
سوريا.. مقتل الطفلة جنّات العفيس (3 أعوام) على يد والدها
أُعيدت إلى معنّفها بذريعة "الأبوة" فقتلها
ثلاث سنوات فقط عاشتها الطفلة السورية جنات العفيس (3 أعوام)، قبل أن تنتهي حياتها إثر تعرضها للضرب المبرح على يد والدها حسن العفيس، في بلدة الحسينية بريف دير الزور الغربي.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي توقيف والدها للاشتباه في تعنيفها والتسبّب بوفاتها، فيما تتواصل التحقيقات لكشف ملابسات الجريمة وتحديد أسباب الوفاة، بعدما فارقت الحياة عقب نقلها إلى مشفى دير الزور الوطني.
لكن خلف خبر توقيف “الأب” المجرم، تبرز روايات عن شكاوى تعنيف سبقت مقتل جنات، وعن إعادتها إلى رعايته بقرار قضائي، بعدما كانت لدى عمّها. رواياتٌ تطرح أسئلة أشدّ خطورة عن مسؤولية الجهات التي يُفترض أن تحمي حقوق الأطفال والطفلات وتطبّق العدالة. فهل أسهمت قراراتها أو تقصيرها في تعبيد الطريق أمام القاتل لارتكاب جريمته؟
حماية جنات كان يجب أن تبدأ قبل الجريمة، لا بعدها. وأي حديثٍ لاحق عن معاقبة الجاني لا يكفي لتحقيق العدالة لروح الطفلة المغدورة من الأب والمنظومة التي تحميه على حدٍّ سواء.
شكاوى تعنيف سبقت جريمة القتل
في شهادةٍ لتلفزيون سوريا، قال عبود صالح العفيس، ابن عم والد الطفلة، إن الأب “سبق أن أُوقف على خلفية شكوى تتعلق بتعنيف جنات، ثم أُفرج عنه”. وأوضح الموقع أنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل التوقيف ومدته، أو من الجهة التي قررت إخلاء سبيله وأسباب القرار.
في سياقٍ متصل، ذكرت مصادر صحفية أخرى أن جنات كانت في رعاية عمّها، قبل أن يستعيد والدها حضانتها بقرار قضائي، رغم وجود شكاوى وتقارير طبية عن تعنيف سابق. كذلك أورد موقع “963+” رواية تسليم الطفلة إلى والدها بموجب قرار قضائي، نقلًا عن مصادر إعلامية محلية. ولم تعرض هذه التغطيات نسخة من القرار أو التقارير الطبية المشار إليها.
معلوماتٌ حسّاسة تستدعي، وبشكل ملحّ، كشف مسار الشكاوى المذكورة والإجراءات التي أعقبتها. فكيف يمكن أن تتخذ الجهات المعنية، التي علمت بتعرّض جنات للعنف على يد “الوالد”، قرار إعادتها إليه بذريعة الأبوة، بدل اتّخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحمايتها ومعاقبته؟! وكيف جرى تقييم قدرة “المعنِّف” نفسه على توفير رعاية آمنة لها، وما إذا كانت ستكون بمأمن من أذى أعمق بعد إعادتها إليه؟
خسارة جنات لحياتها تجيب على هذه التساؤلات. نتيجةٌ مؤلمة تفرض مساءلة كل من اضطلع بإصدار قرار مسّ حياة الطفلة وسلامتها. فالإفراج عن شخص متهم بتعنيف طفلته، بدل محاسبته على العنف، يحمّل الجهات المعنية مسؤولية، لقصورها في تقييم الخطر قبل إعادتها إليه، خصوصًا أنها في سنّ لا تتيح لها مغادرة البيت أو طلب الحماية بنفسها.
حين تُقدَّم السلطة الأبوية على سلامة الطفلة
تضع الروايات المتعلقة بإعادة جنات إلى والدها معايير قرارات الرعاية والحضانة موضع مساءلة. فعندما توجد شكاوى جدّية عن العنف، يجب أن لا تُعتبر صفة الأب كافية لإثبات أن البيت آمن، ولا يجوز أن تصبح صلة القرابة سببًا لتجاهل احتمال تعرض الطفلة للأذى.
واقعٌ خطيرٌ يستدعي المطالبة الملحّة بمساءلة السلطة الأبوية التي تمنح الأب ثقة مفترضة في قرارات تمس حياة أطفاله وطفلاته. فالمصلحة الفضلى لهم/ن تفقد معناها حين تُفصَّل على قياس هذه السلطة، بدلًا من أن تستند إلى سلامتهم/ن واحتياجاتهم/ن.
وفاة الأم.. تساؤلات لم تُحسم
في أعقاب الجريمة، أُعيد تسليط الضوء على روايات تتعلق بوفاة والدة جنّات قبل أشهر.
فقد نقلت منصة “أحوال ميديا”، في تقرير نشرته في 28 أيلول/سبتمبر 2026 عن مركز السويداء للتوثيق والإعلام، أنها توفيت قبل نحو عام إثر حريق، وأن وفاتها سُجّلت حينها باعتبارها انتحارًا، وسط شكوك بشأن ظروفها.
وأضاف التقرير أن ناشطات/ين طالبن/وا بإعادة التحقيق والكشف عن الملابسات والتحقق من وجود شبهة جنائية، من دون أن يعرض وثائق رسمية تثبت كيفية تسجيل الوفاة.
في المقابل، نقل تلفزيون سوريا عن قريب للعائلة أنها توفيت قبل نحو أربعة أشهر، وأنها كانت تتعرض للعنف على يد زوجها.
المساءلة لا تنتهي بتوقيف الأب
أثارت القضية غضبًا ومطالبات بمحاسبة الأب، لكن العدالة لجنات تستدعي أيضًا كشف ما سبق وفاتها، وتحديد مسؤولية كل من يثبت تقصيره في حمايتها. فلا يكفي توقيف القاتل إذا بقي مسار الشكاوى والقرارات التي مسّت سلامتها مجهولًا.
وتقتضي الاستجابة إلى القضية التحقق من سلامة أي أطفال/ طفلات آخرين/ أخريات في الأسرة، وحماية خصوصيتهم/ن، بعيدًا عن تحويل شهاداتهم/ن أو صورهم/ن إلى مادة متداولة. كما أن نشر صور آثار العنف على جسد جنات لا يعوّض تقصير الجهات المعنيّة بحمايتها، ولا ينبغي أن يصبح شرطًا حصريًّا لتصديق خطورة التعنيف.
فقدت جنات حياتها. والعدالة لروحها تبدأ بمحاسبة كل مسؤولٍ عن وفاتها، وتمتد إلى كل من يثبت أنه علم بالخطر أو قصّر في الاستجابة إليه، ولا تنتهي بمعاقبة القاتل فقط.