فتاوى ميسوجينية في القرن الـ21: متى يفهم المشايخ منطق العصر؟

تكريم المرأة بين الخطاب الديني والواقع المُعاش

“النساء مكرّمات”، “نحن من كرّم النساء”، “النساء في الوطن العربي أحسن حالًا من نساء أوروبا والغرب عمومًا”… عبارات يفتتح بها عدد من المشايخ خطبهم، سواء على منابر الجمعة، أو في مناسبات دينية، أو عبر مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن ينهالوا على مسامع النساء بقائمة لا تنتهي من المحرّمات والممنوعات. قائمة تشمل كل ما يخصّنا نحن النساء؛ تتدخّل في الصغيرة والكبيرة، وتخوض في حياتنا الخاصة، باستثناء ذلك “التكريم” الذي ما فتئوا يتحدّثون عنه منذ قرون.

قائمة لا تتضمّن حقًا في العمل، أو الزواج، أو التصرّف في الجسد، أو الخروج من المنزل، ولا حتى التعبير عن الرأي، من دون إذن ذَكَرٍ ما.

وعلى كل حال، سرعان ما يزول هذا الارتباك حين نكتشف أن مفهوم الحقوق والكرامة يختلف من بقعة إلى أخرى في هذا العالم. ففي بقعة تشملنا نحن متحدثي/ات لغة الضاد، تُختزل حيوات غالبيتنا في مجرّد السماح بالحياة؛ إذ كثيرًا ما نُذكَّر، كنساء، بأننا قبل قرون خلت كُنّا نُدفن أحياء، وكأن الحق في العيش امتياز ينبغي الامتنان له. وأيُّ حياة!

ومع ارتفاع أعداد النساء المتعلّمات والعاملات، ارتفع أيضًا منسوب الخطاب المحرّض عليهن أكثر من أي وقت مضى. فما إن نكاد نقنع أنفسنا بأننا نسير، ولو ببطء، في طريق الكرامة والحرية، حتى يخرج علينا المشايخ من كل حدب وصوب، ليمطروا مسامعنا بفتاوى تصل في بعض الأماكن إلى حدّ تحريم الدراسة، والعمل، وحضور النشاطات والاحتفالات العامة، وفرض وجود “المحرَم”، وغيرها، بذريعة الاختلاط، وفتاوى إلزام النقاب بدعوى أننا نعيش في زمن “الفتنة”.

“لطالما لاحظت الفرق الشاسع بين الواقع والشعارات الرنانة، لهذا تعهدت أن أحمل على عاتقي مسؤولية إيصال الحقيقة كما تُروى على ألسنة النساء، لا كما يُزيفها الخطاب الذكوري بالنيابة عنهن”.

هذه الفتاوى الميسوجينية المتطرفة لها هدف واحد: إقصاء النساء نهائيًا من الفضاء العام، وإعادتهن إلى حياة أشبه بالسجن، إن لم تكن كذلك، فيما يُترك المجال مفتوحًا لـ”النصف الآخر” من المجتمع للاستمتاع بالحياة وملذّاتها. مفارقة فاضحة؛ فهم ينعمون بعلوم وحياة القرن الحادي والعشرين، بينما يسعون إلى إخضاع النساء لقوانين القرن السابع.

والأكثر إثارة للدهشة أن هذه القيود لا تُفرض على الذكور؛ فهم سادة أنفسهم، لا يحتاجون إذنًا للخروج أو الدخول، ولا تُفرض عليهم قواعد صارمة في اللباس أو الحركة في الشارع.

ولا يكتفي هذا الخطاب بالنصح، لأن النصح ليس غايته الحقيقية، بل يسعى إلى برمجة الفتيات والتحكّم بالنساء عبر فتاوى وخطاب ديني إقصائي تسلّطي، يغيظه أن يرى امرأة تعيش دون وصاية رجل. ولا يزال يتداول عبارات من قبيل: “من يترك امرأته…”، “من تفعل امرأته…”، وكأن النساء مُلحَقات، لا كائنات كاملة الإنسانية.

الفتاوى كسلطة تتجاوز منظومة حقوق الإنسان

يطول الحديث عن الفتاوى الميسوجينية المعادية للنساء وحرياتهن ووجودهن، وكيف تؤسس للتمييز وتعرقل ترسيخ حقوقهن. ويساهم المشايخ، عبر شيطنة النساء ليلًا ونهارًا من على منابرهم، في استدامة منظومة لا تزال تُبقي النساء تحت الوصاية الذكورية. وما اجترار فتاوى جواز ضرب النساء بذريعة التأديب، وتزويج الطفلات، وعدم اشتراط موافقة القاصرات على الزواج بذريعة أن “وليّ الطفلة أعرف بمصلحتها”، وفرض أنماط لباس بعينها، سوى غيض من فيض الدلائل على البرمجة الأبوية الممنهجة.

حتى في ظل الدولة الحديثة، لا يزال “رجال الدين” يبيحون تسلّط الذكور على أجساد لا يملكونها، ولا يتورّعون عن تعنيف النساء نفسيًا عبر خطابات التهديد والوعيد بالجحيم.

ورغم مرور ما يقارب نصف قرن على إقرار اتفاقية “سيداو”، التي تنص على المساواة الشاملة في حقوق وواجبات المواطنة بين النساء والرجال، ما تزال الذاكرة الأبوية تحتفظ بصورة الرجل البدوي الذي “يروّض حريمه”. ورغم توقيع معظم الدول الناطقة بالعربية على الاتفاقية، مع التحفّظ على بعض بنودها، لا يزال الفقهاء والمشايخ يعارضونها ويفتُون خارج العصر. فمن منحهم هذه الصلاحية؟

نحن أمام خطاب يؤثر النص على الإنسان، يضعه في المركز ويطالب الإنسان بالتكيّف معه، ويفرض نصوصًا جامدة على واقع متحرّك. خطابٌ يرفض الاجتهاد والتحديث، ولا يتوقّف إلا عندما يتعلّق الأمر بالنساء وحقوقهن. لأن كل حق تناله امرأة يُقابله، في نظرهم، امتياز يخسره رجل.

.

أثر الفتاوى المعادية للنساء على الواقع الاجتماعي والنفسي

-شهادات-

“لطالما لاحظت الفرق الشاسع بين الواقع والشعارات الرنانة، لهذا تعهدت أن أحمل على عاتقي مسؤولية إيصال الحقيقة كما تُروى على ألسنة النساء، لا كما يُزيفها الخطاب الذكوري بالنيابة عنهن”. لا تستطيع النساء في الدول التي ما تزال تتخذ من الدين دستورًا لها تجاوز حقيقة كونهن محاصرات، إذ أينما ولّت امرأةٌ وجهها أدركها الخطاب الديني للتنظير عليها.

دولٌ تقوم قوانينها على أساس الأعضاء التناسلية، تتحمل فيها النساء تبعات صدفةٍ جينية، في مجتمعاتٍ تُصادَر فيها سمعة الفتيات والنساء في الحياة وبعد الموت، إذا ما تجرأن على الإشارة بأصابع المساءلة إلى الخطاب الديني.

بمرارة تحكي ياسمين عن أثر الخطاب الديني المتشدد على حياتها، لا سيما نفسيّتها التي تصفها بأنها وصلت إلى حدٍّ لا يطاق.

ياسمين المراهقة السورية ذات الستة عشر عامًا، التي تحمل في قلبها العديد من الأحلام، كأن تصبح طبيبة يوما ما، وجدت نفسها في دولةٍ لا تعترف بالنساء كإنسانٍ كاملٍ، فما بالك بأحلامهن. تحكي عن مجتمعها وكيف تحكمه سلطةٌ دينيةٌ تفتك بها أينما حلّت وارتحلت. ففي منزلها أُجبرت على ارتداء الحجاب رغمًا عنها، وتصف أنها تعاني صعوبة في التنفس بسببه، حيث تهمس بامتعاض:

“أجد نفسي مجبرةً على عباءة ليست مني، فأشعر وكأنني أختنق برمزية فُرضت علي، لا بقماشة بسيطة. لقد حولوني من إنسانة حرة إلى حقل معركة لأيديولوجيات لم أخترها”.

ما معنى أن تُوصَم فتاة قاصر بالزنا بسبب إظهار جزء من رقبتها؟ وماذا سينفع اقتصاد سوريا لو تحجبت نساء الشام جميعًا؟

وفي المدرسة، تلعب المديرة دور “شرطية الأخلاق”، فلا تفوّت فرصة التعليق على حجاب التلميذات. وقد اعترضت على حجابها ذات مرة، واصفة إياه بأنه لا يطابق نوعية حجاب البنات الأخريات، وأن إظهارها لرقبتها حرام، وبذلك تُعتبر زانية.

ترفض ياسمين تحويل جسدها إلى كيانٍ مدان، واختزال “الشرف والعفّة” في قطعة قماش، وتحويل النساء من ذوات مفكرة إلى مجرد أوعية للعار والشرف على حد وصفها، متابعة: “الكره الذي أشعر به ليس موجهًا للأشخاص كأفراد، بل هو ردة فعل طبيعية للروح تجاه القمع الممنهج الذي يختفي وراء عباءة الفضيلة. إنه رفض للبيئة التي تخلق “أوصياء على الفضيلة” يمارسون إرهابًا فكريا تحت مسميات دينية.”

توضح شهادة ياسمين الآثار الوخيمة للفتاوى والخطاب الديني على جودة حياتها وحياة ملايين النساء اللواتي يتشاركن المعاناة ذاتها أو أشد. خصوصًا عندما تتحول مؤسسات الدولة كالمدرسة إلى ذراعٍ للخطاب الديني المتطرف، فتصبح مساحة رقابة أكثر منها مساحة تعليم. فما معنى أن تُوصَم فتاة قاصر بالزنا بسبب إظهار جزء من رقبتها؟ وماذا سينفع اقتصاد سوريا لو تحجبت نساء الشام جميعًا؟

البنت خُلقت لتعبد ربها وتخدم زوجها، وقبله أمها وأباها.

أما أسماء -من ليبيا- فتروي كيف كان للفتاوى بالغ الأثر في التأثير على حياتها هي الأخرى، بصيغةٍ أشد قسوة، ومن جلّادٍ مختلف، وإن كان الجلد هو هو.

فقصتها تجسد المشهد حين تتجند النساء لقهر نساء أخريات تحت شماعة منظومة سحقتهن من قبل وما تزال. فوالدتها تمثل المرأة الكارهة لذاتها التي تعيد إنتاج القمع، مكرّسة جهدها ووقتها لاستدامة منظومة هي نفسها ضحية لها.

بدأت معاناتها بفرض الحجاب في سنًّ مبكرة، ثم تهديدها إن لم ترتدِ النقاب في الصف الثامن. وما تزال تراودها رغبة في نزعه، لكنها تخشى الضرب والإهانة، كما يحدث معها كلّما فعلت شيئًا لا يلاقي استحسان والدتها. ثم مُنعت من إتمام دراستها، إذ ترى والدتها أنه لا فائدة منها ما دام المصير هو المطبخ. فهي تؤمن أن البنت خُلقت لتعبد ربها وتخدم زوجها، وقبل ذلك أمها وأباها.

“المرأة عندها للمطبخ وعبدة لزوجها مرة تحكيلي طاعة الزوج عند ربي أوجب من طاعة الوالدين”، تقول أسماء.

والدتها، التي عاشت في بيت أهلها أسيرة منزل، مجبرة على الخدمة في سنٍّ مبكرة، ومتعرضة للضرب من إخوتها، ها هي تعيد إنتاج الظلم ذاته تحت البنية نفسها، فتمارس على بناتها مختلف أشكال العنف النفسي والجسدي، وهي التي ذاقت المرارة نفسها.

تجد أسماء نفسها بلا عمل ولا دراسة، وبلباس يطمس هويتها. لا تستطيع حتى الذهاب إلى السوبرماركت وحدها، وإلا انهالت عليها والدتها وإخوانها ضربًا بعد تحريضها لهم. كما حدث ذات مرة عندما ذهبت إلى صالون تجميل نسائي لتعمل، فانهالوا عليها ضربًا، ونادت أمها خالها وأعطته عصا وحرّضته على ضربها هي وأختها، لا لأن الصالون مختلط، بل لأنها تعتقد أنه “حرام”. ذلك الخال نفسه الذي تطرّقت أسماء إلى معاناتها هي وشقيقتها وبنات خالتها، من التحرش والاعتداء الجنسي في الطفولة على يده!

يُقدَّم الأخير في المجتمع بصفته شيخًا يلقي المحاضرات. ورغم اشتكائهن منه، لم يصدقهن أحد.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by هي ثورة (@she_wrevolution)

تمثّل ياسمين وأسماء شريحة واسعة من المقهورات في الأرض باسم السماء. فرغم اختلاف حجم الظلم الذي تعرضتا له وما تزالان، إلا أنهما تتشاركان حلمًا واحدًا: مغادرة أوطانٍ لا تمنحهما إلا الخوف والظلم، نحو دول تتاح لهما فيها حياة بكرامة وحقوق، لا حياة الظل والهامش.

وفي ظل هذا الوضع السريالي، أجد نفسي أتساءل باستغراب كيف لمجتمعات لا تزال تعاني الفقر والجهل والأمية والتخلف في القرن الحادي والعشرين، لا يستفز رجال الدين فيها إلا أجساد النساء؟ فيغيظهم شعر امرأة أكثر مما يغيظهم وضعهم المتأخر على مستوى الصحة والتعليم وجودة الحياة وكل شيء آخر!

ملاحظة: تم استخدام أسماء مستعارة حفاظًا على سلامة صاحبات الشهادات وخصوصيتهن.

كتابة: فاطمة الزهراء المبشور 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد