عبير خشّاب: حين تتحوّل الأمومة إلى معركة قضائية

قصة نضال بمواجهة المحكمة الجعفرية في لبنان بودكاست "قصص حياة"

ككثير من الأمهات اللبنانيات اللواتي قيدتهنّ قوانين الأحوال الشخصية الأبوية، وجدت عبير خشّاب نفسها فجأة في معركة قاسية تهدّد بحرمانها من طفليها.

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، يوم تفجير مرفأ بيروت، كانت عبير في لبنان برفقة طفليها بعد عودتها من قطر، فيما كان طليقها حسن نجم خارج البلاد، يشغل منصب سفير في ساحل العاج.

في لحظةٍ وطنية كارثية، بدأت مأساة عبير الشخصية. صراعٌ على الأمومة والحماية، تزامن مع غياب الأب الطويل عن لبنان وعدم وجود أي بيئة عائلية حاضنة بديلة للطفلين داخل البلاد.

تكشف قصة نضال عبير خشّاب، التي نعرف تفاصيلها في بودكاست “قصص حياة”، خللًا بنيويًا عميقًا في نظام الأحوال الشخصية في لبنان، حيث تُقاس حقوق النساء بمعايير السلطة والنفوذ لا بمعايير العدالة والحماية. كما تُظهر كيف يتحوّل القانون، حين يُفصل على قياس الرجال، إلى أداة إقصاء واستنزاف، وكيف تدفع الأمهات ثمنًا مضاعفًا حين يطالبن بما يُفترض أن يكون بديهيًا:

الحق في الأمومة، والحق في العدالة.

طلاق غيابي وإقصاء الأم

من دون علمها، جرى تطليق عبير خشّاب غيابيًا، وترافق ذلك مع تغيير أقفال المنزل لمنعها من العودة إليه.

لم تُبلَّغ رسميًا، ولم تُمنح فرصة الدفاع عن نفسها، بل وُضعت أمام واقع قسري: انفصال مفاجئ، حرمان من الاستقرار السكني، وبدء مسار قضائي يُقصيها تدريجيًا من حياة طفليها.

لاحقًا، أصدرت المحكمة الجعفرية، برئاسة القاضي بشير مرتضى، حكمًا قضى بضمّ حضانة التوأم علي وياسمين إلى والدهما، ومنحه حق تسفيرهما إلى الخارج، مستندةً إلى ما وُصف في حيثيات الحكم بـ”المكانة الاجتماعية الرفيعة” للأب. جاء القرار رغم غياب الأب عن لبنان لسنوات، وعدم وجود أي من أفراد عائلته المقيمين في البلد، ما أثار تساؤلات جدّية حول معيار اتخاذ القرار وأولوياته.

لتجاوز شرط السنّ المعتمد للحضانة، جرى احتساب عمر الطفلة ياسمين وفق التقويم الهجري بدل الميلادي. هذا الإجراء، الذي اعتبره حقوقيون تحايلاً قانونيًا، استُخدم لإسقاط حقّ الأم بالحضانة، من دون أي اعتبار للاستقرار النفسي للطفلة. ولم تكتفِ المحكمة بذلك، إذ لم تُمنح عبير حق الرؤية، بل وُجّه إليها إنذار بالسجن في حال عدم تسليم الطفلين، ما وضعها تحت تهديد مباشر بالعقاب بدل الحماية.

محكمة الأحداث: حين تصبح مصلحة الطفل مرجعية

أمام هذه القرارات، لجأت عبير خشّاب إلى محكمة الأحداث برئاسة القاضية فاطمة ماجد. تعاملت المحكمة مع القضية من زاوية مختلفة، فأصدرت قرارات بحماية الطفلين، ومنع سفرهما، وإبقائهما مع والدتهما، وإخضاعهما لعلاج نفسي.

استندت هذه القرارات إلى مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” المنصوص عليه في قانون حماية الأحداث رقم 422/2002، معتبرة أن النزاع القضائي والتهديد بالفصل القسري عن الأم يشكّلان خطرًا نفسيًا واجتماعيًا على الطفلين.

غير أنّ هذا المسار فتح صراعًا قانونيًا مباشرًا بين القضاء الديني والقضاء المدني، في ظل تضارب الصلاحيات والقرارات. بقي مصير الطفلين معلّقًا بين مرجعيتين قضائيتين، من دون آلية واضحة لحسم النزاع.

استمر هذا الصراع لسنوات، تحوّل خلالها الزمن إلى أداة ضغط إضافية على الأم، إلى أن بلغت الطفلة ياسمين سنّ التخيير، فأصبحت الحضانة للأم شرعًا وقانونًا.

النفقة: حكم بلا تنفيذ فعلي

بالتوازي مع معركة الحضانة، خاضت عبير خشّاب معركة أخرى في ملف النفقة. فرغم صدور حكم قضائي يُفترض أن يكون عادلًا، تهرّب طليقها مرارًا من التنفيذ عبر تغيير محاميه ونقل ملكياته وأمواله إلى أفراد من عائلته.

اضطرت عبير إلى اللجوء للإعلام وتنفيذ اعتصامات أمام وزارة العدل للضغط من أجل إرسال التبليغات رسميًا. وبعد تقاعده وعودته إلى لبنان، جرى حبسه لفترة لإجباره على الدفع، قبل أن يستفيد من قانون يمنع حبس من تجاوز الخامسة والستين من العمر، فيما اقتصر الحجز على راتبه التقاعدي على الجزء الأساسي بالليرة اللبنانية، ما جعل المبالغ غير كافية لتأمين الحاجات الأساسية للطفلين.

الولاية الجبرية

لم تتوقف العراقيل عند هذا الحدّ.

ففي ظل الحرب والتصعيد الأمني، استمر رفض المحكمة الجعفرية منح الأم إذن السفر بالطفلين أو السماح بإصدار جوازات سفر لهما، رغم وجود قرارات حماية صادرة عن محكمة الأحداث.

استند الرفض إلى مبدأ “الولاية الجبرية” التي تمنح الأب وحده سلطة اتخاذ القرارات المصيرية للأولاد، حتى في حالات التقصير والغياب الطويل، ما عرّض سلامة الطفلين لمخاطر حقيقية.

من قضية شخصية إلى رأي عام

مع تصاعد الظلم، أصرّت عبير على متابعة فصول قضيتها على العلن، لأنها لا تمثّلها وحدها، بل تمثّل كل النساء اللواتي يواجهن المصير نفسه.

شهدت المحكمة الجعفرية اعتصامات وتحركات نسوية طالبت بإلغاء الأحكام الصادرة بحقها، ورفع سنّ الحضانة، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية.

كما كشفت القضية تناقضات داخل المرجعيات الدينية نفسها، وطرحت مسألة غياب آليات المساءلة والرقابة الفعّالة داخل القضاء الديني، خصوصًا بعد الحديث عن ملاحظات تفتيش داخلي انتهت إلى حفظ الشكاوى.

إلى جانب المعارك القانونية، دفعت عبير خشّاب ثمن اعتراضها العلني.

فقد تحوّلت من أمّ تطالب بحقوقها إلى امرأة تواجه ضغوطًا بسبب كسر الصمت ومواجهة سلطات دينية وقضائية محصّنة اجتماعيًا وسياسيًا، ما فتح نقاشًا أوسع حول حدود حرية التعبير حين يتعلّق الأمر بانتقاد المحاكم الدينية.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد