
طالبة طب تونسية تواجه خطر السجن 15 عامًا في روسيا وسط اتهامات بالتحيّل
أوقِفت بعد شهر من عملٍ وجدته عبر تلغرام
منذ قرابة عام، تقبع الطالبة التونسية سارة محسني رهن الإيقاف في روسيا في قضية وُصفت بأنها “اقتصادية” بعد أن التحقت بعمل وجدته عبر تطبيق تيليغرام قيل لها إنه قانوني ومرفق بوثائق رسمية.
سارة، شابة متحصلة على شهادة البكالوريا سنة 2023 التحقت بكلية الطب في روسيا شأنها شأن عديد الطلبة الأجانب الذين/ اللواتي يسافرون/ن لاستكمال دراستهم/ن بالخارج. ووفق رواية عائلتها فإنها لم تكن تملك خبرة مهنية سابقة وكانت تبحث عن عمل يساعدها على تغطية مصاريفها بعد أن نصحها أصدقاء بأن العمل إلى جانب الدراسة أمر شائع بين الطلبة هناك.
“خدمة قانونية” تنتهي بإيقاف مفاجئ
بحسب المعطيات التي تحصّلنا عليها من العائلة، التحقت سارة بعمل قُدّم لها على أنه نشاط قانوني وتسلمت وثائق تثبت ذلك. وبعد شهر فقط من مباشرتها العمل تم إيقافها مباشرة من داخل الحرم الجامعي واقتيادها للتحقيق.
تقول العائلة إن الشبكة التي كانت تشغّلها تنشط منذ سنوات، وإن سارة لم تكن سوى حلقة ثانوية بل وتعتبر نفسها “شاهدة رئيسية” في القضية. وتؤكد أنها أدلت بكل المعطيات التي بحوزتها خلال التحقيقات وصرّحت بأنها كانت تتسلّم أموالًا لتسليمها إلى موظف آخر قالت إنه اعترف بدوره بتسلّمه الأموال وأكد أن سارة “لا علاقة لها بالتحيّل”.
ورغم ذلك تم الإفراج عن المتهم الرئيسي في حين بقيت سارة رهن الإيقاف.
ضحايا: “هي ضحية مثلنا”
تفيد العائلة أن المتضررين من عمليات التحيّل حضرا أمام الجهات المختصة، وأكدا أن سارة لم تستولِ على الأموال واعتبراها بدورها ضحية مطالبةً بمحاسبة المتهمين الرئيسيين.
وتؤكد الأسرة أنه “لا يوجد دليل مادي” يثبت تورّطها في عمليات تحيّل وأن نيتها لم تكن إجرامية خاصة وأنها تعاونت مع التحقيق منذ البداية.
اتهامات بطلب رشوة وضغوط للاعتراف
في تطورٍ خطير، تقول العائلة إن مترجمًا أبلغها بوجود طلب رشوة بقيمة 40 ألف دينار تونسي مقابل الإفراج عنها.
ووفق رواية العائلة قيل لها صراحة: “إما دفع المبلغ أو مواجهة حكم قد يصل إلى 15 سنة سجن”.
هذه المعطيات إن ثبتت تطرح تساؤلات جدية حول ظروف التحقيق وضمانات المحاكمة العادلة.
غياب تحرك دبلوماسي فعّال؟
تنتقد العائلة ما اعتبرته “ضعف تدخل من قبل البعثة الدبلوماسية التونسية” في موسكو. وتشير إلى أن القائم بالأعمال في سفارة تونس بموسكو “لم يتبنَّ موقفًا داعمًا واضحًا لبراءة سارة”، فيما لم تصدر عنه تصريحات رسمية.
وبخصوص التحرك الدبلوماسي، تؤكد عائلة سارة أن “القائم بالأعمال في سفارة تونس في موسكو حضر إحدى الجلسات لدى السلطات المحلية، حيث تم سؤاله عن موقف البعثة التونسية وما الذي تطلبه لفائدة الطالبة”.
وتقول الأسرة إنها كانت تنتظر “موقفًا داعمًا أو مطالبة صريحة بالإفراج عنها أو ضمان محاكمة عادلة”، غير أنها تفاجأت بأن الرد كان المطالبة بـ”سجن ملائم”، وهو ما اعتبرته العائلة صادمًا ومخيبًا للآمال.
وتضيف أن الحضور الدبلوماسي اقتصر، حسب العائلة، على زيارات دورية لسارة في مكان إيقافها، دون تسجيل تدخل قانوني فعلي أو ضغط دبلوماسي واضح لفائدة ملفها.
كما أن القائم بالأعمال ينقل “معطيات غير دقيقة إلى رئاسة الجمهورية”، بحسب العائلة، إذ قدّمها بصفتها “متهمة ثابتة بدل التأكيد على قرينة البراءة أو الإشارة إلى الجدل القائم حول الأدلة”.
وفي السياق ذاته، تشير الأسرة إلى أن وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين/ات بالخارج لم تعتمد على تقارير فريق الدفاع الخاص بسارة، بل استندت أساسًا إلى معطيات صادرة عن الجانب الروسي.
وتحمّل العائلة وزارة الخارجية مسؤولية ما تعتبره “ضعف المتابعة الدبلوماسية”، معتبرة أن غياب موقف رسمي داعم أو متابعة قانونية مستقلة ساهم في إطالة أمد إيقاف ابنتها.
بين قرينة البراءة وواجب الحماية
قضية سارة لا تبدو، وفق المعطيات التي قدّمتها عائلتها ومحاميها، مجرّد ملف اقتصادي عابر، بل نموذجًا لطالبة شابة وجدت نفسها في قلب شبكة معقّدة تفوق تجربتها وخبرتها.
لم يتبنَّ موقفًا داعمًا واضحًا لبراءة سارة.
المؤشرات التي قدّمتها الأسرة، من غياب دليل مادي مباشر يثبت استيلاءها على أموال، إلى شهادات بعض المتضررين الذين اعتبروها بدورهم ضحية، كلها عناصر تعزّز فرضية البراءة لا الإدانة.
من هذا المنطلق، لا تطرح القضية سؤال “هل هي متورطة؟” بقدر ما تطرح سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا:
هل تُركت سارة لتكون الحلقة الأضعف في ملف أكبر منها؟
اليوم، وبعد قرابة عام من الإيقاف، تتمسك عائلتها ببراءتها الكاملة، وتطالب بمحاكمة عادلة قائمة على الأدلة لا على الضغوط، وعلى احترام قرينة البراءة التي يفترض أن تظل أساس أي إجراء قضائي.
كما السلطات التونسية ملزمة تحمّل مسؤوليتها في حماية مواطنيها في الخارج، خاصة في القضايا الجزائية الحساسة، عبر متابعة قانونية مستقلة، وضمان الاطلاع على كل معطيات الدفاع، وعدم الاكتفاء بالرواية الرسمية للجهة المقابلة.
قضية سارة لم تعد مجرد ملف قضائي؛ بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بحماية أبنائها خارج الحدود، وضمان حقهم في الدفاع والمحاكمة المنصفة.