
سلاح بلا رصاص: استهداف الصحافيات بالتضليل والتشهير خلال حرب السودان
يسلط هذا التقرير الضوء على استهداف الصحافيات و”الإعلاميات” المستقلات في السودان، عبر محتوى مجتزأ أو مفبرك على مواقع التواصل الاجتماعي، وادعاءات مضللة استهدفت مواقفهن ونزاهتهن المهنية، قبل أن تتحوّل إلى أرضية للتخوين والتنمر القائم على المظهر والنوع الاجتماعي، وصولاً في بعض الحالات إلى كشف البيانات الشخصية والتهديد المباشر.
ويستند التقرير إلى منهجية تقصٍّ رقمي -للفترة من 10 أيار/مايو إلى 5 تموز/يوليو 2026- باستخدام أدوات المصادر المفتوحة، وتحليل محتوى مواقع التواصل الاجتماعي. مع الاستعانة أيضًا بحالة استرشادية موثقة، نُشرت في 29 أيلول/سبتمبر 2024، استُهدفت فيها رئيسة تحرير صحيفة “التغيير” رشا عوض، لإظهار امتداد هذا النمط وعدم اقتصاره على فترة الرصد الحديثة.
مسار التضليل.. كيف تُصنع شرارة التشكيك؟
تُظهر الحالات المرصودة أن بعض موجات الاستهداف ارتبطت بتصريحات أو تأطيرات سياسية جرى تدويرها لاحقًا، عبر حسابات وصفحات متعددة، بما هيّأ مناخًا للتشكيك في المصداقية المهنية للصحافيات. واتخذ هذا المسار عدة أشكال متداخلة.
في 24 أيار/مايو 2026، برزت إحدى نقاط التحوّل في الخطاب، عقب تصريح متلفز لوزير الثقافة والإعلام السوداني، خالد الإعيسر، وصف فيه صحافيين/ات وإعلاميين/ات ينتقدون السياسات الحكومية وأداء المؤسسات الرسمية بأنهم “أقلام تُشترى”. كما وصمهم/ن، في التصريح ذاته عبر قناة “الجزيرة مباشر”، بـ“النائحة المستأجرة“، وهو تعبير “تحقيري” يربط النقد الصحفي بالارتزاق.
وخلال 72 ساعة، تحول وصف “النائحة المستأجرة” إلى توصيف هجائي تداولته حسابات موثقة وغير موثقة على منصتي إكس وفيسبوك، مُوجَهًا بشكل مباشر ضد الصحافية أم وضاح، بالتوازي مع انتقاداتها لأداء وزارة الإعلام ووكالة السودان للأنباء (سونا) في برنامجها “عز الكلام”.
نقل هذا الاستخدام النقاشَ من مساحة النقد والتقييم المهني إلى الطعن في أهلية الصحافية، ووصمها اجتماعيًا، بما أسهم في صرف الأنظار عن مضمون التغطية ودفعها إلى هامش النقاش العام.

الاقتطاع من السياق وتزييف المواقف
اعتمدت الحملات على انتقاء مقاطع مصورة كاملة من الحلقات الصحفية واقتطعتها من سياقها، وأعادت تقديمها بعناوين ذات طابع استقطابي ومثير، قد تسهم في دفع الجمهور نحو الانفعال والشحن الرقمي بمعزل عن السياق العام للحلقة.
يتجلى ذلك في المقطع الذي أعادت تدويره صفحة الناشطة تهاني الأمين، بتاريخ 31 أيار/مايو 2026، بعنوان: (هجوم شرس من ام وضاح تجاه وزير الإعلام خالد الإعيسر وتصفه بالمضطرب)، وحقق أكثر من 8,400 تفاعل ونحو 1,500 تعليق حتى تاريخ 13 أيلول/سبتمبر 2026.

يُظهر التحقق أن أصل المقطع المجتزأ يعود إلى حلقة من برنامج “عز الكلام”، كانت ترد فيه الصحافية حنان عبدالحميد، المعروفة بـ”أم وضاح”، عن نفسها إثر “التصريحات المسيئة” للوزير في 24 أيار/مايو 2026. وفندت الصحافية في حديثها أداء وزارة الإعلام، وتردي العمل في وكالة “سونا“، وتطرقت إلى مظاهر ثراء وزير الإعلام، متحدثةً عن سكنه في فندق وقيادته سيارتين حديثتين، ردًا على تشكيكه في ذمتها المالية ومصادر دخلها.

لكنّ نشر المقطع المُجتزأ لم يتضمن ردها على إساءة الوزير السابقة، واكتفى بتصدير وصف “المضطرب” بعنوان استقطابي، وجرّده من مضمونه المهني، ليصوّر المسألة للجمهور كاعتداء شخصي هجومي غير مبرر؛ ما وجّه آلاف التعليقات نحو شتم الصحافية وتخوينها.
وتكرر النمط مع الكاتبة الصحفية رشان أوشي في 2 تموز/يوليو 2026، فور الإفراج عنها؛ فنشر حساب يعقوب الدابي خبرًا زعم فيه أنه: “تم إطلاق الصحافية رشان أوشي من سجن بورتسودان وصرحت سوف تنضم للحركات المسلحة”، مرفقًا بصورتين للمقارنة البصرية بين شكلها في الاستوديو، وهيئتها الشاحبة بعد السجن.ويكشف التحقق من الادعاء عن عدم إدلاء الصحافية بأي تصريحات سياسية أو عسكرية بشأن الانضمام لأي حركة مسلحة،
بل اقتصر حديثها الموثق في مقابلتها المصورة مع قناة “الجزيرة” على دور الصحافة المجتمعي. ويمثل تلفيق تصريح يتعلق بالانضمام إلى جماعات مسلحة، في سياق نزاع مسلح، اتهامًا قد يعرّض الصحافية لمخاطر أمنية وقانونية.
بالتزامن، نشرت صفحة صوت إفريقيا Voix de l’Afrique، التي يتابعها أكثر من 31 ألف شخص حتى تاريخ إعداد التقرير، في 2 تموز/يوليو 2026، قصة مفبركة تحت عنوان ساخر: “فوائد السجن عودة الإنسان إلى ذاته الطبيعي”، مرفقة بمقارنة بصرية لمظهرها. أسهم هذا التلفيق في نقل النقاش بعيدًا عن قضية احتجازها التي استمرت 43 يومًا، وتحويلها من قضية ذات أبعاد حقوقية ومهنية إلى مادة للسخرية من مظهرها وحياتها الشخصية.

توظيف الذكاء الاصطناعي والتزييف التوليدي
لم يقتصر المحتوى المضلل المرصود على الفبركة النصية والاجتزاء، بل امتد إلى التلاعب الرقمي لإنتاج مواد بصرية مضللة، وتجلّى ذلك في ادعاءين رئيسيين خضعا للتحقق.
الأول، كان مقطع فيديو يخص الصحافية حنان عبد الحميد (أم وضاح)، حين تداولت صفحات وحسابات على منصة فيسبوك مقطع فيديو مركبًا، يُظهر الصحافية وهي تبكي وتتلقى أموالًا من قيادة الجيش السوداني، مرفقًا مع نص يزعم “اعترافها بتلقي رشا مالية من البرهان والدفاع عنه مقابل المال”.
وللتحقق من المقطع، كشف البحث العكسي باستخدام (InVID WeVerify) أن الفيديو الأصلي مقتطع من حلقة حقيقية لبرنامج “عز الكلام”، كانت تتحدث فيها الصحافية بانفعال وتأثر عن الأوضاع التي وصلت لها البلاد من “غلاء وجبايات” على المواطنين، دون أي إشارة لاستلام أموال.
كما أظهر التحليل مؤشرات بصريّة تتسق مع التلاعب الرقمي، تمثلت في عدم تطابق حركة الشفاه مع الصوت، وتشوهات في حواف الوجه في أثناء الحركة.

من التضليل إلى الكراهية والتهديد
لم يتوقف أثر المحتوى المضلل والمجتزأ عند التشكيك في نزاهة الصحافيات، أو تقديم مواقفهن خارج سياقها، بل امتد في بعض الحالات إلى إعادة تشكيل صورتهن أمام الجمهور.
فمع تكرار السرديات، التي تربط الصحافيات بالانحياز السياسي، أو الارتزاق أو الانتماء إلى أطراف عسكرية، انتقل جانب من النقاش من مساءلة المحتوى الصحفي إلى مهاجمة صاحبته، عبر التخوين والوصم والإساءة المرتبطة بالمظهر والعمر والنوع الاجتماعي.

كما تُظهر حالة الصحافية رشان أوشي كيفية تأثير هذا التحوّل في القضية الأصليّة. فبعد الإفراج عنها بتاريخ 2 تموز/يوليو 2026، إثر احتجاز دام 43 يومًا في سجن بورتسودان، نشرت صفحة الجزيرة – السودان مقابلة مصوّرة تحدثت فيها عن واقع العمل الصحفي وتحديات الحرب، لكنّ الجزء الأكبر من التفاعل انصرف بعيدًا عن مضمون حديثها.

ويُظهر فحص وتصنيف عيّنة موسعة، من أكثر من 14,200 تعليق على مقابلة رشان أوشي، أن نحو 64% منها تركزت على التنمر المرتبط بالمظهر عبر عبارات متطابقة نصيًا مثل: “ضبط مصنع” و”النسخة الأصلية”، فيما حمل 18% منها طابع التخوين السياسي، وتوزع 11% بالتشكيك في الإفراج القضائي، في حين لم يناقش جوهر حديثها الصحفي سوى 7% فقط من المتفاعلين/ات.
رسم بياني تفاعلي توزيع اتجاهات التعليقات على مقابلة رشان أوشي
وفي بعض الحالات التي يرصدها التقرير، تجاوز الاستهداف حدود التشهير والتنمر إلى ما يمس الحياة الخاصة والسلامة الشخصية. فقد نُشرت معلومات تفصيلية عن موقع استوديو تصوير برنامج الإعلامية حنان عبد الحميد، “أم وضاح”، في القاهرة، إلى جانب مزاعم عن مقر إقامتها، وربط ذلك باتهامات بالتخوين والارتزاق، ما قد يزيد من المخاطر الأمنية التي تواجهها في بلد اللجوء.

أما في حالة الصحافية صباح أحمد الخضر، اتخذ التهديد طابعًا أكثر مباشرة؛ إذ نشر عنصر مسلح، ينتمي إلى قوات الدعم السريع، تعليقات علنية على حسابها استدعى فيها واقعة احتجازها السابقة، ووجه تهديدات صريحة تمس سلامتها وسلامة أطفالها، من بينها “تاني بنجيبك” و”عارف بيتك” و”عايزة تعيشي وتربي أولادك اختفي“.

وتوضح الحالات المرصودة أن أثر التضليل لا يقتصر على تشويه الوقائع أو إرباك الجمهور، بل قد يسهم في بناء سرديات تشكك في نزاهة الصحافيات قبل أن تنتقل إلى التخوين والتنمر، وفي بعض الحالات إلى كشف بيانات شخصية وتهديدات مباشرة.
ولا يعني ذلك أن جميع الحالات بالمراحل نفسها، أو أن الاستهداف يصدر عن جهة واحدة، لكن الرصد يوضح كيف يمكن للسرديات المضللة عند إعادة تدويرها وتضخيمها، أن تهيئ بيئة أكثر عدائية تجاه الصحافيات، وأن تنقل مركز النقاش من عملهن الصحفي إلى مظهرهن وحياتهن الخاصة وولائهن السياسي.
وتبرز هذه الحالات الحاجة إلى تعزيز الحماية الرقمية والمهنية للصحافيات، وتطوير آليات الاستجابة للتهديدات وكشف البيانات الشخصية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الأدلة المتاحة؛ فسلامة الصحافيات ليست قضية فردية، بل شرط أساسي لاستمرار التغطية المستقلة في بيئة نزاع تتزايد فيها كلفة الوصول إلى المعلومات ونشرها.
كتابة: ذو الكفل صالح، صحافي ومدقق معلومات/ شبكة أريج.
أنجز هذا التقرير ضمن مشروعات تخرج “دبلوم أريج لتدقيق المعلومات 2026” للشبكة العربية لمدققي/ات المعلومات (AFCN).