“قولي أنت سيدي”.. سوزان حميد تروي معاناتها في بودكاست ”قصص حياة”

عن تزويجها طفلةً ورحلة العنف والإذلال

في سنّ الـ14 تزوّجت سوزان حميد مجيد، من العراق، بصديق والدها. كان يكبرها حوالي 20 عامًا، وكانت تتخيّل وقتها -كفتاةٍ يافعة لم تجد التوعية الكافية- أن الزواج عبارة عن فستانٍ أبيض، وعربةٍ تجرّها الخيول، وفارسٍ يغمرها بحبّه، ليصدمها الواقع بدءًا من المسؤولية المبكرة، ثم العنف، وصولًا إلى المرض.

كانت سوزان تعيش في كربلاء، وقُدّر لها أن تتزوّج وقت الحصار والحروب، حيث كان الخوف والحاجة والجوع يملأون البيوت. واقعٌ حرمها من أن تعيش طفولتها، أو تحتفظ بذكريات رفاهية أو سعادة قبل الزواج. فبسبب الوضع العام للبلاد، تقول “زرع الحصار الجوع في بطون الأطفال/الطفلات، مثلما غرس النضج في عقولهم/ن ليعوا/ن ما حولهم/ن”.

في بودكاست “قصص حياة” تروي سوزان قصتها كطفلةٍ تركت مقاعد الدراسة، وقصّت ضفائرها، لتصبح بين ليلة وضحاها أمًا، وتعيش تحت سقف رجلٍ أذاقها عنفًا انتهى بها مريضة سرطان.

التطبيع مع تزويج الطفلات في موسم الحروب

تعتقد سوزان أن تزويجها كقاصرة لم يكن بالإجبار، فـ“بمجرد أن قالوا لي جاء فلان وهو صديق والدك، كنتُ موافقة على الزواج”. كانت تفهم أنها ستواجه تغييرًا، لكن “لم يخبرني أحد ما هو التغيير الذي سأواجهه بالانتقال إلى بيت الزوج”.

كنت متوقعة آخذ ألعابي وأغراضي وأروح ألعب هناك، وجدت أن هناك ماكو ألعاب!

كانت تتصوّر كما تشاهد في الأفلام والمسلسلات أن الزواج عبارة عن حفلة عرس وفستان، و”زوج يدلل زوجته”.

تزوّجت سوزان عام 1999، وفي فترة الحروب كانت الأسر تفضّل تزويج بناتها، القاصرات على وجه الخصوص، وفق مفهومٍ اجتماعيٍّ أبوي وهو “ستر البنت”، دون وعي بتبعات ما قد يحصل.

“انصدمت بعد الزواج بسبب المسؤوليات، كنت متوقعة آخذ ألعابي وأغراضي وأروح ألعب هناك، وجدت أن هناك ماكو ألعاب. هناك فقط مسؤوليات كثيرة، بين التنظيف وغسل الملابس والصحون، ومراعاة والد ووالدة زوجي الكبار بالسن”.

حاولت سوزان إكمال دراستها بعد الزواج، وفيما زوجها لم يعارض الأمر، حالت الضغوطات دون متابعة حلمها.

تقول٬ “قال كمّلي مدرسة عادي، لكن الجو العام داخل بيته لا يساعد أن أكمل دراستي بسبب المسؤولية، وفعلاً حدثت مشاكل عندما كملت مدرسة، لهذا سرعان ما تركت الدراسة”.

حملت سوزان بعد عامٍ واحد من الزواج، حين كانت بسن الـ15 عامًا، بعدها أصبحت أمًّا لثلاث طفلات قبل بلوغها الـ18، وبينما أصبحت ابنة الثلاثين عامًا كانت أمًّا لخمسة أبناء/بنات.

“كانت الأمومة مسؤولية مرعبة بالنسبة لي كطفلة، وتحدي أمام أسرة زوجي بأني أصلح أن أكون أمًّا جيدة”.

عن تجربة الأمومة المبكرة

على حساب المرح والتعليم والنوم والراحة وحتى الطفولة أصبحت سوزان أمًّا وهي لا تزال فتاة يافعة، “سألني أحدهم مرة وقال لي: ما هي هواياتك في مراهقتك؟ قلت له: تربية الأطفال/الطفلات”.

حين كانت سوزان لم تبلغ الـ18 من عمرها بعد، كانت الأمومة مسؤولية مرعبة بالنسبة لها، “عبارة عن حليب وحفاضات وتحدي أمام أسرة زوجي بأني أصلح أن أكون أمًّا جيدة رغم صغر سني”.

فالمجتمع دائمًا ما يضع أي امرأة أمام تحديات وانتقادات، إن لم تقومي بكذا فأنتِ أمٌّ غير صالحة، وكأنهم يتعاملون مع آلة يجب أن تعطي دائمًا منتجًا بنفس الجودة، وما إن ينخفض مستوى جودة المنتوج تُلام هذه الآلة وقد تُستبدل، لهذا فالمرأة دائمًا خاضعة لاختبارات وامتحانات أمام أهل زوجها.

“ما كان يعرف يقول كلمة حبيبتي مثلًا، ولا يبتسم بوجهي حتى”.

عن أبسط خساراتها كأمٍّ فتية، تقول سوزان: “أول ما تزوجت كان شعري نازل على رجلي من كثر طوله، لما عرفت أني حامل بالطفلة الثالثة قصّيت شعري قصيرًا جدًا لأن ما عندي وقت أمشط وأظفّر وأظل ساعة بالحمام أغسل وأعتني فيه”.

زواج سوزان كان تقليديًا، اتفاق تم بين أسرتين، رغم الاختلاف الكبير فكريًا وبيئيًا بينها وبين زوجها، الذي بالرغم من كونه أستاذًا جامعيًا وأكاديميًا، غير أنه ارتبط كأي رجل عراقي بطابعه القبلي والعشائري الذي انحدر منه، “ما كان يعرف يقول كلمة حبيبتي مثلًا، ولا يبتسم بوجهي حتى، شعرت أني أخذت على راسي لأن كل الرومانسية اللي حلمت بيها طلعت وهم”.

“طبيعي إذا زعل يتركنا بلا أكل ولا مصرف”

تصف سوزان عنف زوجها على أنه قناعة ووجهة نظر، فهو لا يرى أي ضرورة بأخذ أطفاله/طفلاته مشاوير، ولم يكن مسؤولًا عن رفاهية العائلة، ويرى أن مسؤوليته تجاههم/ن تقتصر على توفير الطعام والملابس والتعليم فقط.

أكملت سوزان شهادة جامعية، وقررت أن تفتتح مشروعها الخاص، وهنا أصبح للعنف الذي يمارسه زوجها ضدها وجهٌ آخر.

وما أن يقع أي خلاف بينه وبين زوجته أو أطفاله/طفلاته يتملّص عن مسؤوليته تجاههم/ن فيمنع المصروف، ولا يوفر الطعام أو الملابس بذريعة أنه “زعلان”، لهذا تقول سوزان: “أنا هنا تحمّلت مسؤولية توفير كل شيء لأطفالي/طفلاتي، لأني جئت بهم/ن إلى هذه الحياة ومن واجبي أن أوفّر لهم/ن كل شيء”.

اضطرّت سوزان للعمل لتوفير عيشٍ كريم لأطفالها/طفلاتها، ولأنها لم تكن حاصلة إلا على شهادة الدراسة الابتدائية، قررت تدريس الأطفال/الطفلات في بيوتهم/ن ممن لا يزالون/ن في المرحلة الابتدائية.

“قولي: أنت سيدي وأنا تحت رجلك”!

بعدها قررت أن تدرس في معاهد خاصة، تزامن ذلك مع إكمال دراستها بنظام الدراسة الخارجية، أي تكمل دراستها من المنزل وتؤدي فقط امتحانات المراحل النهائية. ثم حصلت على شهادة جامعية، وقررت أن تفتتح مشروعها الخاص، وهنا أصبح للعنف الذي يمارسه زوجها ضدها وجهٌ آخر.

“سابقًا كان يعنفني جسديًا أو يحرمني من الأكل والمصرف ويضايقني، بعد ما فتحت شغلي الخاص وصارت نقلة كبيرة في حياتي، تحوّل العنف إلى عنف نفسي، يستغل أطفالي/طفلاتي لإخافتي، مثلًا يضربهم/ن ويصوّرهم/ن لي ويقول: إذا ما ترجعين من الشغل أضربهم/ن أكثر، أو يطردنا أنا وبناته من المنزل بدون حجاب ونحن نعيش في كربلاء، وهو مجتمع محافظ”.

“قولي: أنت سيدي وأنا تحت رجلك”، كان زوج سوزان يعنّف أطفالها/طفلاتها ويتصل بها ويطلب منها ترديد هذه الجملة، أو يستمر بتعنيف الأطفال/الطفلات، “كنت أردد له هذه العبارات كما يطلب”.

“العنف أخذ من عافيتي” أصيبت سوزان بالسرطان

بسبب التخويف والعنف والضغط الذي واجهته سوزان من قبل زوجها، تحوّل كل هذا إلى مرض، “حتى الأطباء قالوا لي أن القهر والضغط النفسي الذي تواجهينه تسبب لكِ بالإصابة بالسرطان”.

لم تنفصل سوزان عن زوجها مع كل العنف الذي واجهته، فـ”هي أمٌّ لأربعة بنات”. وحتى عام 2020 وقت إصابتها بالسرطان، لم تجد من يستقبلها لتداعيات مختلفة، منها اجتماعية “لأن المرأة مالها غير بيت زوجها”، ومنها اقتصادية “فمن يتحمل مصاريف أم مع أربع بنات؟”.

كانت سوزان قد ولدت طفلها الخامس في 2018، ثم أُصيبت بالسرطان بعد ذلك بعامين، بالتزامن مع انتشار فايروس كورونا، ولم يقيها مرضها من عنف زوجها، بل تحوّل العنف إلى خيانة زوجية أيضًا.

“المرأة مالها غير بيت زوجها، ومن يتحمل مصاريف أم مع أربع بنات؟”

“استمر العنف حتى وآني آخذ جرعات كيمياوي، والأدهى كان يقلد أي ظاهرة عنف يسمع عنها، مرة في فترة انتشار فايروس كورونا انتشر خبر لرجل حرق منزله، لقيت زوجي يحرق صندوقًا ورقيًا في المطبخ، كنت أخشى أن يستمع لأي خبر تعنيف حتى لا يقلده”.

يومها كانت سوزان قد أخذت الجرعة الأولى من الكيمياوي، يدها اليمنى عاجزة بسبب أخذ الغدد اللمفاوية منها، وحالتها النفسية سيئة بسبب تساقط شعرها، “ما كان إلي طاقة، فقط قلت له: ليش تسوي هيج؟ أني ما متحملة أي أذى نفسي أو جسدي”.

ما زاد من ألم سوزان، أنه رغم كل ما قدمته في هذا الزواج؛ أطفال/طفلات خمسة، طفولتها التي غادرتها مبكرًا، بقاؤها مع رجل يكبرها 20 عامًا، فضلًا عن صحتها التي خسرتها، “قال إلي: أني أريد أتزوج وكان يخوني مع ثلاث نساء، فقلت له: تزوج لو تريد”.

شاهدت سوزان زوجها يخونها بينما كانت هي مريضة وبأمس الحاجة لمن يدعمها. “كنت أجهز له التلكرام، في ذاك الوقت كان التعليم من المنزل بسبب كورونا حتى يعطي محاضرة لطلابه، وبالصدفة وجدت محادثة بينه وبين فتاة يقول لها: هاي ما بقى لها شي وتموت، وآني آخذ الأطفال/الطفلات إلى مزرعة عمتهم، ويبقى البيت كله الج تجين إنتِ بمكانها بعد ما تموت”.

هنا، في تلك اللحظة، “قررت مغادرة البيت الذي صنعته أنا بعرق جبيني وعملي وتعبي، كل تفصيلة في هذا المنزل كانت من مالي الشخصي، لكني رغم ذلك قررت أخذ أطفالي/طفلاتي والهرب”.

تتابع: “كنت حينها مريضة جدًا، وحاصلة على جرعة سرطان، ويدي اليمنى لا تعمل، طلبت من أولادي أخذ حاجياتهم/ن المهمة معهم/ن، لنترك كربلاء ونغادر إلى بغداد، ورغم مرضي قدت أنا السيارة من محافظة إلى أخرى في طريق يستغرق ساعتين للوصول إلى بغداد”.

سوزان حميد لـ”قصص حياة”: لو أمتلك ساعة واحدة أعيش فيها ستكون بدون هذا الرجل

قبل خروج سوزان وبناتها وابنها من المنزل حاول زوجها منعها لكنها قاومته وخرجت، اتصلت بعائلتها التي كانت منشغلة بأخيها الأكبر بسبب إصابته بكورونا، وأبلغتهم/ن أنها ستنتقل إلى بغداد، وأنها هي ستتكفّل ببناتها وطفلها وتوفّر له/ن ذات العيش الكريم الذي وفّرته لهم في كربلاء.

“استأجرت بيتًا كبيرًا في منطقة جيدة في بغداد، وكان مفروشًا بالكامل، وفور وصولنا ذهبت كل بنت من بناتي إلى غرفتها الخاصة معزّزة مكرّمة”.

لم تكن البداية الجديدة التي اختارتها سوزان سهلة، كانت ملغومة بالمصاعب، “اتجهت إلى المجهول، وهو كان يلاحقني كثيرًا، بالمحكمة قالوا: تكدرين تاخذين كل شي، الأثاث والبيت لأن إنتِ اللي اشتريتي من مالك، لكني رأفةً به تنازلت عن كل شيء، قلت لهم ما أريده يبقى بلا بشر معاه وبلا أثاث، من أجل العِشرة اللي بينا”.

اعتمدت سوزان من جديد على نفسها في بغداد، وحصلت على عقود جديدة للعمل، كانت تتطلب منها السفر خارج العراق إلى دبي لعدة أيام كل شهر ثم العودة إلى العراق لإكمال عملها عن بُعد، واستطاعت شراء منزل في بغداد لها ولبناتها، وفّرت كل شيء لهن، أكملت الفتيات دراستهن، اثنتان منهن درستا الطب، وأخرى أصبحت مهندسة، بينما لا تزال تعتني بطفلها الصغير الذي يبلغ من العمر 8 سنوات الآن.

حاول زوجها مؤخرًا، وبعد تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لعام 1959 واستبداله بالمدوّنة الجعفرية، الضغط عليها لسلب حضانة طفلها منها، “كان يحاول تبديل عقد الزواج إلى العقد الجعفري وبدون علمي حتى ياخذ الطفل مني، ولكن القضاء ميّز هذا البند وأصبح على الرجل أخذ موافقة الزوجة لتغيير عقد الزواج، فتمكنت من الاحتفاظ بصغيري”.

لا تعترض سوزان على بقاء بناتها وطفلها مع والدهم/ن، “لكنه أب مُعنِّف وأناني لا يصلح لأن يكون حاضنًا لهم/ن، لو أعرف به يرعاهم كان ممكن أخليهم معاه”.

تحسّنت حالة سوزان الصحية بعد الابتعاد عن منزل الزوجية الملغّم بالعنف، والانفصال عن والد بناتها/وابنها، “كنت أدعو إلى الله أن يشفيني حين أراهن/م يمسكن/وا يدي ويبكين/وا مرددات: أمي عيشي من أجلنا”. وهذا هو العام الخامس الذي مرّ من دون أن تأخذ سوزان أي جرعة كيمياوي.

تقول سوزان: “أنا لا أنظر خلفي، ولا أبكي على الماضي، ولا أريد لأبنائي أن يعشن دوّامة العنف مرة أخرى”.

وفي خضمّ ما عاشته، تؤكد سوزان التمييز الذي تتعرّض له النساء بموجب القانون الجعفري. ففي المحكمة، و”رغم إحضاري شهودًا وهم بناتي وإخوتي وطرف ثالث يفترض أن يكون محايدًا كان صديق زوجي، إلا أن القانون اعتبرني أنا متسببة بضرر العائلة بنسبة 70% فقط لأني طالبت بالتفريق، رغم تأكيد الشهود بأني أُضرب وأُهان وأُعنّف”.

وبعد أن حكمت المحكمة لها بالطلاق، قام الزوج المعنف بتمييز الحكم، بذريعة “أنني أنا من تريد أن تضر بالأسرة بنسبة 70%، ووافقت المحكمة على التمييز وأعادوني على ذمته مرة أخرى”!

عادت سوزان مرة أخرى ورفعت دعوى تفريق مستندة إلى مرضها بالسرطان، والتقارير الطبية التي تؤكد أن المرض مرتبط بحالتها النفسية والعنف الذي تتعرض له، حتى وافقت المحكمة على تفريقها من زوجها أخيرًا.

تعلّمت سوزان الكثير من تجربتها، ووجّهت عبر “قصص حياة” رسالة لنساء أخريات من خلال ما عايشته:

“أتمنى أن تكون النساء قويات دائمًا، يعتمدن على أنفسهن، ولا ينتظرن من الرجل أن يكون مساندًا لهن، وحين تقررن الزواج لا تختاري زوجًا لكِ فقط، اختاري أبًا جيدًا لأبنائك”.

تخطّت سوزان، لأنها مؤمنة بالتخطي، وترفض النظر إلى الماضي، تعيش اليوم وسط بناتها وأزواجهن وأحفادها، وتكرّس حياتها لتأمين مستقبل طفلها الأصغر ذي الثماني سنوات، متحدّية مرضها وملاحقات طليقها المستمرة لها.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد