من هو رجل الأعمال البيدوفيلي المتورّط باغتصاب أطفال في دار أيتام «إشراقة»؟

جريمة اتجار بالبشر مكتملة الأركان في مدينة الشيخ زايد في مصر

أثارت قضية كشف شبكة اتجار بالبشر يقودها رجل أعمال بالتواطؤ مع مدير دار أيتام “إشراقة” في مدينة الشيخ زايد، صدمة وغضبًا واسعين في الشارع المصري، بعد أن نشرت صحف محلية تفاصيل جريمة تُعد من أخطر القضايا التي مست الأطفال/الطفلات داخل منظومة الرعاية الاجتماعية في مصر.

لم تكن القضية حادثة فردية أو واقعة معزولة، بل كشفت نمطًا خطيرًا من الاستغلال القائم على المال والنفوذ، واستهداف الأطفال الأكثر هشاشة داخل مؤسسات يُفترض أنها وُجدت لحمايتهم/ن، لا لتسليمهم/ن إلى المعتدين.

والصادم، أن الدار نفسها سبق أن شهدت وقائع تعذيب للأطفال/ الطفلات عام 2017، وتم تغيير مجلس إدارتها آنذاك، ما أعاد فتح ملف الرقابة على دور الرعاية.

 

كيف خطّط “المتبرع” لجريمته؟

بحسب التحقيقات، اعتاد رجل الأعمال المتهم التردد بشكلٍ منتظم على دار أيتام “إشراقة” بمنطقة الشيخ زايد، متخذًا صفة “المتبرع الدائم”. كان يحضر الملابس، والهواتف المحمولة، والهدايا، ويتعامل بودٍّ ظاهر مع الأطفال/الطفلات والعاملين/ات.

في ظاهر الأمر، بدت الزيارات تعبيرًا عن دعمٍ إنساني، لكن التحقيقات كشفت لاحقًا أن هذا الحضور المنتظم بغطاء العمل الخيري لم يكن سوى جزءًا من خطة مدروسة لاختيار ضحايا من بين الأطفال الأكثر ضعفًا داخل الدار.

استهدف المتهم أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا، اختارهم بعناية، مستغلًا غياب أي أسرة أو شبكة حماية اجتماعية حقيقية لهم.

مدير دار إشراقة شريك في الجريمة

ما يزيد من خطورة القضية أن مدير دار الأيتام كان شريكًا مباشرًا في الجريمة، بحسب ما كشفت التحقيقات.

وأظهرت أن المغتصب ومدير الدار توصّلا إلى اتفاقٍ يقضي بتحرير عقد كفالة مخالف للقانون، يسمح بخروج الأطفال الأربعة من الدار والإقامة مع رجل الأعمال داخل شقته في منطقة مصر الجديدة.

كشفت التحقيقات بعد فحص هاتف المحمول لمدير الدار استلامه تحويلات مالية من رجل الأعمال دون إيصالات.

تم ذلك مقابل أموال وتحويلات مالية غير موثقة، إضافة إلى تبرعات بلغت 300 ألف جنيه لصالح الدار، دون أي سند قانوني يبرر إخراج الأطفال أو نقل وصايتهم، وفي غياب تام لأي رقابة من وزارة التضامن الاجتماعي أو لجان التفتيش.

وقد اعترف المتعتدي أمام النيابة العامة بتحويل أموال إلى مدير دار الأيتام، وبالتبرع بمبلغ 300 ألف جنيه، مقرًّا بأن فكرة استغلال الأطفال كانت حاضرة في ذهنه منذ البداية. فيما كشفت التحقيقات بعد فحص هاتف المحمول لمدير الدار استلامه تحويلات مالية من رجل الأعمال دون إيصالات، بالإضافة إلى أدلة إضافية تثبت تورطه شملت محادثات محفوظة تتضمن أسئلة موجهة للذكاء الاصطناعي حول كيفية الإفلات من جريمة الاتجار بالبشر، واستفسارات حول إعداد عقد كفالة مخالف للقانون.

واعتبرت هذه الأدلة قرائن دامغة على علمه الكامل بالجريمة ومشاركته فيها.

خمسة أشهر من الاحتجاز والاستغلال الجنسي

انكشفت الجريمة عندما لجأ أحد الأطفال إلى الجهات الأمنية، وقدم بلاغًا رسميًا بما يتعرض له هو وزملاؤه.

على الفور، تحركت قوة أمنية إلى شقة المتهم، وتم القبض عليه، مع اصطحاب الأطفال إلى النيابة العامة لسماع أقوالهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

بحسب أقوال الضحايا وتحقيقات النيابة، أقام الأطفال الأربعة داخل شقة رجل الأعمال لمدة خمسة أشهر كاملة. وتحولت الشقة إلى مساحة مغلقة، خارج أي رقابة رسمية، ودون متابعة من الجهات المختصة.

خلال هذه الفترة، تعرض الأطفال لاستغلالٍ جنسيٍّ ممنهج، حيث جرى ابتزازهم ومساومتهم على الطعام والتعليم والمصروف مقابل الخضوع، مع تهديدهم بالطرد والحرمان حال الكشف عما يحدث.

ولم يقتصر الانتهاك على الاعتداء الجسدي، بل استخدم المعتدي أساليب تهديدٍ نفسي ممنهجة شملت التهديد بقطع المصروف، منع التعليم، الطرد من الشقة، والحرمان من العودة إلى دار الأيتام. وكان الأطفال محاصرين بين الخضوع القسري أو مواجهة الشارع بلا مأوى، في ظل علم وتواطؤ مدير الدار.

وأكد تقرير الطب الشرعي تعرض الأطفال الأربعة لاعتداءات جنسية، فيما تبيّن من الكشف الطبي تعرض اثنين منهم للاعتداء الجنسي المباشر. كما أكد الضحايا تعرضهم للتهديد المستمر والاستغلال مقابل الطعام والتعليم والرعاية.

قرارات النيابة العامة

لم تتوقف خيوط القضية عند هذا الحد.

فقد أسفرت التحريات عن وجود شبهة تكوين شبكة للاتجار بالبشر بمنطقة مصر الجديدة، يقودها رجل الأعمال المذكور بالتعاون مع مدير دار الأيتام، مستغلين النزلاء تحت ستار الكفالة والرعاية، مع استمرار فحص أوضاع ضحايا آخرين محتملين.

وأمام خطورة الوقائع، قرّرت النيابة العامة حبس المتهمين 45 يومًا على ذمة التحقيق، وتغيير مجلس إدارة دار الأيتام، ونقل الأطفال الضحايا إلى دور رعاية آمنة. بالإضافة إلى إحالة الواقعة باعتبارها جريمة اتجار بالبشر مكتملة الأركان وفقًا للقانون رقم 64 لسنة 2010.

 

اتهامات بتعذيب 16 طفلًا/ة والاعتداء عليهم جسديًا وجنسيًا في قضية مماثلة “دار إشراقة” عام 2017!

بيان وزارة التضامن الاجتماعي

أكدت وزارة التضامن الاجتماعي أن الواقعة تم اكتشافها خلال زيارة مفاجئة نفذتها لجان الضبطية القضائية، وأن ما حدث يُعد مخالفة جسيمة لكافة القوانين المنظمة لرعاية الأطفال.

وشدد في بيانٍ لها البيان على “عدم التهاون مع أي تجاوز داخل دور الرعاية، وإحالة جميع الموظفين/ات المعنيين/ات بالمتابعة للتحقيق”. كما حثّت على “استمرار التنسيق مع النيابة العامة” مؤكدةً أن “حماية الأطفال/الطفلات حقًا لا يقبل المساومة”.

تاريخ من الانتهاكات.. اعتداءات جنسية منذ 2017

ليست هذه المرة الأولى التي تُثار فيها انتهاكات جسيمة داخل دار “إشراقة”.

ففي آذار/مارس 2017، أمرت نيابة أول أكتوبر بحبس أخصائي اجتماعي ومدير الدار آنذاك، على خلفية اتهامات بتعذيب 16 طفلًا/ة والاعتداء عليهم جسديًا وجنسيًا. وحينها، حُبس مدير الدار والأخصائي الاجتماعي بتهمة تعذيب الأطفال، وقررت وزارة التضامن تغير مجلس إدارة الدار.

وأثبتت التحقيقات حينها وجود آثار تعذيب، سوء معاملة، ومخالفات جسيمة في ظروف الإقامة.

أين الوزارة من الانتهاكات المتكررة في دور الرعاية؟

ليست قضية دار أيتام “إشراقة” واقعة معزولة. ففي كانون الثاني/يناير 2022، أُدين رجل الأعمال محمد الأمين بجرائم اتجار بالبشر واعتداءات جنسية بحق فتيات داخل دور أيتام يمتلكها في بني سويف، وصدر بحقه حكم بالسجن المشدد 3 سنوات قبل وفاته داخل محبسه في 18 كانو الأول/ ديسمبر من نفس العام.

تشترك هذه القضايا في نمط واحد؛ نفوذ ومال، ضعف رقابي، تواطؤ إداري، واستغلال الأطفال تحت غطاء “الرعاية” أو “العمل الخيري”.

ورغم تأكيد وزارة التضامن الاجتماعي تشديد الرقابة والمحاسبة، يكشف تكرار الوقائع عن ثغرات مستمرة في منظومة حماية الأطفال/ الطفلات داخل مؤسسات الرعاية.

تكرار الوقائع يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية الرقابة واستمرارية المساءلة.

فهذه القضية التي تكشف هشاشة منظومة حماية الأطفال/ الطفلات داخل مؤسسات الرعاية ليست جريمة فردية، بل مؤشر على خلل بنيوي يستوجب مراجعة شاملة، ومحاسبة لا تقتصر على الأفراد بل تمتد إلى أنظمة الإشراف والرقابة.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد