حقوق النساء بين الأرض و”السوق” والسماء

حين يقيّد العرف والدين والاقتصاد الحقوق الأساسية للسودانيات

عادت سماح إلى السودان بعد لجوئها إلى مصر لمدة عامٍ كامل. تقول إنها اليوم، عندما تعود بذاكرتها إلى تلك المرحلة، تجد أنها تعلّقت بمصر وتفتقد بشدة أجواءها المختلفة و”هامش الحرية الأوسع قليلًا”، الذي يسمح لها بالذهاب إلى السوبرماركت عند منتصف الليل مثلًا!

تضيف سماح (اسم مستعار) أن أسرتها ذاتها أصبح من غير المقبول لديهم/ن خروج النساء ليلًا، وقد حدث ذلك فور عودتهن إلى السودان! لم تتغير الأسرة، لكن العوامل المحيطة تغيرت.

يفتح هذا المشهد أعيننا على الدينامية التي تحدد حقوق النساء، وكيف يمكن لنطاق حقوق النساء الأساسية أن يضيق تارة ويتسع تارة بين يدي الدين، والعرف، والظروف الاقتصادية. لنرى بوضوح ازدواجية المعايير والتلاعب اللفظي وإمكانية التخلي عمّا اعتقدناه مبدأً يستحيل التنازل عنه. فتصبح العادة مُشرَّعة دينيًا، ويتم التغاضي عن النصوص الدينية إذا ما وقفت عقبة أمام المصالح المادية.

وبين هذا وذاك تجد النساء أنفسهن وسط مجتمع يقيد حرياتهن الأساسية طبقًا لديناميكيات تفاعل الخطاب الديني والسوق والعرف.

الختان.. حين ترتدي العادات عباءة الدين

تتجلى إحدى أبرز صور تطويع الدين لخدمة العادات الاجتماعية في قضية الختان، حيث تحولت ممارسة قديمة إلى عادة مشرّعة يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من الالتزام الديني.

بعد عقود من تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، تراجع بعض الشيوخ عن الفتاوى وأقرّوا بأن الختان لا سند له في الإسلام.

يرجع تاريخ عادة ختان الإناث إلى ما قبل ظهور الديانة المسيحية، وتوسّع مدى انتشارها جغرافيًا بسبب التجارة والهجرات.

ترسخت العادة وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من بعض المجتمعات، وارتبطت في أذهان الناس بالعفة والطهارة، ما جعل محاربتها صعبة، وحُماتها كُثر. واستُخدم السند الديني لضمان بقائها، وبحديثٍ منقطع السند وأدلة غير مباشرة ترسخت العادة بقوة كأنها من أركان الديانة الإسلامية.

وقد بلغت نسب الختان، بحسب اليونيسف، في السودان عام 2014 نسبة 87%، وفي مصر في الفترة ما بين (2004 – 2015) ما يقارب الـ 86%، وأصبحت شرطًا مجتمعيًا من شروط الزواج.

وبعد عقود من تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، رجع بعض الشيوخ الكبار عن الفتاوى وأقرّوا بأن الختان لا سند له في الإسلام، وتم تحريمه دينيًا وتجريمه قانونيًا لما فيه من ضرر.

فعندما بَلِيَت العادة وانتهى عصرها وتم التضييق عليها، أُزيح عنها فورًا الغطاء الديني، وكأن السند الديني والفتاوى سلاح يُستخدم عند الحاجة، وكأن العادة هي الأصل والدين تابع يُرقّع بما يقتضيه العُرف.

قيادة المرأة في السعودية.. حين يجنّد الدين لشرعنة العادات

يظهر التداخل بين العرف والخطاب الديني بوضوح في تجربة منع النساء من قيادة السيارات في السعودية، حيث استُخدم الاجتهاد الفقهي لتكريس موقف اجتماعي محافظ، ليصبح الدين بمثابة أداة ضبط اجتماعي لترسيخ عادة مُنعت بموجبها النساء من القيادة.

ترجع أسباب رفض المجتمع السعودي لقيادة النساء إلى صميم العادات القبلية القوية وطبيعة المجتمع المحافظة، وخشية من اللوم الاجتماعي والرقيب القانوني. وقد باءت محاولات التغيير بالفشل ولم يُسمح للنساء بالقيادة.

قامت هيئة كبار العلماء بإصدار فتوى تمنع القيادة بحجة “سدّ الذرائع، منعًا لوقوع المفسدة”، و”مخالفة طبيعة المرأة”.

وهو أمر مفهوم في سياقه الخاص، إذ كانت مفاهيم المحظور الاجتماعي “العيب” تهيمن على تشكيل الوعي الجمعي.

لكن إضفاء الطابع الديني هو ما يقودنا إلى التحليل بأن قوة العادة وصلت إلى حد تطويع الدين؛ فقد قامت هيئة كبار العلماء بإصدار فتوى تمنع القيادة بحجة سدّ الذرائع و”مخالفة طبيعة المرأة”. وكان ذلك بعد احتجاج عام 1990، فأصدر وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز آل سعود مرسومًا بحظر قيادة النساء استنادًا إلى الفتوى.

ويُقصد بحجة “سدّ الذرائع” في الفقه الإسلامي منع أمرٍ مباح في الأصل إذا كان يُخشى أن يؤدي إلى نتائج محرّمة أو مفسدة، وهو مبدأ يُستخدم أحيانًا كإجراء احترازي لمنع ما قد يفضي إلى محظور. وقد استُخدمت هذه الحجة في سياق منع قيادة النساء للسيارات باعتبارها قد تفتح الباب ـ بحسب مروّجي الفتوى حينها ـ لسلوكيات اجتماعية غير مقبولة.

وبعين أكثر موضوعية يمكن القول إن علماء الدين ليسوا بمعزل عن المجتمع، بل هم جزء من بنيته، يتأثرون بتابوهاته ويخضعون لها.

وسيظل الضغط الاجتماعي والسياسي حاضرًا ومؤثرًا على الخطاب الديني ما لم يُدرك حجم تأثير العادات على المقدسات، ليتم تجاوزها بوعي نقدي يُمكّن من إصدار فتاوى مستقلة تحد من سلطة العادات الضارة والمحظورات غير المبررة.

ورغم تأثير العادات، كما سبق توضيحه، على الدين، إلا أن كليهما يُطوَّع بعوامل الإنتاج.

ومع كل الشد والجذب بينهما، يقفان في نهاية المطاف على الجبهة ذاتها في مواجهة سطوة المال والسعي المتجدد نحوه. فيتحول المشهد إلى صراع بين ما هو روحي قيمي وما هو مادي نفعي.

 

تتساقط الرموز الدينية والاجتماعية فور تصادمها مع الجوع، فنجد المجتمعات تتجاهل الممنوعات من أجل لقمة العيش.

الاقتصاد بدوره يمتلك جذورًا عميقة في النفس البشرية بعمق غريزة البقاء. البقاء الذي من أجله يغير الإنسان الموروثات ويفرغ ماعونه القيمي والروحي، مستخدمًا أدوات السيطرة على المصير الدنيوي مثل الحاجة، والإغراء، والرغبة غير المحدودة في الامتلاك.

وتبعًا لهذه المؤثرات، يعاد تشكيل ملامح المجتمعات بما يتوافق مع تنظيم المصالح وتحقيق الكسب، حتى نجد أن مفاهيم الحرام والعيب لم تصمد أحيانًا تحت عجلة الاقتصاد.

كيف يقوم رأس المال بإعادة تعريف الرموز الدينية والاجتماعية؟

حين تعيد الحاجة ترتيب المحظورات

تتساقط الرموز الدينية والاجتماعية فور تصادمها مع الجوع، وعندما تصبح عقبة أمام دخل الأفراد، فنجد المجتمعات تتجاهل الممنوعات من أجل لقمة العيش، ما يؤدي في النهاية إلى تغيير الخارطة الاجتماعية وإعادة كتابة المعايير وتوزيع السلطة والأدوار داخل المجتمع.

كواحدة من النساء السودانيات اللاتي أجبرتهن الحرب على السفر إلى يوغندا، وجدنا أنفسنا أمام تجربة فريدة من نوعها، حين قادتنا الظروف إلى تجربة وسيلة المواصلات الأكثر توفرًا والأقل تكلفة في أوغندا “البودا”، وهي عبارة عن دراجة نارية.

الأمر الذي كان يُعد غير لائق للنساء في السودان، ومشهدًا يستنكره المارة حتى في حال كان السائق أحد أفراد الأسرة، وحتى في حال جلوس النساء بالجانب مضمومات الأرجل، بسبب اهتمام المارة بزاوية انفراج ساقيكِ ومراقبة المجتمع لطريقة جلوسك ومدى ملاءمتها لـ”المعايير الأخلاقية” التي تفوق أهميتها سلامتك وسلامة الطريق.

لكن النساء السودانيات اليوم في يوغندا يجلسن معتدلات على “البودا” خلف سائقين رجال دون أن يثير الأمر حفيظة أسرهن. لنتبين أيضًا كيف يمكن للظروف الاقتصادية أن تعيد ترتيب ما حسبناه ثوابت.

الأخلاق: بين الحبل والسوق

مشاهد يومية أخرى ألفناها حتى لم نعد نلاحظها! عندما نغض الطرف عن خطوطنا الحمراء لنفسح المجال للمكاسب المادية بالنمو.

لنجد أنفسنا أمام عدة استفهامات:

ما الفرق بين بيع الملابس الداخلية في السوق علنًا وبين نشرها على حبل الغسيل علنًا؟ لماذا يقبل سكان شارعنا بالأولى ويعتبرونها سعيًا للرزق، بينما يرفضون الثانية ويعدّونها دعوة للفسق؟

هل سيتوقف العم عثمان عن بيع ما أغضبه بالأمس عندما رآه معلقًا على حبل غسيل جارته؟

هل جارته سيدة محترمة عندما أعطته المال مقابل ملابسها الداخلية، لكنها صارت سيئة السمعة عندما وضعتها على حبل غسيل؟

وماذا عن حاج عثمان الآخر وهو يمارس النميمة مع الباعة، مشككًا في أخلاق كل امرأة تتواجد في الشارع بعد العاشرة مثلًا، لكنه يبالغ في احترامهن عندما يدخلن إلى متجره المطل على ذات الشارع ويقمن بالشراء منه؟

وكذلك نجد أنفسنا وسط حالة من الدهشة أمام قدرة المرأة المعيلة لأسرتها على كسر نمطية السلطة الهرمية واكتساب صوت مسموع، ولو كان في نطاق الأسرة. فالمال والتمكين الاقتصادي يضعفان قيود الذكورية ويحدّان منها، خالقين نماذج أسرية خارجة عن المألوف، وسابقين بذلك المؤتمرات والقوانين التي تسعى ذات السعي.

وكما يقول إرنست غلنر: “حين يتغير نمط الإنتاج، يتغير معه شكل التدين السائد؛ فالدين لا يعيش في الفراغ، بل في بنية مادية لها مصالحها”.

 

كتابة: رؤى عمر

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد