في ظل انعدام الفوط الصحية وشح المياه في غزة.. الحرب لا توقِف الحيض

في أوقات الحروب والنزاعات، تظل احتياجات النساء الصحية، خاصة أوقات الحيض، قائمة لا بديلٍ عن توفيرها، ولا مساومةٍ عليها. لكن أهوال الحرب تعصف بالجميع، حتى أن البدائل والمساومة نفسيهما، باتا غير متاحين. هذه الأهوال تتقاطع مع عوامل أخرى، تجعل الحرب والنزوح أصعب على فئاتٍ بعينها، وخصوصًا النساء.

فالنساء تدفع ضرائب الحرب أضعافًا، ويختبرن ويلاتها بشكلٍ يصعب فصله عن بيولوجية أجسادهن وهوياتهن الاجتماعية. لذا، فالحديث عن الصحة الجنسية والإنجابية وقت الحرب، لم يكن ولن يكون أبدًا ترفًا للنساء والفتيات. على النقيض، تُضفي الحرب ويلاتها، وتُنسى النساء واحتياجاتهن. 

حتى المساعدات الإنسانية والإتفاقيات الدولية، تنسى أن للنساء وصحتهن الجنسية والإنجابية ظروفًا استثنائية في الحروب. من هنا، يُركز هذا النص على احتياج النساء النازحات في غزة، واللواتي لم ينزحن بعد، إلى مستلزمات الحيض، في ظل ظروفٍ لا إنسانية يعشنها مع الجميع، وتؤثر عليهن على وجه الخصوص.

الحيض ليس ترفًا

بعد العدوان الأخير على القطاع، عشرات الآلاف من النساء في غزة يعانين أثناء فترات الحيض والنفاس، وما يصاحبهما من آلامٍ نفسية وجسدية. معاناة صامتة تخشى وتخجل غالبيتهن من الإشارة إليها أو الحديث عنها.

ففي ظل المجازر البشعة التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق شعب غزة، قد ينظر البعض إلى احتياجهن الصحي والإنساني هذا على أنه ترف أو رفاهية.

“هناك نساء لم تتح لهن الفرصة للاستحمام منذ بداية الحرب”. “نسحب السيفون مرة واحدة في اليوم، لا يوجد مياه وهذا كل ما بوسعنا”. “أبحث عن فوط صحية لابنتي منذ يومين ولا أجد”. “نستخدم ملابس مهترئة وبالية في فترة الحيض، بسبب انعدام الفوط الصحية في السوق”. “بعض النساء في مراكز الإيواء أصبن بنزيف مهبلي، نتيجة انعدام النظافة واستخدام بدائل غير آمنة”.

هذه مقتبسات من نساء كثيرات نزحن إلى مراكز الإيواء، أو لدى أقاربهن في مناطق مختلفة من قطاع غزة بعد العدوان الصهيوني الأخير. 

ورغم كون الحرب مستمرة منذ 65 يومًا، إلا أن النساء في غزة خرجن منذ أيامٍ فقط عن صمتهن للحديث بصوت عالٍ عن احتياجاتهن كنساء. فهن يعشن آلامًا مضاعفة بسبب ويلات الحرب تارة، وبسبب بيولوجية أجسادهن تارة أخرى.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Sharika WaLaken (@sharikawalaken)

في الحروب.. الأولوية ليست للحيض

في ذات الوقت، هذه الاحتياجات لا يُنظر لها بعين الاعتبار حتى من قبل الجهات التي ترسل المساعدات إلى غزة. بالنسبة للمساعدات الإنسانية، الأولوية لعلب الفول والحمص “على ضرورتها” في حين أن النساء ينمن على أنين أجسادهن، ويستيقظن على بكاء طفلاتهن/أطفالهن الجوعى. ففي حرب غزة، كما كل الحروب التي عاشها العالم عبر التاريخ، معاناة النساء مضاعفة، وفاتورة الحرب غالبًا ما تدفعها النساء من أجسادهن.

من مدينة خانيونس، قابلنا سمر ماضي التي تبحث عن فوط صحية لابنتها منذ يومين. تقول: “مهما تحدثت عن المعاناة التي تعيشها النساء في مراكز الإيواء، لا استطيع الوصف، بدءًا من انعدام المياه التي نحتاجها ليس فقط من أجل الشرب. بل من أجل توفير أبسط مقومات العيش وممارسة الحياة الإنسانية، من المرحاض إلى غسيل الملابس والاستحمام وكل ما يتعلق بالنظافة الشخصية.

وفي ظل انعدام المستلزمات الصحية من الفوط اليومية والصحية وورق التواليت والصابون وغيرها، يصبح الوضع كارثيًا بمعنى الكلمة.”

وتابعت، “الوضع في مراكز الإيواء مزرٍ. الأوساخ في كل مكان، والروائح الكريهة تنبعث من المراحيض، بسبب عدم تنظيفها والضغط الكبير عليها. وكل ذلك يشكل بيئة خصبة للأمراض، ويشعرنا بانعدام الأمان أكثر وأكثر، في ظل قصفٍ لا يهدأ.”

بين 170 صحافية، أكثر من 90% أكدن أنهن بحاجة مستلزمات الحيض والعناية الشخصية، من فوط وصابون وورق تواليت وغيرها.

خصوصية معدومة وأمراض تفتك بالنازحات/ين

وتحدثت سمر عن انعدام الخصوصية للنساء في مراكز الإيواء. حيث أشارت إلى أن “بعضهن لا يستطعن تبديل ملابسهن الداخلية لمدة أسبوعين متواصلين. وذلك بسبب أعداد الناس الهائلة، وتواجد عدد كبير من العائلات في نفس الغرفة الصفية، وهو ما يجعل سبل الحياة معدومة. حتى النوم في غزة، أصبح حلمًا”.

 وأكدت أن “هناك نساء منذ بداية الحرب لم يحظين بفرصة الاستحمام ولو لمرة واحدة، نتيجة تواجدهن في مراكز الإيواء. معظم تلك النساء مررن بدورتين شهريتين على الأقل حتى الآن، ولم يستطعن الاستحمام أثناء أو بعد الحيض”. ثم تساءلت عن المخاطر الصحية التي قد تترتب على ذلك.

نقلنا هذا التساؤل إلى د. ميرا مبيض، أخصائية نسائية وتوليد وعقم من المركز الإيطالي للإخصاب في مدينة رام الله. إذ أكدت أن “تأخير الاستحمام بعد الحيض يسبب نمو البكتيريا والفطريات، ويشكل فرصًا لحدوث التهيجات والحكة والإلتهابات المهبلية”.

كما بيّنت أنه “لتجنب الإصابة بالأمراض الجلدية والبكتيريا، يجب تبديل الفوط الصحية مرة كل 4 إلى 6 ساعات على الأكثر أثناء الحيض”.  

وأوضحت أن “استعمال فوط خشنة أو غير نظيفة يسبب التهاباتٍ في المهبل وقد تدخل تجويف الرحم”. وهو ما حدث بالفعل مع العديد من النساء في مراكز الإيواء.

بدائل غير آمنة لأوقات الحيض

إزاء هذه الأزمة، أوضحت سمر ماضي أن “النازحات في مراكز الإيواء أصبحن يستخدمن أقمشة وشرائط مهترئة وخشنة وغير قطنية”. لكن ذلك “أدى إلى الإلتهابات، والنزيف المهبلي في بعض الأحيان، في ظل عدم توافر العلاج وشح الأدوية”.

وأوضحت أنه “منذ أسبوعين فقط بدأت تظهر أزمة انتهاء الفوط الصحية من الأسواق. فقبل ذلك كانت النساء تستخدم ما توفر لديها من قبل الحرب، وما يتوفر في السوق من أنواع رغم رداءتها. ولكن مع استمرار الحرب وزيادة عدد النازحين والنازحات اللواتي تركن خلفهن كل شيء حتى أوراقهن الثبوتية ومصاغهن هربًا من القصف، بدأت الأزمة تظهر جليًا”.

بدأت النساء تسأل على مواقع التواصل الاجتماعي عن أماكن تبيع فوط صحية في غزة، وتناشد في نفس الوقت بإرسال فوط صحية للنساء عبر قوافل المساعدات التي تدخل القطاع.

ما أثار غضب الكثير من النساء والمؤسسات الفلسطينية والعربية على وجه العموم، هو استهزاء إحدى الصحافيات المصريات بإمرأة غزية طالبت بالفوط الصحية النسائية على العلن. فتداولت الكثير من الناشطات الفلسطينيات والعربيات على صفحاتهن هاشاغ #ليست_رفاهية، للتعبير عن غضبهن مما آلت إليه الحرب بحق النساء في غزة.

“في ظل انعدام المستلزمات الصحية من الفوط اليومية والصحية وورق التواليت والصابون وغيرها، يصبح الوضع كارثيًا بمعنى الكلمة.”

نقضي يومنا في طوابير

منذ أكثر من 50 يومًا، نزحت الشابة سجود أبو حسنين 28 عامًا مع عائلتها إلى مركز إيواء كلية تدريب خانيونس.

تقول: “نحن لا نعرف كيف ننام وكيف نستيقظ، لأننا نقضي يومنا كله في طوابير. طابور لاستخدام الحمام يستغرق منّا ساعاتٍ، وطابور للحصول على الخبز، وطابور آخر إذا مرضنا ونريد أن يرانا الطبيب”.

وبينت أبو حسنين أن “هناك العديد من الأمراض المنتشرة في مراكز الإيواء، منها الجرب والقمل والالتهابات الفطرية، والنزلات المعوية، والإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي. كل هذا نتيجة البيئة الملوثة وغير الصحية التي يعيش بها النازحات/ون”.

وناشدت أبو حسنين بوقف الحرب، “من أجل العودة إلى بيوتهن/م ومحاولة لملمة جراحهن/م، والبدء من جديد لمواصلة أحلامهن/م ومستقبلهن/م”.

الاستغلال التجاري يضاعف حدة الأزمة

المهندسة خلود السوالمة مديرة المشاريع في مركز التنمية والإعلام المجتمعي في غزة، وإحدى النازحات إلى منطقة رفح جنوبي غزة، تقول حول هذا الموضوع: “هناك انعدام تام للمستلزمات الصحية للنساء في غزة حاليًا، وخصوصًا الفوط الصحية وورق التواليت. وإذا توفرت تتوفر بثلاثة أضعاف السعر الأصلي. ففي الوضع الطبيعي، تتكلف علبة الفوط الصحية الواحدة 2 دولار بحدٍ أقصى، في حين أن سعرها الآن، إن توفرت، يصل إلى 6 دولارات”.

تقول: “أنا نازحة في بيت شقيقتي في رفح، ولكن هناك مئات آلاف النازحات الغزيات في مراكز الإيواء. هؤلاء معاناتهن مضاعفة. فإذا كنت أستطيع الاستحمام مرة كل أسبوع إلى عشرة أيام، فإن فرصة النساء في مراكز الإيواء لتغسل النصف السفلي من أجسادهن، هي كل ثلاثة أسابيع مرة واحدة”. تشي خلود إلى أن فرصة الاستحمام بشكلٍ كامل معدومة تمامًا في مراكز الإيواء. وتؤكد أن هناك نساء لم تستحم بالمطلق منذ شهرين.

 

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Sharika WaLaken (@sharikawalaken)

الأزمة لم تكن واضحة في الشهر الأول

يوم 13 تشرين الأول/ أكتوبر، نزحت المواطنة ش.خ من مدينة غزة، تحت كثافة الأحزمة النارية والقصف العشوائي إلى مدينة رفح جنوب القطاع، وتحديدًا إلى بيت أحد الأقارب.

تقول: “خرجنا تحت تهديد التهجير القسري، وحملت معي ما كان متوفرًا لدي من مستلزمات صحية مثل فوط صحية ومسكنات، ومستلزمات نظافة مثل ورق تواليت، ومعجون أسنان وصابون وغيرها”. 

الأزمة في بدايتها لم تكن واضحة، وكانت الكثير من المنتجات متوفرة في الأسواق. توضّح كيف “بدأت تظهر الأزمة بعد انقضاء الشهر الأول. إذ تزايد أعداد النازحات/ين إلى مدينة رفح على وجه الخصوص، التي يتواجد فيها حاليًا غالبية سكان القطاع”. لتضيف: “أحاول منذ أيام الحصول على فوط صحية أو ورق تواليت ولكن لا يوجد نهائيًّا في الأسواق”.

تؤكد ش.خ أن وضعها أفضل من أوضاع النازحين والنازحات في مراكز الإيواء، من حيث مستوى النظافة المتوفر في المكان المتواجدة فيه. إلا أنها أصيبت بنزلاتٍ معوية. تقول: “نحن نعرف السبب. السبب هو الماء الذي نشربه، لأن الماء غير نظيف أبدًا، إلى جانب انعدام النظافة في البيئة بشكلٍ عام”.

وتضيف: “البدائل غير مناسبة ولكن هذه هي محاولاتنا لنخفف من حدة الأزمة. على الأقل، بإمكاني الذهاب إلى التواليت متى شئت، وهذا بحد ذاته النساء في مراكز الإيواء محرومة منه. فكل واحدة منهن تصطف في طوابير طويلة من أجل استعمال المرحاض”.

ولكننا أيضًا نضطر لفتح “سيفون المرحاض مرة واحدة فقط آخر النهار بسبب شح المياه. وهذا يسبب مشاكل صحية، ونعرف أنه ليس أفضل الخيارات، ولكننا مجبرات/ون على ذلك”.

أمل بريكة، إحدى النساء الغزيات اللواتي لم ينزحن بعد، أكدت هي الأخرى معاناتها، جراء عدم توفر المستلزمات الصحية. خصّت بحديثها مستلزمات الحيض، مشيرة أن “هذا يدفعهن إلى استخدام بدائل قد تكون غير صحية”. مؤكدةً أن ذلك “قد يفاقم الآلام الجسدية والنفسية التي تعاني منها النساء في فترة الحيض. فالأزمة تشمل كافة النساء في غزة، وليس النازحات فحسب”.

90% يحتجن مستلزمات الحيض

مؤسسة “فلسطينيات” التي أنشأت عام 2005، لتكون حاضنة للإعلاميات الفلسطينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة، أجرت استطلاعًا مع 170 صحافية نازحة في قطاع غزة.

تصرّح المنسقة الإدارية لمؤسسة فلسطينيات، سندس فقيه، أن “الاستطلاع شمل أسئلة عديدة ومتنوعة، من أجل معرفة احتياجات الصحافيات، ومحاولة تحديد أولويات الدعم الذي ستقدمه لهن المؤسسة”.

من بين 170 صحافية، أكثر من 90% أكدن أنهن بحاجة مستلزمات الحيض والعناية الشخصية، من فوط وصابون وورق تواليت وغيرها.

تؤكد فيه أن مؤسسة “فلسطينيات” تبذل قصارى جهدها، من أجل توفير احتياجات الصحافيات، رغم شح الإمكانيات والموارد المتاحة.

أجرينا بحثًا معمقًا لمعرفة الحقوق التي ضمنتها المواثيق والأعراف الدولية للنساء في زمن الحروب. فوجدنا أن ضمان الوصول العادل إلى المستلزمات الصحية الخاصة للنساء، لم يتم التطرق إليه بشكلٍ خاص. ربما غاب عن واضعي القوانين الدولية أن الإجرام الإسرائيلي الذي يحتفظ بحصّته من الغطاءات الدولية،  سيفضحه نهج الإبادة المستمر كما سيفضح معه تغييب مشرّعي القوانين الدولية لحقوق النساء في الحروب من دساتيرها.

تقرير: وفاء عاروري – صحافية فلسطينية

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد