شهادات معلقة على جدار الانتظار

واقع الطلبة الخريجين/ات من البدون والمسحوبة جناسيهم/ن في الكويت

في نهاية كل عامٍ دراسي، تكتسي البيوت في الكويت بحلّة الفرح، ويحتفل الأهالي بنجاح أبنائهن/م وبناتهن/م وتخرّجهن/م من الثانوية العامة؛ يهتفن/ون، ويصفّقن/ون، ويتبادلن/ون التهاني. وتبدأ القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية في نقل هذه الأجواء البهيجة، مستضيفةً الطلاب والطالبات الأوائل لتوجّه لهن/م الأسئلة المعتادة عن طموحاتهن/م وتخصصاتهن/م المستقبلية.

لكن، خلف هذه الشاشات الملونة، وفي زوايا هذا الفرح الجماعي، يجري غضّ النظر عن شريحة أصيلة يعيش طلبتها مأساةً مزدوجة؛ هن/م الخريجات/ون من فئة “البدون”، ومن انضم إليهن/م حديثًا من فئة “المسحوبة جناسيهن/م”، اللواتي/الذين سُلب استقرارهن/م وأوراقهن/م الرسمية في أكثر مراحل عمرهن/م حساسية.

الطلبة البدون.. حلم يولد من رحم المعاناة والتهجير

يبني الطلّاب من هذه الفئات مستقبلهن/م وسط بيئة قاسية لا تعرف الاستقرار. فإلى جانب الضغوط المدنية المعتادة للبدون، برزت مؤخرًا مأساة التهجير القسري وإجلاء العائلات من بيوتهن/م ومناطقهن/م، وهو انتهاك قاسٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الأمان المنزلي.

كيف لذهنٍ أن يركز في قاعة الاختبار وهو محاصر بالقلق اليومي الخانق من مصيرٍ مجهول ينتظر سقف بيته وعائلته؟

ومع ذلك، يدرس هؤلاء الطلبة، ويتفوّقن/ون، في معجزةٍ إنسانيةٍ تتكرر كل عام، لأن التعليم هو سلاحهن/م الأخير لمواجهة قسوة الواقع.

صدمة الاختبارات.. سحب الجناسي المباغت وتعميق الجرح

بدلًا من تخفيف هذه المعاناة، أقدمت القرارات الحكومية على خطوات عمّقت الجرح الشديد، وتجلّت في التوسع المباغت في قرارات سحب الجناسي، التي لم ترحم حتى الطلبة في أدق مراحلِهن/م المصيرية.

ففي القرارات الأخيرة التي تتابعت حتى منتصف عام 2026، وبينما كان الطلاب والطالبات يستعددن/ون لأداء اختباراتهن/م النهائية ويحلمن/ون بحصاد سنوات التعب كمواطنات/ين، تلقين/وا قرارات سحب جناسي عائلاتهن/م كصدمةٍ مروعة نزلت عليهن/م كالصاعقة.

فجأة، وبلا ذنب اقترفنه/وه، جُرّدوا من هوياتهن/م، ووجدن/وا أنفسهن/م يواجهن/ون مجهولًا مظلمًا في اليوم التالي.

الطلّاب البدون يُحرمن/ون بذريعة “المنع الأمني” أو انعدام الوثيقة، والطلّاب المسحوبة جناسيهن/م يُصدمن/ون بتجميد ملفاتهن/م ورفض أوراقهن/م بعد أن كانت مقاعدهن/م مضمونة.

وهنا يبرز السؤال الوجودي الحارق: كيف لجيلٍ شاب في مقتبل العمر أن يستوعب سلب هويته وأمانه القانوني والاجتماعي فجأة؟

وكيف يتعامل مع هذا الكم المنظم من انتهاكات الحقوق الفطرية؟ وأمام هذا المشهد، يتضاعف الألم حين نرى صمتًا غريبًا، وغيابًا تامًّا لأي تحرك حقيقي من قبل المؤسسات الحقوقية والمدنية للدفاع عن حق هؤلاء الشباب الصغار في التعليم والوجود المستقر.

سباق ضد الساعة.. واستيفاء الشروط بلا جدوى

المفارقة المؤلمة تكتمل فور ظهور النتائج؛ فالطالب/ة هنا ليس لديه/ا رفاهية الوقت، إذ إن شهادة الثانوية العامة تحمل حكمًا عامًا وقسريًّا بانتهاء صلاحيتها خلال سنتين فقط، كقانونٍ سارٍ على الجميع.

وخلال هاتين السنتين، يخوض الخريج/ة المستوفي/ة تمامًا لكل الشروط والمتطلبات الأكاديمية رحلة كفاح مستميتة؛ يقدّم أوراقه ويحقق النسب المرتفعة التي تؤهله لدخول أرقى الكليات. لكن، وبشكلٍ صادم، ترفض الجامعات قبولهم/ن وإعطاءهم/ن مقاعدهم/ن المستحقة.

الطلّاب البدون يُحرمن/ون بذريعة “المنع الأمني” أو انعدام الوثيقة، والطلّاب المسحوبة جناسيهن/م يُصدمن/ون بتجميد ملفاتهن/م ورفض أوراقهن/م بعد أن كانت مقاعدهن/م مضمونة.

يرتطم الجميع بجدار الرفض المتعمد بسبب الهوية والوثائق، لتضيع السنتان، وتتبخر صلاحية الشهادة دون أدنى جدوى.

حلول تعجيزية.. وطموح الطلبة مقيّد

وحتى عندما أُتيحت مؤخرًا فرصة لدراسة تخصصات الدبلوم، جاءت الحلول لتزيد الطين بلة، بشرط دفع رسوم مادية باهظة وكبيرة جدًّا.

هذا الشرط يغفل تمامًا الواقع المعيشي القاسي؛ فالأسر التي سُحبت جناسيها جُمّدت حساباتها وأعمالها، وعائلات البدون تعاني أصلًا من تضييقات خانقة تمنعها من توفير القوت الأساسي.

فكيف لهن/م أن يتحمّلن/وا تكاليف دراسة جامعية باهظة؟

والمفارقة الأقسى أن هؤلاء الطلبة يمتلكن/ون قدرات وتفوّقًا يؤهلهن/م لشهادات جامعية وتخصصات عليا، كالهندسة والطب، لكنهن/م يضطررن/ون، مرغمات/ين، لقبول شهادة “الدبلوم” لأنها الخيار الوحيد المتاح. ورغم هذا التنازل وتحمل التكاليف، يصطدمن/ون بعد التخرج بنفْس العقبات عند دخول سوق العمل، ليجدن/وا أنفسهن/م في حلقة مفرغة من المعاناة والتهميش.

أحلام مقبرتها القرارات الحكومية

إن إغلاق بوابات الجامعات الحكومية في وجه المتفوقات/ين المستوفيات/ين للشروط، تزامنًا مع قرارات سحب الهويات العشوائية وهدم الاستقرار النفسي والأسري، يضعنا أمام واقعٍ مأساويٍّ تتحمل الحكومة مسؤوليته الكاملة.

إن هذا النهج لا يعكس فقط عجزًا عن احتواء الطاقات الشابة، بل يُظهر إصرارًا على ممارسة تضييق ممنهج يقتل طموح خرّيجين/ات لم يقصروا/ن في تلبية المتطلبات الأكاديمية، في حين قصّرت السلطة في حماية أبسط حقوقهم/ن الإنسانية.

إن جعل شهادات المتفوّقات/ين محكومة بالموت بعد سنتين هو هدر متعمد لجيل كامل؛ فإلى متى يستمر هذا التدمير المنظم لمستقبل شباب لا ذنب لهن/م سوى أنهن/م درسن/وا، وتفوّقن/وا، وحلمن/وا بغدٍ خذلتهن/م فيه القرارات؟

كتابة: ظبية اليامي (اسم مستعار)

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد