“القتل والتشهير”.. عراقيات يدفعن ثمن كشف التحرش والعنف الجنسي

تواجه ناشطات ونساء في العراق تهديدات بالقتل والتشهير الإلكتروني، بالتزامن مع صعوبات في الإبلاغ عن حوادث التحرش والعنف الجنسي وملاحقة المتهمين قضائيًا، وفقًا لشهادات وثّقها تقرير خاص لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

وسلط التقرير الضوء على معاناة ناشطات يعملن على توثيق شهادات النساء ونشر مقاطع مصورة لحوادث تحرش واعتداءات، إلى جانب تجارب ناجيات يواجهن مسارات قضائية طويلة ومعقدة، في ظل الخوف من الوصمة الاجتماعية وغياب الدعم الأسري والمادي.

وتحدثت الناشطة النسوية العراقية سارة جاسم عن استخدامها حسابها على منصة “إنستغرام” لنشر مقاطع ترسلها نساء يوثّقن تعرضهن للتحرش والاعتداءات الجنسية، معتبرة أن التصوير يمكن أن يسهم في كشف مرتكبي هذه الأفعال وتوفير أدلة قد تستعين بها الناجيات أمام القضاء.

وقالت جاسم، خلال حديثها إلى “بي بي سي”، إن “الكاميرا هي السلاح”، مشيرة إلى أن قرارها إتاحة منصتها للنساء لمشاركة تجاربهن عرّضها لتهديدات بالقتل وتشويه الوجه باستخدام المياه الحارقة، فضلًا عن حملات تشهير إلكتروني تضمنت صورًا مفبركة.

وأضافت أن حياتها أصبحت أكثر تقييدًا، وأنها لم تعد تغادر منزلها إلا في أضيق الحدود، معتبرة أن هذه التهديدات ترتبط بتشجيعها النساء على التوثيق والتحدث عن تجاربهن في مجتمع تتعرض فيه النساء لضغوط تدفعهن إلى الصمت.

وطالبت جاسم بإقرار قانون رادع للتحرش يحمي النساء، موضحة أن قانون العقوبات العراقي لا يستخدم لفظ “التحرش” صراحة، وإنما يتضمن نصوصًا تستخدم تعبيرات مثل “التعرض لأنثى” أو “ارتكاب فعل فاضح أو مخل بالحياء”.

ناجيات يواجهن مسارات قضائية طويلة

وتناول التقرير معاناة نساء عراقيات يواجهن صعوبات في الحصول على العدالة، في ظل تعقيدات التقاضي ومخاوف الإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية، سواء بسبب الوصمة الاجتماعية أو الخشية من ردود فعل الأسرة أو التعرض لمضايقات داخل المؤسسات الأمنية.

ومن بين هذه الحالات، “أمل”، اسم مستعار،اتهمت زوجها السابق باغتصاب ابنتهما القاصر عدة مرات تحت تهديد السلاح، قبل نحو خمس سنوات. ولا تزال القضية، وفقًا لشهادتها، مفتوحة من دون صدور حكم قضائي نهائي، فيما فرّ المتهم.

وقالت أمل إن ابنتها أخبرتها بأن والدها هددها بالقتل لمنعها من طلب المساعدة، ونقلت عنها قوله: “إذا قتلتك فلن يسمعك أحد”.

وأضافت أن ابنتها تعرضت لإيذاء جسدي خلال الاعتداءات، مشيرة إلى امتلاكها وثائق طبية تتعلق بفحص الحمض النووي، قالت إنها تدعم روايتها بشأن ما تعرضت له الفتاة.

وبحسب شهادة أمل، تصاعدت مخاوفها بعدما سمعت زوجها السابق يتحدث مع أحد أفراد أسرته عن “غسل عار الفتاة” إذا ألقي القبض عليه، وهو ما اعتبرته تهديدًا لحياة ابنتها بهدف منع ظهور نتائج الفحوص الطبية.

وقالت أمل إنها خاضت المعركة القانونية بمفردها، في ظل عدم قدرتها على تحمل تكاليف توكيل محامٍ، بينما استعان زوجها السابق بفريق قانوني، مضيفة أنها لم تتلقَّ دعمًا ماديًا أو معنويًا من أسرتها.

وأعربت عن يأسها من طول الإجراءات، قائلة إن مطلبها الأساسي أصبح أن يبتعد زوجها السابق عنها وعن ابنتها.

وأشار التقرير إلى أن بعض الناجيات من العنف الجنسي داخل الأسرة يفتقرن إلى الدخل المستقل والمأوى البديل، في ظل محدودية الملاجئ المخصصة للنساء المعنَّفات في العراق، ما يضاعف صعوبة مغادرة البيئات التي يتعرضن فيها للعنف.

مقتل ينار محمد يفاقم مخاوف الناشطات

وتطرق التقرير إلى مقتل الناشطة النسوية العراقية ينار محمد، التي شاركت في تأسيس منظمة حقوقية معنية بدعم النساء، بعدما قُتلت في هجوم مسلح أمام منزلها في بغداد خلال مارس/آذار الماضي، وفقًا لما أورده التقرير، الذي أشار إلى عدم العثور على مرتكبي الهجوم حتى وقت إعداده.

وأشار خبراء/ات في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، نيسان/أبريل الماضي، إلى تعرض ينار لتهديدات بالقتل وملاحقات إلكترونية قالوا إنها جاءت “انتقامًا من عملها”، مرجحين ارتباط هذه المضايقات بميليشيا دينية متطرفة في العراق.

كما نقل التقرير عن الناشطة الحقوقية هناء إدوار، التي التقت محمد قبل يومين من مقتلها، مخاوفها بشأن تراجع أوضاع النساء، قائلة: “لا قانون، لا حماية، لا عدالة للنساء في العراق”.

وفي السياق ذاته، قال مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، مصطفى سعدون، لـ”بي بي سي”، إن المشكلة لا تكمن في صمت النساء وحده، بل في محدودية استماع المؤسسات إليهن عندما يتقدمن بشكاوى.

وأوضح سعدون أن المرأة التي تبلغ عن تعرضها للعنف الجنسي قد تضطر إلى مواجهة ضغوط الأسرة، ثم إجراءات مركز الشرطة، وصولًا إلى المحكمة، مشيرًا إلى أن بعض النساء يُطلب منهن تسوية الأمر بهدوء في مراحل مختلفة من هذه الرحلة.

اتهامات بالتقصير في التعامل مع التحرش

وعرض التقرير شهادات لنساء تعرضن للتحرش في الأماكن العامة، من بينهن شابة تدعي “سميرة”، اسم مستعار، قالت إن تكرار هذه الحوادث جعلها تشعر بالخوف والتوتر أثناء السير في الشارع واستخدام وسائل المواصلات.

وروت سميرة أن رجلًا مسنًا عرض أمامها مقطعًا إباحيًا على هاتفه في وسائل النقل العام، كما تحدثت عن تعرضها للملاحقة بسيارة لأكثر من عشر دقائق.

وأضافت أنها حاولت الإبلاغ عن الملاحقة عندما شاهدت دورية أمنية، لكن الضابط، بحسب روايتها، أخبرها بأن الأمر لا يدخل ضمن اختصاصه.

وأشارت إلى أنها تتجنب إخبار أسرتها بما تتعرض له خشية أن يكون رد الفعل مطالبتها بعدم مغادرة المنزل، معتبرة أن بعض الرجال، بمن فيهم رجال أمن، لا يتعاملون مع التحرش باعتباره انتهاكًا يستوجب المساءلة.

وردًا على اتهامات بشأن تورط بعض رجال الأمن في حوادث تحرش، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، مقداد ميري، إن هذه الحالات “محدودة للغاية”، مضيفًا أن الوزارة تفرض رقابة صارمة على هذه المسألة، وأن العقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات والفصل من الخدمة.

وعندما أُبلغ ميري بشهادة سميرة بشأن رفض أحد الضباط التعامل مع واقعة الملاحقة، قال إنها كان بإمكانها تقديم شكوى ضده.

كما اعتبر أن اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق حوادث التحرش أصبح وسيلة لجذب الانتباه إلى مختلف القضايا، نظرًا إلى سهولة استخدامها وسرعة انتشار المحتوى عبرها.

مطالب بتعزيز الحماية القانونية

وفي أيار/مايو الماضي، أوصت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة “سيداو” السلطات العراقية بإلغاء تشريعات وصفتها بالتمييزية، من بينها الأحكام التي تعفي المغتصب من العقاب إذا تزوج الضحية، وتلك التي تخفف العقوبة في جرائم القتل المرتكبة تحت مسمى “جرائم الشرف”، وفقًا لما أورده التقرير.

وتعكس الشهادات التي وثّقها التقرير، بحسب أصحابها، تداخل عدة عوامل تعرقل حصول النساء على الحماية والعدالة، من بينها الخوف من الوصمة الاجتماعية، والضغوط الأسرية، وصعوبات التقاضي، ومحدودية الملاجئ، والتهديدات التي تواجه الناشطات المدافعات عن حقوق النساء.

ورغم المخاطر، أكدت سارة جاسم وهناء إدوار استمرارهما في العمل، إذ قالت جاسم: “إذا أصبح الكل خائفًا، فلن نغير شيئًا”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد