نسف سردية: الكويت “الاستثناء الخليجي”

الحديث عن جرائم اعتقالات الرأي في الكويت حديثٌ شائك، وطريقٌ مفخّخ، خصوصًا حين يكون محور الحديث النساء اللواتي أصبحن ضحايا للدولة الكويتية البوليسية.

منظومةٌ لطالما حاولت إخفاء طبيعتها السلطوية خلف ستار من الاستنكارات والاعتراضات الشكلية المحدودة، لتعيد إنتاج صورة تُقصي الأصوات المعارضة وتجمّل الواقع السياسي والقانوني والدبلوماسي والإنساني. بينما يجري توظيف الخطاب الحقيقي عبر علاقات وتمويلات أسهمت في صدور إدانات خجولة ومواقف غير كافية، بل ومضللة أحيانًا.

تشهد على ذلك قضية البدون. ففي الكويت، حيث تُحرم كثير من النساء البدونيات من حقوقٍ رئيسية، اعتبرت متضررات وناشطات أن تجاهل ريم السالم لمعاناتهن، وتقديم صورة مغايرة لواقع النساء، شكّل مساهمة في تضليل الرأي العام، وفي التغطية على قضايا المخفيات قسرًا، ومعتقلات الرأي، وغيرهن من ضحايا العنف. ويأتي ذلك رغم طلبات متكررة من الضحايا للقاء وتقديم شهادات مباشرة، ورغم مطالبات علنية بزيارة سجن النساء في الكويت، والاطلاع تحديدًا على قضية معتقلة الرأي آمنة محمد أخميس المري.

القوانين: تشريع القمع باسم القانون  

تفرض القوانين الكويتية المقيِّدة للتعبير قيودًا شديدة، بما يتعارض مع التزامات الكويت بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد استُخدمت هذه القوانين، ذات الصياغات الفضفاضة والغامضة، لملاحقة عشرات الرجال والنساء بسبب آرائهم، بما يتيح للسلطة مساحة أوسع للإفلات من المساءلة.

وفي هذا السياق، قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش:
“يأتي هذا القانون في توقيت ملاحقة الكويت لعدد من ساسة المعارضة والنشطاء والصحفيين، باستخدام تفسيرات فضفاضة للدوافع الأخلاقية واشتراطات الأمن القومي، بما يتيح تقليص حقوق الكويتيين في حرية التعبير”

ومن أبرز المواد المستخدمة:

  • المادة 25 من قانون الجزاء: تعاقب بالحبس كل من طعن أو عاب ذات الأمير أو سلطته.

  • المادة 29 من قانون الجزاء: تجرّم التحريض على قلب نظام الحكم بعبارات واسعة التأويل.

  • المادة 30 من قانون 31 لسنة 1970: تحظر الجماعات التي تُعدّ مهدِّدة للنظم الأساسية.

  • المادتان 4 و25 من قانون الأمن الوطني: تُستخدمان لمعاقبة التعبير تحت ذرائع الأمن القومي أو الإساءة.

ومنذ يناير/كانون الثاني 2011، قامت السلطات بموجب هذه المواد وغيرها بملاحقة ما لا يقل عن 63 شخصًا عبّروا عن آراء انتقادية على تويتر وفيسبوك، وعلى مدونات وغيرها من منابر التواصل الاجتماعي، وفقًا لهيومن رايتس ووتش.

سجن النساء: مؤسسة عقابية لا إصلاحية

لا يمكن الحديث عن قمع الدولة الكويتية دون المرور على سجن النساء، ذاك المكان الذي تحوّل من مؤسسة إصلاحية إلى ثقب أسود يبتلع الأصوات التي تجرؤ على التعبير.

وصفت سجينة سابقة لجريدة الرأي المعاملة القاسية، والعنف بين النزيلات، وانعدام النظافة، والتحرش، ورداءة الطعام والمياه، والملابس الرثة، وغياب التكييف والتدفئة، إضافة إلى تزييف مؤقت للواقع أثناء زيارات المسؤولين.

تقول: “ما إن جُرّدنا من ثيابنا وجميع حاجياتنا التي أُودعت الأمانات واستُبدلت بملابس السجن، حتى واجهنا معاملة قاسية من بعض المشرفات اللاتي لا علاقة لهن بأبجديات التعامل مع النساء”. وأضافت أن النزيلات يتعرضن للعنف دون وجود نظام رادع ينظم العلاقة داخل السجن، ما يضع السجينة أمام خيارين: العصيان وما يرافقه من عقاب، أو الرضوخ.

وأشارت إلى أن النظافة كانت شبه معدومة، سواء في الطعام أو المياه أو دورات المياه، كما وصفت رداءة الملابس المقدمة وشفافيتها، في سجن لا يخلو من رجال أمن.

وعن ظروف الطقس، قالت إنها لم تشهد وجود تدفئة شتاءً أو تكييف صيفًا، فيما يتغير كل شيء مؤقتًا عند زيارة المسؤولين أو جماعات حقوق الإنسان، قبل أن يعود الوضع إلى ما كان عليه.

كما تحدثت عن الزنزانة الانفرادية المعروفة بـ”الصاجة”، حيث تُحتجز بعض السجينات في غرفة مظلمة ضيقة، مقيدات اليدين والقدمين، لأيام قاسية تعجز الكلمات عن وصفها.

العنف الجنسي وتصفية الحسابات

في سجن النساء، تتم تصفية الحسابات، وتتعرض بعض النزيلات للضرب والابتزاز والتحرش الجنسي، سواء من نزيلات أخريات أو من بعض العاملات والعاملين في السجن، إضافة إلى رجال الشرطة. وتشير تقارير دولية إلى أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على سجن النساء، بل تمتد إلى أماكن الاحتجاز والتحقيق.

تعرّضت معتقلة الرأي آمنة محمد أخميس المري للتحرش الجنسي، وكانت تستنجد بوالدها هاتفيًا. كما علّقت مغرّدة كويتية معارضة للحكم، وسجينة سابقة، على قضية اعتقالها قائلة: «الله يستر عليها من السجينة التي تحرشت بي بأوامر من فهد اليوسف».

وتحدثت سجينة سابقة أخرى لجريدة الرأي عن سجن النساء بوصفه بيئة خصبة لنمو الخوف والوجع، قائلة: «كل هذا يهون، أما أن يتم التحرش بنا من بويات يقضين عقوبات بالسجن، وإذا ما رُفعت شكوى لا يتجاوز الأمر فتح تحقيق داخلي وإنذار». وأضافت: «زميلتي في العنبر كانت تتعرض بشكل شبه يومي للتحرش، ليس فقط من بويات، بل من مشرفة معروفة بتحسس النزيلات بحجة تفتيشهن».

ومن جهة أخرى، تعرّضت الفنانة عهود العازمية، المعروفة بـ«ملاك الكويتية»، لاعتداء جسدي داخل السجن على يد نزيلة، بعد اعتقالها والحكم عليها بالسجن خمس سنوات، إثر قضية متبادلة بينها وبين النائب السابق أحمد الشحومي. ولا تبدو هذه الوقائع معزولة عن سياق أوسع في السجون الخليجية، إذ تشير منظمة العفو الدولية إلى تعرّض الناشطة مناهل العتيبي للضرب المبرح داخل السجن في السعودية، على يد سجينات وحراس.

التقارير الدولية: ما نعرفه قبل أن يكتب 

يعرض تقريرKuwait CAT DP” الصادر عن The Advocates for Human Rights وWCADP انتهاكاتٍ واسعة لحقوق الإنسان. فقد شهدنا ما تعرّضت له الناشطة البدونية آلاء السعدون من اعتقال وابتزاز وتعريض للعنف الأسري، ثم الإيداع القسري في الطب النفسي.

وسبق للنائب السابق مهند الساير أن توجّه بسؤال إلى وزير الصحة د. خالد السعيد عن زجّ مواطنات في مستشفى الطب النفسي قسرًا ودون ملفات طبية، وقال في سؤاله:”كم يبلغ عدد المواطنات اللاتي تم إدخالهن مستشفى الطب النفسي دون وجود أمراض نفسية أو عقلية يعانين منها؟ وما السند القانوني لحجز حريتهن وإبقائهن في المستشفى؟”

كما وُثّقت حالات احتجاز قاصرات بدونيات، وضحايا اختفاء قسري واستغلال جنسي. وتشير تقارير إلى تعذيب وإساءة معاملة أثناء الاعتقال والاستجواب والاحتجاز، بما في ذلك بحق أفراد من مجتمع LGBTQI+.

كما يسلّط التقرير الضوء على النساء اللاتي يدخلن في صراع مع القانون، إذ يواجهن تمييزًا متقاطعًا، لأنه لا يتم أخذ تجاربهن في الاعتبار، مثل: العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاتجار بالبشر، والفقر، وذلك قد يؤدي أحيانًا إلى أحكام أشد أو ظروف اعتقال أسوأ.

ما يهم تأكيده أننا لا نحتاج إلى تقرير ليعلّمنا ما نعيشه داخل هذه الحدود البالية، خصوصًا كبدونيات (عديمات جنسية)، أو عاملات منزليات.

الإخفاء القسري والمحاكمات السرية

ولا ننسى أن المدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن مخاطر متزايدة بسبب عملهن، من القذف والتشهير والضغط الاجتماعي، إلى العنف القائم على الجنس والنوع، فضلًا عن التهميش والتمييز. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018، تم اختراق حساب المدافعة عن حقوق الإنسان عبير الحداد، عقب تغريدة أعلنت فيها نيتها مقاضاة رئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية صالح الفضالة.

وحملات اعتقالات الرأي ضد النساء في الكويت ليست جديدة. ففي 10 حزيران/ يونيو 2013 اعتُقلت المغردة هـ.ع (11 سنة آنذاك) بتهم “الإساءة للأمير والتحريض على قلب نظام الحكم”، مع مصادرة أجهزتها وإغلاق حسابها، في أول حكم على مواطنة بتهم أمن دولة. كما اعتُقلت المواطنة والأم ابتهال الشلال العنزي، وحُكمت بالسجن عشر سنوات بسبب «تغريدات» اعتُبرت مسيئة، بعد مراقبتها وملاحقتها، قبل الإفراج عنها لاحقًا.

وفي عهد مشعل الأحمد، اعتُقلت ثلاث طالبات جامعيات دون إعلان أسمائهن، إضافة إلى اعتقال آمنة محمد أخميس المري، وآمنة السيّد أحمد الرفاعي، ناهيك عن اعتقال نساء ورجال آخرين على خلفية الاعتراض على جريمة سحب الجنسيات، في سياق يتّسم بالإخفاء القسري والمحاكمات السرية.

تهديد صريح من وزير الداخلية

الجدير بالذكر أن صحيفة “الرأي” نشرت تصريحًا خطيرًا لا يمكن تجاهله بأيّ شكلٍ من الأشكال. إذ خرج وزير الداخلية فهد اليوسف ليهدّد صراحةً كل من ينتقد السلطة ومسؤوليها، على أي موضوع، ليس فقط بسحب جنسيته، بل وجنسية أبنائه، قائلًا: “كي لا يجني على نفسه وعلى عياله”.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية أنه “من اختار العيش خارج البلاد، والتعدي على الكويت وأهلها وقيادتها هو من يجني على أبنائه”، لتتابع: “من يخالف القانون ويستخدم حسابات بأسماء وهمية ومستعارة داخل الكويت للإساءة ومحاولة زعزعة الاستقرار، ليس بعيدًا عن طائلة القانون إطلاقًا، ولدى الجهات المختصة من الخبرة والمعرفة والأدوات والقدرة على التتبع ما يمكنها من ضبط أي متجاوز”.

وبالفعل في تاريخ 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية تنفيذ “حملة رصدت 48 مخالفة عبر الفضاء الإلكتروني، شملت محتويات خادشة للآداب العامة، وتحريضًا على الفسق والفجور، وإساءات لكرامة الأفراد”، في سياقٍ يعزز سياسة الترهيب.

لطالما رُوّج للكويت بوصفها “الاستثناء الخليجي”، دولةً مختلفة عن محيطها، وأكثر انفتاحًا على حرية الرأي وأقل بطشًا بالنساء والمعارضين/ات. غير أن الوقائع التي يكشفها هذا النص، من اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وعنف داخل أماكن الاحتجاز، تنسف هذه السردية، وتعيد وضع الكويت في سياقها الحقيقي: دولة تمارس القمع بأدوات قد تختلف شكلًا، لكنها لا تختلف جوهرًا عن غيرها في استهداف النساء وأصحاب الرأي.

 

كتابة: حسناء الشمّرية

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد