٍ آخر من أشكال الانتهاكات والمضايقات التي تتربص بالنساء اللواتي ينتفضن على الغطرسة الذكورية، أكدت غادة أن طليقها اخترق حساباتها الإلكترونية، وتعمّد تشويه سمعتها المهنية، والضغط عليها اقتصاديًا ونفسيًا.
تحكي: “كان يتصل بالتلفزيونات يحذفوا مقابلاتي، بسبب حقده على نجاحي”.
خديعة خطف الأطفال
بعد اعتذارٍ طويل، لم تكن تعرف غادة أن طليقها يخطط خلفه لجريمة وخديعة خطف الطفلين. وافقت أن يزور الطفلان الأب في لبنان لمدة شهر.
تصمت غادة وتبكي: “أنا اللي ودّيتهم المطار بإيدي”، ليُرسل لها طليقها رسالة قاتلة بعد وصولهما: “ما حدا يشوف عيال، وما تحلمي تشوفيهم”.
منذ ذلك اليوم، لم ترهم مجدّدًا. ثلاث سنوات من الحرمان الكامل.
كيف تغيّرت حياة محمد وأمين؟
في مصر، كان الطفلان متفوّقين، رياضيين، محاطين بأنشطة. تقول الأم: “كانوا يتكرموا أسبوعيًا بالمدرسة، دخلتهم نوادي ورياضة وأكاديميات للطهي والرسم حسب هواياتهم”. أما بعد خطف طليقها للأطفال في لبنان، تغيّر كل شيء: “مستواهم الدراسي نزل، محا اهتماماتهم، جالسين بالبيت ماسكين تليفون”.
تصف غادة ما تعتبره إهمالًا جسديًا ونفسيًا: “حتى الفحوصات الطبية كان يطلبني أنا أعملها”.
لماذا لا تعود غادة إلى لبنان؟
السؤال الذي دائمًا ما يُطرح على غادة “لماذا لا تعودي إلى لبنان؟”، والإجابة مؤلمة: “ما عندي ورقة طلاقي، أول ما أدخل المطار ممكن يوديني بيت الطاعة أو يعمل منع سفر، يخليني أسيرة!”
تنتقد غادة القانون الأبوي في لبنان وتمكينه للمعتدي ضد الزوجة السابقة والأم، قائلة: “القانون مخلي أب مجرم يستقوي على أطفال ضعاف!”
أطفالي بحاجة لأم قوية… لا ضحية!
تتذكر غادة معاناتها في الأيام الأولى بعد الخطف، التي تصفها بأنها “كانت شللًا كاملًا”.
تقول: “أول عشر أيام كنت مدمرة، مشلولة بالسرير، محمد وأمين ماكانوا يحبوا يحكوا معي بهذه الحالة”.
ثم اتخذت قرارًا واعيًا؛ “قلت: ولادي مش محتاجين أم ضحية، محتاجين أم قوية”.
أكدت غادة أنها تستمد قوتها من طفليها، أصدقائها، عائلتها، ومن الدعم الذي وجدته حين قررت الكلام علنًا عندما قررت تحكي قصتها عبر حسابها على الانستغرام.
تصمت ثم تقول بفخر: “محمد وأمين قوّتي، رافعين راسي حتى اليوم، هما صديقاي، وأنا بئر أسرارهما.. ولم يؤثر والدهما على علاقتهما بي لليوم!”
“حتى لو انكسرنا كنساء، معنا الله..”
توجّه غادة رسالتها للحكومتين اللبنانية واليمنية: “احموا الطفل، القانون لازم يحمي الأطفال من الأب والأم إذا كانوا مؤذيين/ات”.
وللنساء: “حتى لو انكسرنا، معنا الله، استقوي به، واحكي بصوت عالي”.
ولطفليها: “أنا فخورة فيكم بكل شيء، قوتي فيكم، وأنتم اللي مقويني”.