
جمعيّة “أصوات نساء”: تجربة نضالية برؤية نسوية تقاطعية
رسمت جمعيّة “أصوات نساء” منذ تأسيسها، مسارًا نضاليًا يهدف إلى تعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسيّة والعامّة. ولم يقتصر دورها على ترسيخ مبادئ التمكين والمناصرة، بل شمل أيضًا تحليل السياسات العموميّة، ونقد تدخلات الدولة وأدائها، وكشف أوجه القصور في تحقيق العدالة الجندرية والاجتماعية.
ومع تطوّر تجربتها، أعادت “أصوات نساء” تشكيل استراتيجياتها لتتماشى مع الواقع الميدانيّ المركّب واحتياجات النساء في تونس، والعوامل المتعدّدة التي تؤثر في حيواتهنّ.
1- التقاطعية: منهج لفهم أعمق للتمييز والاستغلال
أدركت “أصوات نساء” من خلال العمل الميدانيّ ومراكمة التجارب، أنّ الاضطهاد المسلّط على النساء لا يمكن فصله عن العوامل الأخرى المساهمة في ترسيخ علاقات القوّة والهيمنة كالطبقة الاجتماعية والسنّ والإعاقة والعرق، والهويّة الجنسيّة، والموقع الجغرافي وغيرها. فالتمييز ليس تجربة موحّدة، بل يختلف تأثيره حسب الامتيازات التي تتمتع بها فئة من النساء أو اختبار بعضهنّ تجارب الحرمان التي تختلف، في الواقع، من امرأة إلى أخرى.
فعلى سبيل المثال، تعاني النساء المفقّرات من الهيمنة الذكورية بشكلٍ يختلف عن اللواتي يتمتّعن بامتيازات اقتصادية، ما يفرض اعتماد قراءة أكثر شموليّة للنضال النسويّ.
ومن هذا المنطلق لم يعد النضال من أجل حقوق النساء معزولًا عن النضالات الأخرى، بل بات مرتبطًا بمطالب العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويستدعي توظيف التقاطعية منهجًا يسمح بتوفير فهم أعمق لمختلف العوائق التي تواجه النساء من مختلف الفئات الاجتماعيّة وكذلك طريقة في العمل ومبدأ يحكم مختلف أنشطة الجمعيّة.
والتقاطعيّة حسب أغلب الدارسات، نظريّة برزت في أواخر السبعينات في الولايات المتحدة الأميركية، مع الموجة النسويّة الثالثة، ونمت في أحضان النسويّة السوداء ثمّ تبلوت على يد أستاذة القانون كيمبرلي كرينشو Kimberlé Crenshaw في الثمانينات، واستطاعت أن تعبر كلّ الاختصاصات والحدود لتغدو نظرية نسوية تقاطعيةintersectional feminist theory أو منهجًا أو استراتيجية للقراءة reading strategy تستخدم لتحليل طريقة ارتباط بنى الهيمنة واستراتيجيات التمييز والعزل والإقصاء والتهميش والاضطهاد وفهم أشكال تفاعلها، وإدراك “خبرات النساء التي تشكّل وعيًا مختلفًا وفهمًا مخصوصًا للاضطهاد والتهميش والإقصاء يختلف بالضرورة عن الفهم الشائع الذي صاغه أصحاب السلطة والامتيازات.”
2- القيادة النسويّة التشاركيّة: من النظريّة إلى الممارسة
تعتبر “أصوات نساء” أنّ النساء لا يعشن نفس التجارب وبناءً على ذلك وجب وضع سياسات تعكس فهمًا عميقًا لتعدّد أشكال التمييز والظلم الاجتماعيّ الذي يواجهنه، ولا يتوقّف الأمر عند تغيير منهج وضع السياسات فقط، بل يتعيّن على الجمعيات النسويّة تغيير مفهوم القيادة النسويّة. ولذلك تؤمن ”أصوات نساء” أنّ القيادة النسويّة يجب أن تكون تشاركية حتّى يتم توفير الفرص لجميع النساء للتعبير عن آرائهنّ ومطالبهنّ في مختلف المجالات.
والتشاركيّة ليست مفهوما نظريًّا بقدر ما هي ممارسة يوميّة تسعى إلى تحقيق تغيير جذريّ في المجتمع يعكس تنوّع تجارب النساء ويُسهم في تحقيق العدالة والمساواة لهنّ جميعا.
ولبلوغ هذه الأهداف تعمل ”أصوات نساء” على بناء شبكات تضامن بين النساء المنتميات إلى مختلف الفئات الاجتماعية، بدءًا من العاملات في القطاع الفلاحي وصولًا إلى الناشطات الحقوقيات، ومرورًا بالطالبات والنسويّات في مختلف الحركات الاجتماعية. ويضمن هذا التوجه أن تكون جميع أصوات النساء حاضرة باعتبارها جزءًا أساسيًا في عمليّة اتّخاذ القرار على المستوى الاجتماعي-السياسيّ.
إنّ القيادة التشاركيّة، كما تراها ”أصوات النساء”، تتجاوز حدود النخب التقليديّة، لتستند إلى شموليّة تدمج جميع الأفراد المعنيين بالشأن العامّ في عمليّة اتّخاذ القرارات. و”تتميز القيادة النسائية في تنمية المجتمع بنهج شموليّ ينطلق من أسفل الهرم إلى أعلاه، وذلك على النقيض من النهج الذي ينطلق من أعلى الهرم إلى أسفله والذي عادة ما يرتبط بالقادة الذكور. وقد أثبت هذا النهج نجاحًا وتأثيرًا أكبر في مبادرات تنمية المجتمع.”
وبناءً على هذا التصوّر تعمل ”أصوات النساء” على جعل القيادة النسائية تشاركية وتغييرية تساعد على بناء حركة نسويّة أكثر شموليّة قادرة على إحداث تغيير حقيقيّ في حياة النساء. ولن يحدث هذا التغيير عبر تقديم المطالب الحقوقيّة فقط، بل يجب أيضًا، خلق مساحات تحرّر تمكّن النساء من قيادة نضالاتهنّ بأنفسهنّ بما يتوافق مع تجاربهنّ واحتياجاتهنّ المتنوّعة. ولذا لا يُنظر، في “أصوات نساء”، إلى القيادة على أنّها مجرد إرشاد أو توجيه، بل هي وسيلة حقيقيّة تمنح الأفراد الأدوات الأساسيّة، والفرص اللازمة للمشاركة الفعّالة في صنع التغيير الاجتماعيّ.
3- نضال متعدّد الأبعاد: من حقوق النساء إلى العدالة الاجتماعيّة
تعتمد “أصوات نساء” على التقاطعية لضمان تمثيل جميع الفئات المهمّشة داخل الحركة النسويّة. ففي عملها مع العاملات في القطاع الفلّاحي، لم تكتفِ الجمعيّة بالمطالبة بالمساواة الجندريّة، بل وسّعت نطاق مطالبها لتشمل تحسين صحّة النساء وظروف العمل، وتوفير التغطية الاجتماعيّة، وضمان النقل الآمن، والتصدّي لاستغلال الفلاّحات من قبل المشغلين. ويعكس هذا النهج وعيًا عميقًا بارتباط النوع الاجتماعيّ بالطبقة الاجتماعيّة والموقع الجغرافي، ذلك أنّ هشاشة وضع النساء الفلّاحات لا تعود إلى جنسهنّ فقط، بل أيضًا إلى ظروف العمل القاسية التي لا تضمن سلامتهنّ، وغياب الحماية القانونيّة، والتهميش الاقتصاديّ.
أ- “حراك أصوات عاملات الفلاحة“: حراك نسائيّ يطالب بحقوق العاملات في القطاع الفلّاحي
انطلقت حملة “سالمة تعيش” في سنة 2019 للمطالبة بنقل آمن للعاملات في القطاع الفلّاحي، وذلك بمبادرة من “أصوات نساء” وعدد من الجمعيات المدافعة عن الحقوق الاقتصاديّة. ورغم نجاح هذه الجهود في الضغط من أجل سنّ القانون 51، الذي ينصّ على إحداث صنف نقل خاصّ بالعاملات، إلا أنّ هذا القانون بقي حبرًا على ورق، ولم ينعكس على أرض الواقع.
وقد دفع هذا الفشل في تغير واقع العاملات في القطاع الفلاحيّ، “أصوات نساء” إلى مراجعة استراتيجياتها، وطرح تساؤلات جوهريّة مستمدّة من المبادئ النسويّة: فهل تمّ توفير فضاء آمن للعاملات ليعبّرن عن آرائهنّ بحرّية؟ هل تمّ تشريكهنّ في صنع القرارات حول مختلف قضاياهنّ؟ وهل تمّ تعزيز التضامن بين العاملات من مختلف المناطق؟ هل تمّ الاستماع إلى مقترحاتهن؟
أدّى هذا التحليل النقديّ إلى تغيير جذريّ في نهج العمل إذ قرّرت “أصوات نساء” الانتقال من دور القيادة المسؤولة عن إحداث التغيير إلى دور الداعم التقنيّ واللوجستيّ، والمؤطر لأنشطة النساء ما أتاح للعاملات فرصة قيادة نضالهنّ بأنفسهنّ. ومن هنا، وُلد حراك “حراك أصوات عاملات الفلاحة”، وهو أوّل حراك مستقل للعاملات في القطاع الفلاحيّ يُطالب بحقوقهنّ الأساسيّة، وعلى رأسها الحقّ في نقل آمن، وحماية من العنف الاقتصاديّ، ومناهضة سياسات التهميش.
والواقع أنّ “حراك أصوات عاملات الفلاحة” لم يكن مجرد صرخة احتجاج بقدر ما كان خطوة فعليّة نحو تغيير واقع مئات النساء اللواتي يعملن في ظروف صعبة، وسط غياب الحماية القانونية والاجتماعيّة. واليوم، يستمرّ النضال من أجل أن تتحوّل مطالب العاملات في مختلف القطاعات إلى حقوق مكتسبة، وليس مجرد وعود تبقى حبرًا على ورق.
ب-المدرسة النسويّة: تجربة “أصوات نساء” في تمكين القيادات النسويّة الشابّة
منذ انطلاقها في سنة 2021، شكّلت المدرسة النسوية التابعة لـ”أصوات نساء” فضاءً رائدًا في دعم القيادات النسويّة الشابّة، وذلك من خلال تزويدهن بالمهارات القياديّة، وخلق مساحات آمنة تمكّنهن من تبادل وجهات النظر والتدرّب على التفاوض والعمل معا وممارسة النقد الذاتي وبناء حراك نسويّ مستقلّ. ولم تقتصر هذه التجربة على التدريب الأكاديميّ، بل وُضعت الأساس لظهور نوادٍ نسوية تديرها الطالبات بأنفسهنّ، واكتفت “أصوات نساء” بلعب دور تقنيّ ولوجستي دون فرض أية أجندات أو برامج “دعم القدرات” التي تفرضها أحيانًا الجهات المانحة. كما أنّها حرصت على أن لا تتبنّي مفهوم القيادة الفرديّة بمفهومها الرأسماليّ، وفي المقابل ركّزت على بناء قيادة جماعيّة تضع القضيّة النسويّة في صلب اهتمامها وتسعى إلى ترسيخ قواعد إتيقا العمل النسويّ.
ونتج عن هذه المبادرة التحاق العديد من الشابّات بالعمل السياسيّ اللواتي برزن في الصفوف الأمامية للاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية، والانتخابات الشفّافة، وإطلاق سراح السجينات السياسيات وغيرها من المطالب. وهكذا نشأ داخل هذه المساحات، وعي سياسيّ نسويّ قائم على التضامن والأختية بين النساء، ما عزّز من قوّة الحركة النسويّة الشابّة.
تقول Bell Hooks “بيل هوكس” شارحة قيمة الأختية Sisterhood: “لقد تمّ تعليمنا أنّ علاقتنا مع بعضنا البعض تقلّل من غنى تجربتنا عوض إغنائها. كما تمّ تلقيننا أنّ النساء عدواتٍ بطبيعة الحال، وأنّ التضامن بيننا لن يحدث أبدًا، ذلك لأنّنا لا نستطيع، ولا ينبغي علينا، أن نرتبط ببعضنا البعض. لقد تعلّمنا هذه الدروس بشكلٍ جيّد، وعلينا أن نتخلّص منها إذا كنّا نريد بناء حركة نسائيّة متماسكة. يجب علينا أن نتعلّم العيش والعمل بشكلٍ متضامن. وينبغي لنا تعلّم المعنى والقيمة الحقيقية للأُختِيّة.”
ويمكن القول إن أبرز ما يميّز هذه التجربة أن فريق “أصوات نساء” الذي رافق هذه الحركات، كان بدوره مكوّنًا من شابّات خضن تجربة المدرسة النسويّة والنوادي، ثم انضممن لاحقًا إلى فريق العمل، وهو أمر يؤكّد أنّ هذه المدرسة ليست مجرّد مرحلة تدريبيّة، بل بوابة لتمكين جيلٍ جديدٍ من القيادات النسويّة القادرة على إحداث التغيير وفتح المجال أمامهنّ حتى يتدربن على تحمّل المسؤولية.
ومن خلال النضال اليوميّ وتبنّي مقاربة نضالية تقاطعية، لا تفصل بين قضايا حقوق النساء وقضايا العدالة الاجتماعية أمكن لـ”أصوات نساء” أن تتبيّن أنّ أشكال التمييز وبنى الهيمنة والقمع مترابطة، وأنّ قضايا مثل مكافحة الإفلات من العقاب، والعنصرية، والتهميش الاقتصادي متقاطعة، وتؤثّر بشكلٍ مباشر على النساء وتضاعف من هشاشتهنّ ومعاناتهنّ.
ت-العدالة للجميع: مناصرة قضيّة عمر العبيدي
شاركت “أصوات نساء” أيضًا في التحركات المطالبة بالعدالة لعمر العبيدي، الشابّ الذي لقي حتفه غرقًا بعد ملاحقته من قوّات الأمن في سنة 2018 . ولم يكن هذا النضال مجرد تضامن مع قضيّة فرديّة، بل إنّه جاء في إطار موقف واضح ضدّ ظاهرة الإفلات من العقاب، وهو المبدأ ذاته الذي تناضل من أجله “أصوات نساء” في قضايا العنف ضدّ النساء. فغياب المحاسبة في انتهاكات حقوق الإنسان، سواء تعلّق الأمر بالعنف البوليسيّ أو بالعنف القائم على النوع الاجتماعيّ، يعكس خللاً بنيويًّا في منظومة العدالة استوجب تجنّد”أصوات نساء” لمناهضته بشتّى الوسائل وتغييره.
ث- مناهضة العنصريّة والتصدّي لخطاب الكراهية
لم يتوقّف النضال عند هذا الحدّ، بل امتدّ إلى التضامن مع المهاجرين/ت من جنوب الصحراء الإفريقية في تونس، خاصّة بعد خطاب رئيس الجمهوريّة في فيفري (شباط/فبراير) من سنة 2023، الذي وصف فيه وجودهم/ن بأنّه “مخطّط للتغيير الديمغرافي”، ما أدّى إلى بروز موجة من الاعتداءات وممارسة العنف ضدّهم/ن. وقد وجدت النساء المهاجرات أنفسهنّ في قلب هذه الأزمة، إذ تعرّضن لخطاب كراهية وعنصريّة متصاعد، في ظل غياب الحماية القانونية والاجتماعية.
وقفت “أصوات نساء” إلى جانبهن، مؤكّدة أنّ النضال ضد العنصريّة هو امتداد طبيعي للنضال النسويّ، خاصّة وأنّ العديد من الناشطات في المجتمع المدنيّ تمّ استهدافهنّ وسجنهنّ بتهمٍ تتعلّق بمساعدة المهاجرين/ات. فالمسألة لا تتعلّق فقط بالدفاع عن حقوق المهاجرات، بل بتحدّي المنظومة التي تسمح بإنتاج التمييز والتهميش في مختلف مستوياته.
ج-أصوات نساء: حراك نسويّ يقود النضال من أجل الحرّيات والحقوق المدنية
تنسّق “أصوات نساء” منذ عامين، الديناميكيّة النسويّة، وهي شبكة من الجمعيات المستقلّة التي تأسّست عقب 25 جويلية (تموز/ يوليو) 2021، بهدف الدفاع عن الحرّيات العامّة والفرديّة وتعزيز المشاركة الفاعلة للنساء في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. ومن خلال دورها المحوريّ في هذه الديناميكية، قادت الجمعيّة حملة “الحرّية لجميع السجينات دون استثناء”، مطالبة بالإفراج الفوريّ عن جميع السجينات السياسيات المحتجزات على خلفية نشاطهنّ المدنيّ والسياسيّ.
وشملت الحملة تعبئة رقميّة مكثّفة، ونشر بيانات ورسائل تضامن، إضافة إلى تنظيم تحركات ميدانية مثل الوقفات أمام سجن النساء والمحاكم، إلى جانب مسيرات احتجاجية واسعة. وقد تحمّلت “أصوات نساء” مسؤولية إدارة الحملة، وتمكّنت من تجاوز التوترات الداخلية عبر تعزيز قيم الحوار ومبدأ التكيّف مع مختلف الحساسيات داخل الديناميكيّة، ما سمح ببناء جبهة موحّدة أكثر فاعليّة وصلابة.
ولم يقتصر هذا الالتزام النضاليّ على قضية السجينات، بل امتدّ ليشمل قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق السياسيّة والمدنيّة، في ظلّ مناخ سياسيّ يشهد تراجعًا في الحريات. وكان نجاح مسيرة 13 أوت (أغسطس/آب) 2024 الغاضبة، والتي جمعت طيفًا واسعًا من الجمعيات والشخصيات المستقلّة والأحزاب، نقطة تحوّل أساسيّة، حيث شهد الشارع التونسيّ حراكًا بعد فترة طويلة من غياب الاحتجاجات، وقد أدّى ذلك إلى تأسيس “الشبكة التونسية للحقوق والحرّيات”.
4-تحديات القيادة النسويّة في تونس: بين الضغوط الخارجيّة والتحديات الداخليّة
تواجه القيادة النسويّة في تونس مجموعة من التحديات المعقّدة التي تعكس واقع العمل النسويّ على أرض الواقع في ظلّ بيئة سياسيّة واجتماعيّة غير مستقرّة. ورغم التقدّم الذي حقّقته الحركات الاجتماعيّة، لا تزال الجمعيات النسويّة تعمل في سياق يفرض عليها الاشتباك مع عدّة قوى ودخول صراعات مستمرّة والنضال من أجل الحفاظ على مكتسباتها وتحقيق أهدافها. ويمكن تلخيص أهمّ هذه العوائق والتحديات في النقاط التالية:
أ-ضغوط سياسيّة واجتماعيّة تحدّ من درجة التأثير
إنّ طرح القضايا النسويّة في فضاء عامّ لا يزال يشهد مقاومة من بعض التيارات المحافظة والجهات المعارضة للمطالب النسويّة. ويُعدّ التأثير الخارجيّ والضغوط السياسيّة والاجتماعيّة من أبرز العقبات التي تواجه القيادة النسويّة في تونس.
ولا تقتصر هذه الضغوط على الانتقادات العلنية، بل تمتد إلى التأثير في علاقات الجمعيّات النسويّة بالجهات الرسميّة، ما يحدّ أحيانًا من فرص الحصول على دعم أو تعاون مؤسساتيّ فعّال. كما أنّ تقبّل المجتمع لمخرجات عمل هذه الجمعيّات يظل متباينًا، وهذا يفرض عليها البحث عن استراتيجيات جديدة وابتكار أدوات عمل متنوّعة من أجل تحقيق المناصرة وكسب التأييد الشعبيّ.
ب-التنوّع الداخليّ: قوّة أم تحدٍّ؟
يشكّل التنوّع داخل الجمعيّات النسويّة تحديًا آخر، إذ تنتمي الناشطات إلى خلفيات متعدّدة وتجارب مختلفة، وهو أمرٌ يؤدي إلى اختلاف وجهات النظر حول تحديد الأولويات ووضع الاستراتيجيات المتّبعة.
وعلى الرغم من أنّ هذا التنوّع يعد مصدر قوّة وثراء من حيث تعدّد الزوايا في تحليل القضايا النسويّة، إلاّ أنّه يفرض تحديات على مستوى توحيد الرؤى واتّخاذ القرارات. فالتوفيق بين مختلف التصوّرات يتطلّب حوارًا مستمرًا وآليات تشاركية فعّالة تضمن تمثيل كلّ الأصوات دون أن يتحوّل النقاش إلى عائق أمام تحقيق الأهداف الرئيسيّة.
ت-الصراع بين الأجيال داخل الحركة النسويّة
يبرز الصراع بين الأجيال كأحد التحديات الهيكلية داخل الحركة النسويّة، إذ تعكس العلاقة بين الجيل المؤسّس والأجيال الجديدة تفاعلات معقّدة حول إعادة توزيع السلطة داخل الجمعيات النسويّة وممارستها. فبينما تتمسّك بعض القيادات المخضرمة برؤى تقليديّة في الإدارة وفي اتّخاذ القرار، تسعى الأجيال الجديدة إلى إحداث تغييرات في أساليب القيادة، الأمر الّذي يؤدي أحيانًا إلى خلق معارك داخليّة.
وتظلّ إعادة التفكير في آليات القيادة وتوفير مساحات حقيقية لمشاركة الأجيال الجديدة دون تهميش أو إقصاء، مفتاحًا لضمان استدامة الحركات النسويّة.
ث-التوفيق بين النهج التشاركيّ والقرارات الفعّالة
تمثّل القيادة التشاركيّة، رغم أهميتها، تحديًا من حيث تحقيق التوازن بين إشراك الجميع في صنع القرار وبين سرعة التنفيذ وفعاليّته. فكلّما زاد عدد المشاركين/ات في اتّخاذ القرارات، ازدادت صعوبة الوصول إلى توافق سريع، ويترتّب عن ذلك بطء في تنفيذ بعض المبادرات النسويّة. ولذا تحتاج هذه الحركة النسويّة إلى تطوير آليات تشاركيّة أكثر مرونة كي تحافظ على مبدأ الشموليّة من جهة، ولا تعطّل عمليّة اتّخاذ القرار، من جهة أخرى.
ج-نقص التمويل: عائق أمام تحقيق الاستمراريّة
بالإضافة إلى التحديات التنظيميّة والسياسيّة، يشكّل نقص الموارد المالية عائقًا رئيسيًا أمام تطور المبادرات النسويّة. فالعديد من الجمعيات تعتمد على تمويل محدود وغير مستدام، ما يجعلها تواجه صعوبة في توسيع نطاق عملها أو في إطلاق مشاريع طويلة الأمد. ويؤثر هذا النقص أيضًا على قدرتها على توظيف عدد من الكفاءات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الدعم الكافي للنساء في مختلف المجالات.
خاتمة
تُظهر هذه التحديات أنّ القيادة النسويّة في تونس ليست مجرد نضال من أجل الحقوق، بل هي معركة مستمرّة لضمان الاستمراريّة والتأثير الفعليّ في ظلّ سياقات معقّدة وغير مستقرّة. وبالرغم من وجود هذه العقبات فإنّ الحركة النسويّة تواصل البحث عن حلول مبتكرة لتعزيز دورالنساء في المجتمع، سواء كان ذلك من خلال بناء تحالفات جديدة أو عبر تطوير استراتيجيات أكثر شموليّة وتشاركيّة لضمان تحقيق أهدافها على المدى البعيد.
إعداد: سارة بن سعيد