
قرار حظر سفر النساء المصريات للعمل بالخارج ..وصاية أبوية باسم الحماية
في مطلع نيسان/أبريل الماضي، أصدرت وزارة العمل المصرية تعليمات جديدة ملزمة لشركات إلحاق العمالة المصرية بالخارج، تقضي بحظر سفر النساء المصريات للعمل في مجموعة من المهن المحددة، وذلك في إطار تنظيم سوق عمل المصريات وضمان توافق فرص العمل المقدمة مع الضوابط المهنية المعمول بها.
ووفقًا لخطاب رسمي وجهته الإدارة العامة لشؤون شركات إلحاق العمالة إلى شعبة شركات إلحاق العمالة، تضمن الحظر الفئات التالية: الأعمال المنزلية ويشمل ذلك جميع الأعمال التي تؤدى داخل منزل صاحب العمل (العمالة المنزلية) أو من في حكمهم، ومنها على سبيل المثال: (رعاية منزلية، طاهية، مديرة منزل، مساعدة شخصية، ممرضة منزلية).
وكذلك ينطبق القرار على أعمال المقاهي والكافيهات: ويشمل الحظر مهن (ساقية، نادل/ويتر، مقدمة مشروبات ومأكولات، عاملة كونتر) وغيرها من المهن المماثلة في الكافيهات.
وأوضحت الوزارة أن هذا القرار جاء بناء على تقارير رصدها مكتب التمثيل العمالي بالرياض، وحرصًا من الوزارة على ضبط وتنظيم سوق العمل بالخارج وضمان حقوق وكرامة العاملات المصريات.
” أن الحماية الفعالة لا تتحقق عبر المنع، بل من خلال بناء منظومة متكاملة للهجرة الآمنة، تقوم على التنظيم، والمساءلة، وضمان الحقوق”..وسام الشريف
قالت رئيسة مؤسسة ” مصريين بلا حدود” وسام الشريف أنه بالرغم من كون القرار يعكس إدراكًا حقيقيًا للمخاطر التي تواجه النساء في بعض أسواق العمل الخارجية، لكنه يظل استجابة جزئية تميل إلى التقييد بدلًا من التمكين.
أضافت وسام لمنصة ” شريكة ولكن” أن الحماية الفعالة لا تتحقق عبر المنع، بل من خلال بناء منظومة متكاملة للهجرة الآمنة، تقوم على التنظيم، والمساءلة، وضمان الحقوق، لافتة: ” الحل ليس إقصاء النساء من سوق العمل، ولكن الأفضل تمكينهن من الوصول إلى فرص آمنة وعادلة، مع معالجة الأسباب الجذرية التي تدفعهن إلى العمل في ظروف محفوفة بالمخاطر.”
أكدت وسام أن قرار وزارة العمل يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى من منطلق الحماية والذي يستند إلى واقع موثق تطالعنا به الصحف والمنصات من حين لآخر حول وجود انتهاكات جسيمة (عنف، استغلال، اتجار بالبشر)، بالإضافة الى ضعف آليات الشكاوى والحماية القانونية في بعض الدول العربية.
View this post on Instagram
أما الزاوية الثانية تنطلق من الوصاية على النساء، بحسب رئيسة مؤسسة ” مصريين بلا حدود”،” فالقرار يستهدف النساء تحديدًا دون الرجال، أي افترض مُسبقًا عدم قدرتهن على اتخاذ قرارهن، واختار صانع القرار التقييد لا العلاج، وأغفل الاطراف والعوامل التي تسببت في الأوضاع الصعبة التي تعاني منها النساء العاملات بالخارج مثل سماسرة التوظيف وضعف الاتفاقيات الثنائية، وغياب الحماية القنصلية الفعالة.”
أكدت وسام أن هذا القرار لن يحمي العاملات كما هو مخطط له، بل سيفتح أبواب خلفية لزيادة الهجرة غير النظامية، ومن ثم تعرض النساء لمزيد من المخاطر بعيدًا عن دوائر القانون.
” هذا القرار هو بمثابة عقوبة اقتصادية مقنعة، لأنه يغلق أبواب الرزق أمام فئات واسعة من النساء اللواتي يعلن أسرهن، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بل يُساهم في تضييق الخيارات الاقتصادية المتاحة للنساء، دون توفير بدائل حقيقية ومُجزية محليًا”، حسبما اختتمت وسام الشريف حديثها لمنصة “شريكة ولكن”
“القرار يتسم بالتمييز الشديد، لإنه يحظر على النساء الحق في العمل والتنقل الذي كفله القانون والدستور”.. د. أمل فرج
ومن جانبها قالت المنسقة العامة لـ “المؤتمر الدائم للمرأة العاملة”، ومديرة البرامج بـ دار الخدمات النقابية والعمالية دكتورة أمل فرج أن القرار يتسم بالتمييز الشديد، لإنه يحظر على النساء الحق الذي كفله القانون والدستور، بحق كل إنسان في العمل، والحركة والتنقل، وحصر الحظر على النساء فقط بينما لم يمنع الرجال من ذات العمل سواء داخل البلاد أو خارجها.
أضافت أمل لمنصة ” شريكة ولكن” أن القرار لم يحافظ على المرأة، ولكنه حجب عليها بعض المهن العادية جدًا والمصرح بها في جميع البلاد، لافتة ” كان يجب على الدولة أن تضع آليات وسياسات حماية تضمن حقوق النساء العاملات سواء في داخل مصر أو خارجها.”
أكدت المنسقة العامة ل”المؤتمر الدائم للمرأة العاملة” على رفض تصنيف بعض المهن باعتبارها “غير لائقة” دون معايير واضحة وشفافة يفتح الباب أمام تفسيرات مجتمعية ضيقة، ويؤدي إلى وصم قطاعات عمل كاملة بدلًا من تطوير بيئة العمل بها وتحسين شروطها.
كما أكدت أن القرار محل البيان يفتقر إلى أساس دستوري سليم، ويتعارض مع المبادئ المستقرة في قضاء المحكمة الدستورية العليا، والتي أرست في العديد من أحكامها، ومنها الطعون أرقام (131 و 35 ( في أواخر التسعينات وبداية عام 2000 “ أن مبدأ المساواة يقتضي عدم التمييز بين المراكز القانونية المتماثلة، وأن أي تفرقة لا تقوم على أسس موضوعية تُعد مخالفة صريحة للدستور.
أشارت دكتورة أمل أن القرار الوزاري قابل للطعن بعدم الدستورية، حيث أنه يتعارض مع نصوص الدستور وكذلك الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر وأصبحت بقوة القانون بل وأعلى من القانون عند مخالفة القوانين الوطنية لها
أما عن تأثير القانون على النساء العاملات في الخارج، قالت المنسقة العامة للمؤتمر الدائم للمرأة العاملة: “القرار سيؤدي إلى حرمان أسر هائلة من العمل والرزق خاصة الأسر التي تعولها نساء، وبالتالي زيادة عدد البطالة الموجودة بالفعل وتقليل فرص النساء في سوق العمل وزيادة أعداد النساء العاملات خارج أي منظومة حماية قانونية أو اجتماعية نظرًا لزيادة توسع العمل في القطاع غير المنظم.”
أكدت دكتورة أمل أن هناك فرق كبير بين الحظر والحماية، لافتة:” الحكومة لجأت للحظر لكى تتخلى عن مسؤولياتها في الحماية وتكلفتها، وكان عليها أن تضع سياسات جادة وقابلة للتنفيذ وعقوبات على شركات تشغيل العمالة سواء بالداخل أو الخارج”
اختتمت المنسقة العامة أن المؤتمر الدائم للمرأة العاملة يعتزم القيام بحملة للمطالبة بإلغاء القرا، لافتة: “سوف نرفع دعوى قضائية بعدم دستورية القرار والطعن عليه.”
“القرار هو خطوة مؤقتة ضمن سياسة أوسع تعيد تنظيم الهجرة على أسس آمنة وقانونية.”..د. أيمن زهري
بينما يختلف مع القرار، الخبير السكاني والمتخصص في دراسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، قائلًا:” القرار هو استجابة واقعية لبنية عمل لا يمكن ضبطها أو حمايتها في سياقها الحالي؛ فالعمالة المنزلية في الخارج تُمارس داخل فضاء خاص مغلق، خارج نطاق التفتيش والرقابة، وفي ظل اختلال واضح في ميزان القوة بين العاملة وصاحب العمل، ما يجعلها من أكثر أنماط العمل عرضة للاستغلال والانتهاك”
أكد زُهرى أن قرار وزارة العمل بحظر سفر المصريات للعمل في بعض المهن بالخارج لا يمكن فصله عن إشكالية ضعف آليات الحماية للعمالة المصرية في الخارج، خاصة في القطاعات التي يصعب مراقبتها.
تابع:” أن هذه الفئات من العمل عندما تقترن بالهجرة، وفي ظل محدودية قدرة الملحقين والمستشارين العماليين على التدخل الفعّال والمتابعة اليومية، وتزايد التقارير الدولية عن أشكال متعددة من الإيذاء الاقتصادي والجسدي والنفسي، يُصبح تقييد عمل هذه الفئة إجراءً وقائيًا مبررًا، حتى وإن كان يحمل كلفة اقتصادية أو يقيّد بعض الفرص الفردية. ”
أكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان إن حجّية هذا القرار لا تكمن في الحظر ذاته، بل في كونه خطوة مؤقتة ضمن سياسة أوسع تعيد تنظيم الهجرة على أسس آمنة وقانونية، لأن ترك الطلب قائمًا دون مسارات شرعية بديلة قد يدفع بالحركة إلى قنوات غير نظامية أكثر خطورة، وهو ما يفرض على الدولة ألا تكتفي بالمنع، بل أن تعيد بناء منظومة الحماية من جذورها.
سألته “شريكة ولكن” ما مصير العاملات في هذه المهن بعد قرار الحظر، قال زهري :”إذا لم اتمكن من حمايتهم فالأفضل منعهن ولو مؤقتا حتى نتمكن من توفير الحماية لهن، يجب على وزارة العمل توفير البديل من خلال التدريب التحويلي.”
ومن جانبه، لفت الخبير السكاني إلى أن فكرة القرار ليست جديدة، وطرحت سابقًا منذ سنوات في عهد الوزيرة السابقة عائشة عبد الهادي، خصوصًا فيما يتعلق ببعض المهن مثل الكوافيرات، موضحًا أن “هذه النوعية من الأعمال تكون الحماية فيها أصعب.”
وأضاف أن “الدولة حين تتدخل بهذا الشكل، فهي تسعى إلى حماية مواطنيها داخل وخارج البلاد، وهو أمر طبيعي”، لكنه شدد على أن “الحديث هنا يرتبط بهجرة عمل في مجالات لا تستطيع الوزارة توفير حماية كافية للعاملين بها.”
ولفت إلى وجود خلل واضح في منظومة المتابعة، قائلًا: “لدينا مشكلة في نظام الحماية، لأن عدد المستشارين والملحقين العماليين لا يتناسب مع أعداد المصريين بالخارج”، موضحًا أن «العدد تقلص من 14 قبل 2011 إلى 9 فقط حاليًا، وهو عدد لا يكفي لمتابعة نحو 6 ملايين مصري في دول الخليج.”
واعتبر زهري أن القرار يعكس حدود القدرة المؤسسية، موضحًا: “الحل المؤقت هو تقليل الأعداد في القطاعات التي لا نستطيع حمايتها”، مضيفًا أن “القرار يتناسب مع قدرات الوزارة وإمكانيات الملحقين العماليين.”
وفيما يتعلق بطبيعة الانتهاكات، أوضح أن “المخالفات تحدث لأن هذه العمالة تعمل داخل المنازل، أي خارج نطاق الرقابة المباشرة»، مشيرًا إلى أن “صعوبة الوصول إلى هذه الحالات تجعل حتى إنفاذ القانون أمرًا معقدًا”. وأضاف: “قد تشمل المخالفات حجز جواز السفر أو تجاوز ساعات العمل، لكن مراقبة ذلك صعبة لأنه يحدث في أماكن مغلقة.”
وشدد زهري على أن “الأمر لا يتعلق بكون هذه المهن مهينة أو غير مهينة، فكل المهن مشروعة”، لكنه أوضح أن “الإشكالية الأساسية هي عدم القدرة على توفير الحماية لهذه الفئة.”
ورأى أن القرار قد يُفسر ظاهريًا على أنه تقييد لحرية النساء، لكنه أوضح أن “ما يحدث هو نوع من سد الذرائع أكثر منه مواجهة مشكلة قائمة بشكل مباشر.”
وفي سياق البدائل، أكد أن “القرار لا يمنع العمل في هذه المهن داخل مصر، بل يقتصر على السفر للعمل بها”، داعيًا إلى “توفير تدريب تحويلي للمتضررات للعمل في قطاعات أخرى، مثل العمل التمريضي داخل المستشفيات بدلًا من العمل المنزلي.”
كما شدد على رفضه للهجرة غير النظامية، قائلًا: “لا أشجع الهجرة غير النظامية سواء للدول العربية أو الأوروبية”، معتبرًا أن هذا المسار يفاقم المخاطر بدلًا من حلها.
واختتم بالتأكيد على أهمية التوازن في الطرح العام، قائلًا: “من المهم وجود الرأي والرأي الآخر، وحتى من الناحية القانونية يجب مراعاة الظروف الاجتماعية والثقافية”.