
القمع المركّب ضد الكويتيات: دولة وعائلة ومجتمع
أن تكتب امرأة
فتاة شابة، جامعية، تُسحب إلى السجن ثلاث سنوات، لا لأنها سرقت من خزائن الدولة، ولا لأنها ارتكبت جريمة نكراء، بل لأنها كتبت. مجرد كتابة رأي أو فكرة، أو نشر مقالات على حساب وهمي، مجرّد تسجيل موقفٍ قادها إلى السجن.
رسالة الحكومة إلى النساء: “لا تفكرن، لا تكتبن، لا تعترضن.”
أبوها الأبوي، لم ينهار لأن ابنته سُجنت ظلمًا، ولا لأن الدولة تفوّقت على كل دول الجوار بالفساد والبطش، بل لأنه اعتبرها عارًا. لم يقلقه أن الدولة بدأت تكشّر عن أنيابها واستبدادها وبوليسيتها دون حياء، وتلجأ إلى الغسيل الإنساني والدبلوماسي والسياسي لتجميل صورتها والتغطية على انتهاكات، كما هو الحال في عهد صباح الأحمد، بل حقيقة أن ابنته شعرت بوجودها رغم التطبيع مع كل ما يكسر النشاء ويهمشهن ويضعف علاقتهن بأنفسهن. فكتبت، وعبّرت، واعترضت، متجاوزةً السلطة الأبوية التي أقنعتها أن العلم بأمور السياسة أمور أكبر منها. أمورٌ تدنّس النساء.
اعتقال هؤلاء النساء لا يهدف فقط إلى معاقبتهن، بل إلى بعث رسالة واضحة ومخيفة إلى الأخريات: “لا تفكرن، لا تكتبن، لا تعترضن”. هذا القمع لا يمارس فقط من الدولة، بل من العائلة والمجتمع معًا. بيئةٌ متكاملة يخيفها أن تصير النساء قدوة، أو أن تصل كلماتهن إلى نساء أخريات. يخشون أن تتحول كل امرأة إلى صاحبة رأي، وكل مراهقة إلى مشروع مقاومة.

امرأة تدان… ورجل يمجَّد
كان والدها يطأطئ رأسه -كما يشاع- لأنه مخذولٌ ومجروح، فابنته لم تتأثر بالمحاضرات الأبوية التنميطية اليومية، التي نسمعها ونعيشها كنساء عربيات، خليجيات، وبدويات. يشعر بالعار لأنه لم يسيطر عليها، ولم يتمكن من تدجينها بالكامل، إذ أدركت أن لها حقًّا في الاعتراض، ومارسته، فاستخدمت عقلها وأصابعها لكتابة مقالات سياسية. جرمٌ، عار على النساء في المجتمعات البدوية أن يرتكبنه!
يؤلمني أنها أُجبرت على الشعور بالذنب رغم كونها ضحية، وأنها -كغالبيتنا- نشأت في كنف عائلةٍ أبوية تعيّب على النساء الموقف والرأي.
لا شكّ في أن الرجال المعارضين للنظام يتعرّضون للاعتقال أيضًا، لكن سرديتهم في المجتمع تظل مختلفة. الرجل السياسي ينظر إليه كبطل ثائر، حتى وهو خلف القضبان. أما المرأة فعارٌ، وتدان أولًا لأنها امرأة. ذنبها مزدوج؛ التعبير، وتجاوز “قوانين الأنوثة”. واقعٌ تتضاعف معه الرقابة، لأن المجتمع يرى نساءه ملكًا خاصًا، وأي حراك منهن هو تمرد على “الملكية” لا على السلطة. أما الرجل فإن عبّر، مدحه الناس، ووصفوه بـ “الغيور على وطنه”، وإن اعتقل، كتبوا فيه القصائد وأنشدوا الشيلات.
تؤلمني حقيقة أن أباها لم يعتبرها إنسانة تستحقّ حريتها، فتركها تُرمى خلف القضبان. هنا، عرش الحاكم هشّ، كأبي وأبيكِ، وأيّ رجل في ظلاله ما وظيفته سوى حراسة النساء ومراقبتهن.
يؤلمني أنها أُجبرت على الشعور بالذنب رغم كونها ضحية، وأنها -كغالبيتنا- نشأت في كنف عائلةٍ أبوية تعيّب على النساء الموقف والرأي، وتجعل منه إنجازًا لو صدر عن رجل.
View this post on Instagram
غير مرئيات
في الكويت، لا توثَّق الاعتقالات السياسية للنساء. لا اسم، لا صورة، لا بيان، لا محامية، لا منصة حقوقية، ولا “جمعيات نسائية”! هكذا ببساطة، تصبح النساء وكأنهن غير مرئيات حتى وهنّ في قعر السجون. وكأن الدولة، منذ عهد صباح الأحمد، تتّقن فعل كل شيء بوجهين؛ قمع في الداخل، ورحمة وتعقل أمام الكاميرات.
منذ سنوات والكويت تمارس غسيلًا سياسيًا ممنهجًا. تبني المستشفيات والمدارس خارج حدودها، وتتفاخر بـ “دورها الإنساني”، بينما تشتري صمت العالم عن انتهاكات الداخل. فبينما تُمنح الكويت لقب “دولة الإنسانية”، نجدها اليوم تموّل الجزر النائية التي تشير الأخبار إلى أنها قد تكون شريكة في صفقةٍ لبيع البدون، كسانت كيتس مثلًا.
هذا الكرم السياسي الخارجي يغسل وجه النظام أمام الغرب، بينما في الداخل يُسحق البدون، وتُعتقل النساء -سواء منزليًا أو في سجون السلطة-، وتُكمَّم الأفواه، وتُسحب الجنسيات، ويُدفن الصوت النسوي حيًّا.
View this post on Instagram
السجن لا ينتهي
لم تبكِ الشابة حريّتها، ولم تفكر في حياتها الشخصية أو في التبعات المدمّرة لحقها بالتعبير، ولم تعتذر من جلّادها، بل اعتذرت من أبيها. أباها الذي تغيّب عن حمايتها، سواء انتقامًا لسلطته الأبوية، أو انهزامًا أمام السلطة القمعية، فأعطى الشرعية لاعتقالها. اعتذرت من أبيها الذي عيّب عليها رأيها، فاعتبرها عارُ العائلة، لا ضحية الدولة. وفي لحظة انكسارها وقهرها، لم ترفع رأسها نحو السماء لتلعن السجّان، بل انحنت نحو والدها، ذلك السجّان الصغير، الذي يمثل نسخةً مكررةً من القامع الأكبر.
“وطنٌ، كلما صرخَتْ فيهِ أنثى… تواطأَ شيخُ القبيلةِ والضابطُ الغرْبِيُّ والحَجَبُ”.
– مظفّر النوّاب
لم تتحدث عن السجن، بل عن “تدمير” عائلتها، وكأن حريّتها عبء، والكلمات التي كتبتها فضيحة عالمية. لأنها مثلي ومثلكِ، نشأت في بلد ومجتمع يعاقبك على أن تكوني امرأة، أن تكوني حرّة، وأن ترفضي، وتفكّري، وتتكلمي. لو كان رجلًا كتب ما كتبت، لقيل: “رجل شهم”، واجتمع الأقارب للمباركة والتباهي، ونشروا اسمه وصورته الشخصية، وربما كتبوا قصائد باسمه، ونشروها كشيلاتٍ، “يلعبون” عليها جميع رجال القبيلة.
أما هي، فمُدانة بجنسها أولًا، ثم بكلماتها ثانيًا، ثمّ بتجرّؤها على الأبوية ثالثًا. حتى بعد السجن، سيكون هناك سجن آخر ينتظرها: البيت. أبوها، أخوها، ستجد من يحاسبها على أنفاسها، ويتفقد هاتفها، وجيران يبتلعونها بنظراتهم، ونساء يتجنبن الحديث معها أو دعوتها إلى مناسبة، ويهمسن عنها في المجالس.
لا أحد سيلوم النظام الأبوي والحكم الفاسد والحاكم الظالم، النساء دائمًا هنّ الخطايا، لأننا في وطن وصفه مظفر النوّاب:
“وطني… علّقَتْهُ الحكومةُ شنقًا على حبلِ صمتِ الشعوبْ
وطنٌ، كلما صرخَتْ فيهِ أنثى… تواطأَ شيخُ القبيلةِ والضابطُ الغرْبِيُّ والحَجَبُ”.
من العار؟
ربما تقرأين لي بعد خروجك، وربما لا تفعلين، وربما تقرأُ لي الآن امرأةٌ ستتعرض للاعتقال يومًا ما. لذا وجب قول الحقيقة كما أراها، وأستشعرها:
العار ليس أنتِ، بل النظام القضائي الذي ينفّذ أوامر سياسية مستبدة. العار هو إعلام الدولة الذي يصوّرنا كخائنات. والإعلام في دولنا، لا ينجو هو الآخر من القمع، فيُمنع من نشر أخبار كهذه، وإن نشرت، يتجنّب تداوله خشية المساءلة، سواء من الحكومة أو من عائلة المعتقلة ذاتها.
صفحة المجلس في منصة X، على غير عادتها، نشرت ذات مرة خبر اعتقال تلك الطالبة، التي استطاع والدها أن يعذّب ضميرها، ويقنعها بأنها مذنبة، لأنها ببساطة قالت رأيها. لكن لم تمضِ ساعات حتى حُذف المنشور بصمت.
العار هو هذا المجتمع الذي لم يتضامن، لم يغضب. العار هم كل هؤلاء الرجال الذين ما زالوا يكرّسون أنفسهم حرّاسًا علينا، فلا يتحركون إلا حين تكتب امرأة، أما القاتل، والمتحرش، والمغتصب، فهم رجال “فيهم الخير”!
لن أجد في الخاتمة ما يصف هذا الانحطاط السياسي الاجتماعي أفضل من كلمات أحمد مطر:
“ناموا ولا تستفيقوا ما فاز إلا النوامُ
وتستمرُّ المأساةُ…
شعبٌ يصفّقُ للجلادِ، ثم يُصفقُ للضحية”.
كتابة: حسناء الشمّرية
