
النساء في سوريا.. صورٌ بلا صوت
اختزال النساء بصورة: ضحية صامتة
شتاء 2012، حي الزبدية في حلب. امرأةٌ تركض بين الأنقاض، تبحث عن ابنتها. التقطتها الكاميرات لثوانٍ.
في نشرات الأخبار، صارت “أمًّا حزينة”. لا اسم، لا رأي، لا قصة. مجرد مشهدٍ عابر.
في الساحل السوري أيضًا، يتكرر المشهد نفسه. آباء وأمهات يبكون على بناتهن/م في فيديوهات السوشال ميديا، ثم يختفي الصوت، ولا تحقيق، ولا متابعة.
في الرقة، كانت الكاميرات تلتقط وجوهًا مرتجفة، ثم تنتقل سريعًا إلى مشهد قتال.
هذا ما تفعله الحروب بالإعلام: تصادر التفاصيل، وتحول النساء إلى صور بلا صوت. لم يُسأل أحد من هؤلاء النساء إن كنّ يرغبن بالظهور أصلًا. لم تُمنح أيٌّ منهن فرصةً لتروي قصتها كاملة. الحرب أعطت الإعلام ذريعة لاختزال النساء في دور واحد: الضحية الصامتة.
View this post on Instagram
غياب النساء من غرف التحرير
أثناء النزاع السوري، كان تمثيل النساء في غرف الأخبار متدنٍّ بشكلٍ ملحوظ في كثير من المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية.
هذا الغياب يحمل تفسيرًا مباشرًا لموقع النساء في تغطية الحرب: تركيز كبير على المعارك والأرقام العسكرية والتصريحات الذكورية، وتهميش شبه كامل لتداعيات الحرب على النساء والأطفال.
الصحافيات يُمنعن من تغطية اجتماعات المجالس المحلية بحجة أن “المكان ليس آمنًا للنساء”!
كانت الصحافيات السوريات أقدر على الوصول إلى قصص لم يروها غيرهن. كنّ قادرات على دخول الملاجئ، والحديث مع النساء في منازلهن، وفهم التفاصيل اليومية للحرب التي لا تظهر في النشرات العاجلة. لكن كثيرات عملن بصمت، أو تحت أسماء مستعارة خوفًا من التهديد. بعضهن ترك المهنة تمامًا، واللواتي بقين وجدْن أنفسهن مقيدات بتوجيهات تحريرية تطلب “مشاهد مؤثرة” أكثر مما تطلب تحليلًا عميقًا.
في إحدى المؤسسات الإعلامية السورية المستقلة، كانت الصحافيات يُمنعن من تغطية اجتماعات المجالس المحلية بحجة أن “المكان ليس آمنًا للنساء”، بينما كان الزملاء الرجال يغطونها دون مشاكل.
استغلال ألم النساء كمادة درامية
قصص النساء الحزينات، والأرامل المنكوبات، والنازحات المسكينات؛ كلها قوالب جاهزة تقدمها وسائل الإعلام دون أي تحليل.
لم تُسأل هؤلاء النساء يومًا عن رأيهن في مستقبل بلدهن، أو عن دورهن في المجالس المحلية أو المبادرات المجتمعية. لم يُسألن عن حلولهن، بل عن دموعهن فقط.
طلبوا مني مرة أن أحضر امرأة ثكلى لتظهر في التقرير، ولم يطلبوا مني أي تحليل أو مقابلة مع ناشطة سياسية.
ببساطة، كان حضور النساء مطلوبًا كدموعٍ فحسب، سواء في حلب أو إدلب أو الساحل أو درعا. الصورة واحدة، والألم مستغَل.
تذكر إحدى الناشطات السوريات، في محادثة خاصة، كيف أن قناة فضائية طلبت منها تصوير امرأة تبكي على منزلها المدمر، وعندما قالت إن المرأة تريد التحدث عن مبادرتها لإيواء الجيران، طلب منها المخرج: “خلينا بالحالة العاطفية شوي”.
هذا النموذج ليس استثناءً، بل هو القاعدة في تغطية الأزمات. النساء موجودات كخلفية عاطفية، وليس كفاعلات أو محللات.
شهادات من الداخل
أجريت محادثات قصيرة مع صحافيتين سوريتين فضلتا عدم الكشف عن هويتيهما حفاظًا على سلامتهما المهنية.
إحداهما، وكانت تعمل في قناة تلفزيونية معارضة، قالت: “طلبوا مني مرة أن أحضر امرأة ثكلى لتظهر في التقرير، ولم يطلبوا مني أي تحليل أو مقابلة مع ناشطة سياسية. كانوا يريدون مشهدًا حزينًا، مجرد دقيقة بكاء على الهواء. وعندما أحضرت امرأة أرملة كانت تريد الحديث عن عملها في مخيم للاجئين/ات، رفض المخرج الفكرة وقال: هذا ليس تلفزيونًا جيدًا”.
أما الأخرى، وهي محررة في موقع إخباري محلي، فأضافت: “التحرير يحذف أي جملة طويلة للمرأة. أحيانًا أحضر مقابلة كاملة مع ناشطة، فيختصرها المحرر إلى جملة واحدة. وأحيانًا يحذفون رأيها بالكامل، ويُبقون فقط جزء المشاعر. الرجال يُسمح لهم بالتحليل والتعقيد، أما النساء فيُطلب منهن الاختصار والبساطة والعاطفة”.
تحليل لآليات التهميش النساء
بمراجعة نماذج من تغطيات إعلامية سورية وعربية للحرب، يمكن رصد آليات واضحة لتهميش صوت النساء.
أولًا: التهميش بالحذف، أي عدم ظهور النساء أساسًا في الخبر إلا إذا كان الخبر عنها كضحية.
ثانيًا: التهميش بالاختزال، أي اختصار كلامها إلى جملة عاطفية واحدة.
ثالثًا: التهميش بالتحوير، أي تغيير كلامها ليتوافق مع القالب النمطي المطلوب.
تعمل هذه الآليات معًا لتقديم صورة مشوهة عن النساء في الحرب: إما غائبة، أو باكية، أو مختزلة.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة لعام 2021، لم تتجاوز نسبة ظهور النساء كمحللات أو خبيرات في نشرات الأخبار العربية أثناء الأزمات 12%، بينما ظهرن كضحايا في 68% من الحالات. تؤكد هذه الأرقام أن المشكلة بنيوية وليست فردية، وأن تغييرها يتطلب تدخلًا على مستوى السياسات التحريرية، وليس فقط على مستوى تدريب الصحافيات.
المطلوب: تغييرٌ من الداخل
يبدأ تغيير الصورة الإعلامية للنساء في الحروب من غرفة التحرير. يتحقق ذلك بزيادة عدد الصحافيات في المناصب القيادية، ومراجعة أدلة العمل الإعلامي لتنقيح اللغة النمطية، وتدريب المحررين/ات على التعامل مع النساء كفاعلات لا كضحايا فقط.
كذلك، من واجب المؤسسات الإعلامية سؤال النساء عن رأيهن قبل تصويرهن، وترك مساحة كافية لهن للإجابة، ونشر تحليلات النساء لا دموعهن فقط.
الحرب ليست مبرِّرًا لصمت النساء، أو بالأحرى لإسكاتهن، مهما كانت الذرائع. في سوريا، أثبتت نساء كثيرات أنهن قادرات على القيادة والتحليل والعمل الإنساني والسياسي. وحده الإعلام المتثاقل لا يزال يصر على رؤيتهن كدموع عابرة.
التغيير ممكن، لكنه يحتاج إلى قرار مهني واعٍ.
آن الأوان لكسر هذا الصمت.
كتابة: إيمان عبيد