مفارقة العدالة في السودان: أرواح الأبرياء تحت ”قبة” الإخفاء

بينما تلوح في الأفق بشارات خافتة لنهاية الحرب في السودان، ويتجه ملايين النازحين/ت واللاجئين/ت للعودة اختيارًا واضطرارًا، تنبئ الوقائع عن مؤشرات لسلام نخب هش. فبدلًا عن إرساء مبادئ العدالة الانتقالية التي تضمن محاسبة الجناة وجبر ضرر الضحايا، يُستقبل الجناة بالأحضان والهدايا، بينما يُتهم المواطنون/ت العزل وحتى النساء والأطفال بتهم الخيانة وإثارة الحرب ضد الدولة والتعاون مع قوات الدعم السريع.

مشهد انتقال أحد قادة حروب السودان من معسكر التمرد إلى معسكر السلطة ليس مشهدًا جديدًا، فعدد كبير من قيادات “التمرد” هم الآن في قلب السلطة في مناطق سيطرة الجيش وحتى في مناطق سيطرة الدعم السريع.

“سوف تنتهي الحرب ويتصافح القادة… لا أعلم من باع الوطن لكنني رأيت من دفع الثمن”.


لم يبدأ الأمر بانشقاق القائد أبو عاقلة محمد كيكل ولن ينتهي بالنور قبة ولا السافنا، وبعد كل حدث مشابه تشتعل الميديا بالنقاشات والانقسامات.

حيث يرى البعض أن القوات المسلحة أدرى بما يصب في المصلحة العامة، بينما اتجه آخرون إلى إعادة تداول صور الشهداء والضحايا لتُبعَث على ألسنة السودانيين/ت مقولة محمود درويش “سوف تنتهي الحرب ويتصافح القادة… لا أعلم من باع الوطن لكنني رأيت من دفع الثمن”.

والجدير بالذكر أنه حين استعادت القوات المسلحة السيطرة على الخرطوم مثلًا سجلت حالات إعدام ميدانية لمدنيين/ات عزل اشتبه بتعاونهم/ن مع الدعم السريع، إلى جانب صدور أحكام بالإعدام بحق مدنيين/ات على خلفية ذات الاتهام “التعاون مع الدعم السريع”، ما فُسّر على أنه “كيل بمكيالين”.

تحت واقع عسكرة الحياة التي تكتسب مشروعيتها من الحرب، لا تتساوى الأرواح بل تخضع للمفاضلة والمساومة وفقًا للمصالح. فتتجاوز المصالح كون المنشقّ مجرم، لتلتفت فقط إلى قيمته في سوق الحرب. فهو يمتلك كتيبة ويعتبر مصدرًا للمعلومات ويمكن توظيفه كبروباغندا لكسر الروح المعنوية للخصم، وفي المقابل يواجه المدنيون العزل ”عمال اليومية” الذين تقطعت بهم السبل في مناطق النزاع اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام مدفوعة بحملات إعلامية منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي تمارس التحريض ضدهم بحجج مثل ”بقائهم في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع ”، وتصوريهم على أنهم حاضنة اجتماعية لها وليسوا مجرد مواطنين تمت السيطرة على مناطقهم وحيواتهم.

النساء يدفعن فاتورة السلام الهش في السودان

المواطنات والمواطنون من الفئات الأضعف دائمًا ما يدفعون الثمن لا لأنهم/ن أذنبوا/ن  بل لضرورة وجود مذنب.

من بائعات الشاي إلى متهمات بالتعاون!

في الخرطوم مثلًا، والتي كانت تضم ما يقارب 100 ألف سيدة تبيع الشاي على أرصفة المدينة يُعتبرن من الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، استمر استهدافهن منذ الحرب وانطلقت حملات إعلامية انتشرت على نطاق واسع ترفض وجودهن حتى كنازحات وتتهمهن بالتعاون مع الدعم السريع.

تشكل النساء بشكلٍ عام الحلقة الأضعف والأسهل لإظهار الحضور الأمني اليقظ وإثبات الجدارة، على غرار الفيديو الصادم الذي انتشر بعد دخول القوات المسلحة لولاية الجزيرة، والذي ظهر فيه أفراد عسكريون وهم يقتحمون منزلاً ويعتدون على امرأة بالضرب والتهديد داخل بيتها، كما قاموا بتصويرها رغم أنها كانت ترتدي “ملابس المنزل” وكانوا أثناء الاعتداء عليها يرددون أنها كانت تعطي الماء لعناصر الدعم السريع! وكأن تقديم الماء لمقاتل مسلح خيار يمكنها رفضه.

السلطة القضائية والنيابية في السودان أصبحت “مخلب قط” لتنفيذ توجيهات السلطة السياسية.

ذكرت “هيومن رايتس ووتش”  أن القوات الأمنية والعسكرية المرتبطة بـ”القوات المسلحة السودانية” أقدمت على الاحتجاز التعسفي بحق المدنيين/ات وتعذيبهم/ن وإساءة معاملتهم/ن بطرق أخرى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وحرمتهم/ن من حقوقهم/ن في محاكمة عادلة.

وتتابع: هربت امرأة عمرها 35 عامًا وشقيقاها إلى بورتسودان من ولاية الجزيرة، التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع في أواخر فبراير/شباط 2024. احتجزهم/ن عناصر الخلية الأمنية في بورتسودان، متهمين إياهم/ن بالتعاون مع العدو.

قالت المرأة: “ضُربتُ في كل مكان، رغم توسلاتي بأنني مصابة بمرض السكري. استمروا بضربي وصفعي بأيديهم والعصي والسياط وإهانتي. شعرت بإهانة شديدة، وكأنني لم أعد إنسانة. ضربوني حتى تبرزت على نفسي دون إرادتي”.

أُُفرج عن المرأة بعد أسبوع، دون توجيه تهمة إليها، وهربت من البلاد.

تتعرض النساء الى الاعتقال وفق إجراءات غير سليمة قانونيًّا، كما أصدرت العديد من أحكام الاعدام بحقهن، أُسقطت بعضعها لاحقًا بسبب ضعف الأدلة، ولا تزال بعضها قائمة.

نقلًا عن صحيفة التغيير يقول الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعز حضرة: “أن السلطة القضائية والنيابية في السودان أصبحت ‘مخلب قط’ لتنفيذ توجيهات السلطة السياسية، لافتًا إلى أن مثل هذه المحاكمات تُرسل رسائل سالبة بأنه لا يُوجد قضاء عادل ومحايد في السودان، وقال أيضًا: ‘لا يمكن محاكمة امرأة بالإعدام لوجود صور أو محادثة على هاتفها فقط’.”

استهداف غرف الطوارئ و”التكايا” بتهمة “التعاون مع العدو”

الجانب الأشد قتامة يظهر عندما يتحول العمل الإنساني نفسه الى شبهة تستوجب الملاحقة والاعتقال.

فمع استمرار تقلص مساحات الحياة المدنية والعمل السياسي واستمرار خطابات الكراهية والتخوين، امتدت اتهامات التعاون مع قوات الدعم السريع لتطال الناشطين/ات في العمل الإنساني من أعضاء غرف الطوارئ ومتطوعي/ات “التكايا” رغم دورهم/ن الحيوي في استمرار  الحياة داخل مناطق النزاع، حين توقفت المرافق الحكومية والخدمات الأساسية وانعدمت معظم مظاهر الحياة، ولا يقف ضرر استهداف هذه الفئة على الأفراد المعنيين/ات وحدهم/ن بل يتعداه إلى خطر توقف الأعمال الإنسانية، الأمر الذي يترك آلاف الأسر تواجه الجوع والمرض.

وبحسب الصحافية داليا الطاهر “يتعرض متطوعو/ات غرف الطوارئ والتكايا لاستدعاءات مستمرة وتحقيقات متكررة في المقار الأمنية لطرفي الصراع”.

وأضافت أن “بعض التكايا – وهي مؤسسات دينية واجتماعية يبرز دورها في أوقات الأزمات والحروب كمطابخ مجتمعية تكافلية تدعم النازحين/ات- لم تعد قادرة على مواصلة جهودها بشكلٍ طبيعي خوفًا من الملاحقة”.

وبين الصفقات والتسويات، ومع انتقال النزاعات من منطقة لأخرى، واستمرار الكر والفر وتكرر مشاهد تبادل السيطرة على المدن والقرى تظل الفئات المستضعفة والنساء دائمًا في موقع الخسارة، معرضين/ات لخطر الاعتقال أو التصفية الانتقامية بذرائع التعاون مع العدو.

في هذا السياق، تقول الصحافية شمائل النور “الانتقال من موقف إلى ضده أو من معسكر إلى خصمه لا يحدث نتيجة مراجعات أخلاقية أو حتى قناعة أن هذا الطرف على حق أو ذاك على باطل، الانتقال أو الاختيار ابتداءً يحدث حينما تتضعضع المكاسب أو تخيب الآمال فيها، فيأخذ أحدهم موقفًا غاضبًا أو يزعم أنه اختار الانحياز الإثني أو العرقي تعاطفًا مع أهله، و أنت كمواطن/ة أعزل/ عزلاء؛ هنا أو هناك  مجرد “عدة شغل””.

كتابة: رؤى عمر

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد