مسرحية “مين الفلتان”: المغتصب بعيون الناجيات

 

لعلّ ما تُوّجت به حملة “#مين_الفلتان؟”، التي أطلقتها منظمة أبعاد، بعرضٍ مسرحي وثائقي حول أحوال الإعتداء الجنسي في لبنان، يمكن وصفه بـ “زبدة” الحملة التي أطلقت بمناسبة حملة الـ 16 يومًا العالمية للقضاء على العنف ضدّ النساء والفتيات.
يومان من العرض، في 23 و24 تشرين الثاني، كانا كفيلين أن يدخلهما المشاهد ويخرج منهما وهو يحمل انطباعًا خارج توقعاته. ليس جديدًا أن نشاهد عرضًا مسرحيًا لقصصٍ واقعية على خشبةٍ نتسمّر أمامها. لكن، أن يكون العرض المسرحي عبارة عن قصص موزّعة على غرف منزلٍ من طابقين، تتنقل لمشاهدتها في الحمام وغرف النوم والجلوس، تكون علامته الفارقة، بنوعية التأثّر وشكله ونسبته، حينها يصبح المشاهد، على تماس مباشر مع الناجية، والمغتصب أيضًا.
يستخدم هذا العرض المسرحي الوثائقي، الذي أنتجته منظمة أبعاد، بإعداد وإخراج الكاتبة والمخرجة سحر عساف، مواد من سبعة تسجيلات صوتيّة لمقابلات أجرتها المنظمة مع ناجيات من العنف الجنسي في العام 2018.
داخل كلّ غرفةٍ من مبنى ZICO HOUSE في الحمرا، قصّة ناجيةٍ من الإغتصاب أو الاعتداء الجنسي. تارةً نسمع القصّة بصوت الناجية، وطورًا على لسان المغتصب. وهو ما ساهم بطريقة لافتة، إلى تشتيت النظر عن الناجية من الاغتصاب في بعض المشاهد، وتركيزه على “المعتدي” وملامحه، حين يكون لا مباليًا، أو حين يستقوي بالقانون الذي لا يدينه لتبرير جرم الاغتصاب الزوجي مثلًا.

يستخدم هذا العرض المسرحي الوثائقي، الذي أنتجته منظمة أبعاد، بإعداد وإخراج الكاتبة والمخرجة سحر عساف، مواد من سبعة تسجيلات صوتيّة لمقابلات أجرتها المنظمة مع ناجيات من العنف الجنسي في العام 2018.

في جنبات هذا المنزل، تصدح أصوات تسجيلات النساء الناجيات، الذي يتنقل فيه الجمهور من غرفةٍ لأخرى، بحريةٍ مطلقة، حتى يختار القصّة التي يريد سماعها ومشاهدتها. لكنه لاحقًا، يخرج ليجد نفسه اختار جميع القصص، وسمع قصص 7 نساء يروين معاناتهن مع الاغتصاب، من خلال أداء الممثلين: أنطوان أشقر، جوزيف زيتوني، لين حديب، مي سميث وهبة الحمد.
في إحدى هذه الغرف، نسمع قصّة ريهام، التي كانت تستيقظ وهي طفلة خلال الليل لتجد أخاها غير الشقيق يتحرش بها. قضت ريهام 20 عامًا على الحال نفسه. في غرفةٍ أخرى، نسمع قصّة ورد، لكن على لسان زوجها الذي بقي يغتصبها 10 سنوات كاملة. في البدء، يرى الجمهور رجلًا منكسرًا يجلس حانيًا رأسه نحو الأرض، كأنه يمثل جريمته. وإذ في نصف المشهد، نكتشف أن الزوج لا يزال يمارس جريمته، لا بل يتباهى بها لأنه يستند إلى “قوّة” القانون الذي لا يجرّم الاغتصاب الزوجي. أمّا ريتاج، تحكي في إحدى الغرف بغضبٍ مع أمّها، وهي تخبرها عن والدها الذي يعتدي على جسدها ويتحرش بها. لكنّ الوالدة تنهي المشهد وهي تنظر في عيون المشاهدين، من دون الاكتراث لألم ابنتها: “عم تكذب.. لا تصدقوها”.

أمّا ريتاج، تحكي في إحدى الغرف بغضبٍ مع أمّها، وهي تخبرها عن والدها الذي يعتدي على جسدها ويتحرش بها. لكنّ الوالدة تنهي المشهد وهي تنظر في عيون المشاهدين، من دون الاكتراث لألم ابنتها: “عم تكذب.. لا تصدقوها”.

عساف: قصص قوية وصادمة
تحكي المخرجة سحر عساف في حديثٍ لـ “شريكة ولكن”، عن تجربتها في إخراج هذا العمل، الذي انطلقت فيه من قصصٍ وأدوات حقيقية. فبعد أن حصلت من “أبعاد” على 7 مقابلات لنساء ناجيات من الاغتصاب، كان في ذهنها أن تكون المسرحية مكبرًا لصوتهم، “لأنّ القصص قوية وصادمة”، تقول عساف: “كنت أنظر كيف يمكن أن أخدم قضيتهن، وكيف يمكن للمسرحية أن ترسل رسالة مفادها أنّ المسؤولية الفعلية لا تقع على المجتمع وحده، وإنما على القانون، لأن العقوبات مخففة جدا مقارنة مع الجريمة”.
ترفض عساف وضع مسرحية “مين الفلتان” في خانة “المسرحية التفاعلية”. فهذه المسرحية، وفقها، تندرج في إطار المسرح الوثائقي، لأنها تعتمد على مقابلات حقيقية لنساء حقيقيات شاركن قصصهن، وكان النص مكتوبًا حرفيًا، مع نقص في الكلمات ومن دون إضافة شيء عليها.
في غرفة ريهام، التي عانت 20 عامًا من اغتصاب أخيها لها، “كانت قصّتها قوية جدًا واستثنائية”. في هذه القصة، تشير عساف لاستخدامها تقنية recorded delivery، حيث لا تحفظ الممثلة في هذه التقنية نصًا، وإنما تكون وظيفتها سماع صوت الضحية ثم التفاعل معها في الأداء والكلام، بعد أن تردد ما تسمعه وتمثّله.
لذا، كان أساسيًا أن يكون في المسرحية ممثلين رجال يأدون دور “المغتصب”، وهو يروي قصّة جريمته أو يمثّلها، ليسمع المشاهد ويرى رواية الاغتصاب على لسان المُرتكب. وهكذا، لا يقتصر تركيز المشاهد على الناجية من الاغتصاب فحسب، ولا ينسى أنّ هناك “مجرمًا” خلف هذا الاعتداء، ليس فاعلًا غائبًا، وهو الرجل المغتصب. فـ “في غرفة الحمام، حيث نسمع قصّة هدى، استوحيت مشهد الرجل المغتصب الذي كان ينظّف نفسه ويرتّب شكله، لانّها روت في التسجيل كيف ذهبت بعد أن قامباغتصابها إلى الحمام، للاستحمام بالماء الباردة”، تضيف عساف: “ريتاج، نور، ورد، هدى وريهام، هي اسماء وهمية، قامت النساء الناجيات باختيارها لأنفسهن”.

بيد أنّ عساف تعتبر أن الإيجابي في حملة “أبعاد” هو أنها تضيء على “المغتصب”، وليس على “المغتصبة” فقط، كي لا ينسى المشاهد أن هناك رجلًا مسؤولًا عن هذا الفعل.

عناني: المسرحية مستمرة
وفي السياق، تشير مديرة منظمة أبعاد غيدا عناني لموقع “شريكة ولكن”، إلى أنّ حملة “مين الفلتان”، بنيت مكوناتها حول قصص هؤلاء السيدات الناجيات، وكان الهدف هو التطرّق لمختلف الجوانب وأوجه الانتهاك، من خلال البناء حول المعاش الذي قطعوا به. وتقول: “منذ بداية الحملة، وخلال التجربة الاجتماعية التي قمنا بها، كانت القاعدة المشتركة لقصص 7 سيدات، والتجارب التي قطعن بها، مرورًا بردة الفعل المجتمعية تجاه تجاربهن، وصولًا إلى ثقافة (الوصمة) التي يعشنها وجعلتهن يتقوقعن داخل إطار الصمت”.
تعتبر عناني أنّ ثقافة “لوم الضحية” التي ينقسم حولها المجتمع اللبناني، جاءت نتيجة النصوص القانونية غير الواضحة والمبهمة في موضوع إدانة جرم الاغتصاب. و”لو كانت هذه القوانين حاسمة وحازمة وصريحة، ولو كان هناك جرمًا مشدد العقوبة، لما كنّا شهدنا كل هذا الانقسام”.
خطوة التمثيل المسرحي لقصص الناجيات، وفق عناني، ليست منعزلة عن الحملة، وإنما هي نتيجة تراكمية. ومن خلال توفير أدوات للتثقيف والمناصرة، “استطعنا جذب فئات كثيرة، من بينهم المعنيين في صناعة القرار، لتسليط الضوء على البطؤ والاستخفاف في المحاكمات في موضوع جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي”.
ومع بداية عام 2019، تكشف عناني لـ “شريكة ولكن”، عن مشروعٍ قيد الدرس والبحث، وهو أن تتنقل عروض المسرحية حول كافة الأراضي اللبنانية، على أن يتبعها حلقات نقاش مع المشاهدين\ات.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد