
“مطلوب آنسة”… كيف يُعاقب سوق العمل المصري الأمهات؟
في إعلانات التوظيف دائمًا ما يُكتب الشرط بوضوح وعلانية: “مطلوب آنسة”، وقد لا يُكتب، لكنه يُفهم. فأن تكوني “آنسة” فهذا يعني أنك “متفرغة”، وأن تكوني “متزوجة” يعني أنك “مشغولة”، وأن تكوني “أمًا” يعني أنك “مشكلة كبيرة”.
ولنكن صريحات/ين مع أنفسنا: سوق العمل في مصر يكره ويُقصي الأمهات مهما كانت خبرتهن أو مهارتهن. فهو يفضِّل الآنسات، ويتحمل المتزوجات، ودائمًا يشكك في إمكانيات الأمهات. والأم، في نظر كثير من أصحاب الأعمال، مشروع غياب محتمل، وظروف طارئة، ومواعيد مدرسة، وطفل/ة مريض/ة. وكأن الموظف/ة المثالي/ة هو الذي لا يملك حياة خارج بيئة العمل. لكن ما لا يريد أحد الاعتراف به أبدًا هو أن أنظمة العمل نفسها مصممة ضد الأمهات.
ويُعرَّف مصطلح “عقوبة الأمومة (Motherhood Penalty)” بأنه مصطلح اجتماعي واقتصادي يصف التمييز الذي تواجهه النساء في أماكن العمل بعد إنجاب الأطفال؛ حيث يعانين من انخفاض الأجور، وتقليل فرص الترقية، وضعف التقييم الوظيفي مقارنة بغير الأمهات والرجال، وقد يصل الأمر إلى الإقصاء من العمل.
أمهات من خلفيات مهنية متباينة، ومستويات مادية، وظروف اجتماعية مختلفة، يروين لـ”شريكة ولكن” تجاربهن في العمل بعد الأمومة، وكيف تحوّل قرارهن بأن يصبحن أمهات إلى سبب غير معلن للعقاب المهني، وكأن امتلاك حياة شخصية قرار يستوجب العقاب والمحاسبة. فوجدن أنفسهن في مواجهة نظام يعامل الأم كعبء، ويعاقبها لأنها اختارت أن يكون لها عمل وطموح إلى جانب حياتها الأسرية.
أم تدفع ثمن طموحها فتعمل بأجر شبه صفر
تحكي نور (اسم مستعار – 30 عامًا)، صحافية ومخرجة أفلام وثائقية، وأم لطفلة في المرحلة الابتدائية، كيف تدفع ثمن قدرتها على الاستمرار في العمل كأم، ومعاناتها حيث تصبح تكلفة استمرارها في العمل أكبر من كامل الدخل المادي الذي تحققه.
تقول: “تنتهي مواعيد مدرسة ابنتي، كباقي المدارس، في الثانية ظهرًا، بينما ينتهي يوم العمل في الخامسة مساءً. ثلاث ساعات فاصلة بين مسؤوليتين كاملتين، وفي هذه المساحة الزمنية القصيرة تولد بداخلي معركة ضارية يوميًا، مليئة بالحيرة والتساؤلات: فمن يستقبل طفلتي؟ من يطمئن عليها؟ من يراجع الواجبات المنزلية؟ من يضمن أنها في مكان آمن لحين عودتي من العمل؟”
تضيف: “الحل العملي المتاح هو استضافة حضانة آمنة بعد المدرسة، مزودة بكاميرات مراقبة تسمح لي كأم بمتابعة طفلتي عبر الهاتف. وهنا تكشف الحسابات عبئًا آخر. يكلف الأمر بمعدل 100 جنيه للساعة الواحدة، و6000 جنيه شهريًا لعشرين يوم عمل، يضاف فوقها 1200 جنيه شهريًا لمواصلات تنقل الطفلة من المدرسة إلى تلك الحضانة. وإذا طُلب مني حضور تدريب مسائي أو تغطية صحفية — وهو أمر معتاد في مهنتي كصحافية — أضطر للاستعانة بجليسة أطفال قد تتقاضى 250 جنيهًا في الساعة الواحدة. وفي المقابل، لا يتجاوز راتبي كصحافية 5000 جنيه شهريًا”.
لتكون المعادلة الرقمية هنا صادمة، بحسب نور: “تكلفة الاستمرار في العمل أكبر من كامل الدخل. فهل أعمل لأكسب؟ أم أعمل لأدفع ثمن قدرتي على الاستمرار في العمل؟”
وتضيف: “على المستوى الشخصي أمتلك بعض الامتيازات المادية التي تتيح لي تعويض التكلفة الاقتصادية للأمومة، إلا أنني أكتشف يومًا بعد يوم أن المعضلة ليست في القدرة على الدفع، بل في القدرة على الاحتمال. أستمر في عملي ولا أحقق تقدمًا مهنيًا يُذكر، إذ يتسلل داخلي إحساس دائم بالذنب، ويلازمني شعور بالعجز عن التوفيق الحقيقي. ومهما بدت الصورة الخارجية متماسكة، أشعر دائمًا أنني أعمل لأدفع تكلفة كوني أمًا عاملة لديها طموح إلى جانب أسرتها”.
شفط لبن الثدي في حمام العمل
سمر (اسم مستعار – 28 عامًا)، صحافية وأم لطفل رضيع وأرملة، تقول: “عدت إلى العمل بعد 3 أشهر فقط من الولادة. كنت أصحو الساعة الخامسة فجرًا لأشفط اللبن من ثديي وأضعه في ببرونة، وأترك ابني مع أمي. وفي مقر الجريدة كنت أدخل الحمام كل 3 ساعات لأشفط اللبن وأسكبه في حوض الحمام”.
تضيف: “كانت عملية مؤلمة جسديًا ونفسيًا. وظروفي المادية لا تسمح بأخذ الطفل إلى حضانة قريبة من الشغل. وكنت دائمًا أشعر بالذنب لإهدار لبن صدري، وهو رزق طفلي، كما أشعر بالذنب لتركه في هذا السن الصغير بعيدًا عني. وفي الوقت نفسه لا أستطيع ترك العمل بعد هذا الشوط الكبير الذي قطعته، خاصة أنني أطمح في الحصول على عضوية نقابة الصحافيين/ات، كما أنني المعيلة الوحيدة لأسرتي بعد وفاة زوجي قبل ولادتي بشهرين”.
لا إجازة، ولا ساعة رضاعة
آية (29 عامًا)، مصممة جرافيك، لم تكن مُعينة رسميًا حين وضعت طفلها، ولذلك لم تستطع المطالبة بإجازة وضع.
تقول لـ”شريكة ولكن”: “كنت آخذ ابني معي إلى الشغل وهو عمره 20 يومًا، لأن الشركة رفضت تمد لي الإجازة، خصوصًا أنني غير مُعينة. لم أستطع المطالبة بإجازة وضع. وبعد مرور شهرين قالت لي مديرتي إن الشركة منعت دخول الأطفال. ومرتبي الشهري لا يسمح بدفع تكاليف حضانة، وأمي تسكن في مكانٍ بعيد عني، فاضطررت إلى ترك العمل، رغم أنني كنت أحقق إنجازات على المستوى المهني”.
وتضيف آية: “شعرت أن وجودي كأم عبء غير مرغوب فيه، ودائمًا كنت متهمة، وكأنني موصومة داخل الشركة وبين زملائي لأنني أصبحت أمًا”.
أين الحضانة التي ينص عليها القانون؟
وتشير مي صالح، استشارية النوع الاجتماعي ومديرة برنامج النساء والعمل بمؤسسة المرأة الجديدة، إلى أن “قانون العمل المصري ينص على إلزام المنشآت التي تضم 100 عاملة فأكثر بإنشاء حضانة أو التعاقد مع حضانة قريبة. لكن بالتحقق من عدد الشركات الخاصة المتوسطة، لا يظهر تطبيق فعلي واقعي لهذه المادة؛ فكثير من الشركات تتحايل بتجزئة العمالة أو بعدم تسجيل الأعداد الحقيقية لتفادي هذا الالتزام”.
وتضيف: “إن هذا القانون في حد ذاته يضع شرطًا تعجيزيًا، وهو الشرط العددي (100 عاملة فأكثر)، فبما أن 90% من منشآت العمل في مصر لا تصل لهذا العدد، فإن القانون يفتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب الأعمال للتحايل والتنصل من مسؤولياتهم/ن”.
كما يتجاهل القانون، وفقًا لمي، اتفاقيات دولية هامة مثل اتفاقية 156 لعام 1981، و”التي تعترف بالعمال أصحاب المسؤوليات العائلية، وتلزم بدعمهم/ن نفسيًا واجتماعيًا، سواء كانوا يرعون أطفالًا أو كبارًا في السن”.
الأمومة تُسقط العقد: قصة استبعاد رغم الكفاءة
فاتن (34 عامًا)، مهندسة ديكور، كانت تعمل في أحد المكاتب الهندسية بعقد سنوي، تقول:
“أنا شغوفة ومجتهدة في شغلي، وأثبتت كفاءة طوال السنين الماضية. بعد الولادة رجعت إلى الشغل بكل طاقتي وكنت متحمسة، وكنت أحاول طوال الوقت أن أعمل أكثر من الأول لأثبت أن الأمومة لم تؤثر على إنتاجيتي. لكن عند موعد تجديد العقد، بلغني صاحب المكتب أن المكتب قرر إعادة هيكلة الفريق، على الرغم من أنني لم أتلقَّ ملاحظة سلبية واحدة طوال السنة الماضية. لم أتأخر في التسليم يومًا، وكنت أسلم العمل على أكمل وجه.
وفوجئت بأن الزميل الجديد أقل خبرة، لكني كنت أنا الوحيدة في المكتب التي لم يُجدد عقدها، وأنا الوحيدة التي أصبحت أمًا. لم يقل أحد ذلك بشكلٍ مباشر، لكن الرسالة كانت واضحة”.
القادرة ماليًا… العاجزة نفسيًا
نسمة (36 عامًا)، مديرة حسابات بإحدى الشركات الكبرى، وأم لطفلين في المرحلة الابتدائية، تملك القدرة المادية لتجاوز الأزمة. أطفالها يذهبون إلى حضانة لمدة ثلاث ساعات بعد انتهاء مواعيد المدرسة لحين عودتها من العمل، وراتبها الشهري الكبير يجعل المعادلة الاقتصادية ممكنة، لكن المعادلة النفسية أصعب.
تقول: “أولادي يصحون الساعة السادسة صباحًا للمدرسة، وبدل أن يرجعوا إلى حضن أمهم، يذهبون إلى حضانة حتى أعود. وإحساسي بالذنب لا يقل حتى لو كانت الإمكانيات متاحة”.
“الطموح والنجاح امتياز لا تستحقه الأم. يقولون لي: لو مش قد الشغل اقعدي في البيت”.
وتضيف لـ”شريكة ولكن”: “لا توجد سياسات مرنة واسعة الانتشار في بيئة العمل، ولا توجد إعادة هيكلة حقيقية وواقعية لمفهوم ساعات العمل الثابتة، رغم أن معظم الأعمال يمكن إنجازها من المنزل”.
وتتابع: “خلال جائحة كورونا مررنا بالتجربة نفسها، والعمل من المنزل أثبت إمكانيته. والأصعب هو الشعور الدائم بالذنب: ذنب تجاه الشغل إذا غادرت مبكرًا، وذنب تجاه الأطفال إذا تأخرت في العمل، وذنب تجاه نفسي إذا فكرت في الاستسلام”.
وتضيف نسمة أنها عندما تعبر عن تعبها أو حيرتها تسمع دائمًا جملة مثل: “لو مش قد الشغل اقعدي في البيت”. وتوضح أن هذا ليس مجرد رأي عابر، بل انعكاس لثقافة ترى أن الطموح والنجاح امتياز لا تستحقه الأم.
نوران… حين تُعاقَب الأم أكاديميًا
عقوبة الأمومة لا تقف عند العمل فقط، بل قد تمتد إلى الحياة الأكاديمية. تحكي نوران (30 عامًا)، وكانت تعمل معيدة بكلية الهندسة قسم العمارة، قائلة:
“انتهيت من العمل على رسالة الماجستير منذ أكثر من أربع سنوات، وكنت أنا ومشرفتي على الرسالة نتناقش حول موعد لمناقشة الرسالة للحصول على الدرجة. وصرحت لها بأنني حامل في شهري السادس، ففوجئت بها تقول لي بعصبية: أنتِ رايحة تتجوزي وتعيشي حياتك وكمان حامل وعايزة تاخدي الماجستير؟ الماجستير ده يا ماما عاوز تفرغ، عاوز واحدة تترهبن وتقدر قيمة العلم. اتفضلي اطلعي برة، ولما تولدي يبقى لنا كلام تاني”.
وتضيف: “ومنذ ذلك الوقت مرّت أربع سنوات لم ترد خلالها على اتصالاتي أو رسائلي أو بريدي الإلكتروني، ورفضت تشكيل لجنة لمناقشة رسالتي، وكأنها تعاقبني لأنني اخترت أن يكون لي حياة وأن أكون أمًا”.
وتتابع: “حاولت تغيير المشرفة باختيار مشرف آخر، لكنها منعتني ورفضت إخلاء طرفي. وكل الدكاترة قالوا: نحن لن نخسر زميلة من أجل طالبة، ورفضوا الإشراف. توجهت إلى وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا، لكنه رفض مساعدتي أيضًا”.
وتقول نوران: “في النهاية تعبت، كبرت ابنتي، وتركت عملي، وسيطر عليّ الإحباط. وكل يوم أسأل نفسي: ماذا فعلت خطأ؟ والغريب أن هذه المشرفة نفسها أم وزوجة. لماذا تحرمني من حقي في الحياة وتعاقبني بهذا الشكل؟ في النهاية خسرت كل شيء: العمل، والماجستير، والاستقرار النفسي”.
الأم العاملة… مُدانة اجتماعيًا قبل أن تُقيَّم مهنيًا
تقول استشارية الصحة النفسية د. ريهام حسن: “هناك تصور شائع بأن النساء إن لم يكنّ بحاجة مادية ملحة للعمل، فمن الأفضل أن يتفرغن للبيوت والأطفال. لكن العمل بالنسبة لكثير من النساء ليس رفاهية، بل مساحة للاستقلال، والإبداع، والرضا، والتطور، والثقة بالنفس، وتحقيق الذات، وإثبات أن الهوية الإنسانية لا تختزل في دور واحد مهما كان عظيمًا”.
وتضيف أن “النساء اللاتي يخترن العمل بعد الأمومة لا يتمردن على دورهن كأمهات، بل يحاولن أن يعشنه دون أن يفقدن ذواتهن. ومع ذلك، فإن أي تقصير مهني، مهما كان بسيطًا، يُفسَّر من زاوية الأمومة: فالتأخير سببه الأطفال، والاعتذار سببه الأطفال، والإرهاق سببه الأطفال، وكأن الأمومة ليست دورًا إنسانيًا طبيعيًا، بل عيبًا مهنيًا يجب الاعتذار عنه وتلقي اللوم الدائم بسببه”.
تمييز قبل الاختيار
منى (29 عامًا)، مبرمجة، تقول لـ”شريكة ولكن” إنها تقدمت لوظيفة في إحدى شركات البرمجة. وبعد المقابلة الأولى طُلب منها استكمال الأوراق، وكان أول سؤال في المقابلة: “إنتِ متجوزة؟”. وحين أجابت بأنها متزوجة ولديها طفلة بعمر ثلاث سنوات، ابتسم مدير الموارد البشرية وقال: “للأسف نحن محتاجون شخصًا متفرغًا أكثر”. وبعدها لم يتصلوا بها مرة أخرى.
وتضيف: “لم يقل لي أحد صراحة إن السبب الحقيقي للرفض أنني أم، لكن الرسالة كانت واضحة”.
وتشير سارة فوزي، المحامية المتخصصة في قضايا العمل، إلى أن: “كتابة شرط الحالة الاجتماعية في إعلانات التوظيف تعد مخالفة قانونية صريحة، لكنه نادرًا ما يُحاسب، لأن أغلب النساء المتقدمات للوظائف لا يتقدمن بشكوى رسمية خوفًا من خسارة فرصة العمل أصلًا. فالتمييز هنا لا يحتاج إلى قرار إداري، يكفي سطر واحد في إعلان”.
فبحسب قانون العمل المصري رقم 12 لعام 2003، لا يجوز التمييز في التوظيف على أساس النوع أو الحالة الاجتماعية، كما ينص الدستور المصري على مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين/ات دون تمييز. لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين النصوص الدستورية والتطبيق الفعلي لها.
الأم العاملة… مُدانة اجتماعيًا قبل أن تُقيَّم مهنيًا
هذه الشهادات التي وثقتها “شريكة ولكن” تحمل قدرًا كبيرًا من المعاناة والقسوة تجاه الأمهات العاملات وذوات الطموح. وهي تدلل على أن المرأة، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية، تُصنَّف اجتماعيًا لا مهنيًا؛ فلا يُنظر إلى خبرتها أو مهارتها أو قدرتها على الإنجاز، بل إلى حالتها الاجتماعية وكأنها مؤشر واضح على إنتاجيتها.
لكن ما لا يراه كثيرون هو أن الأم العاملة لا تدخل سوق العمل بامتيازات، بل تدخله بأعباء مضاعفة. والمفارقة أن المجتمع نفسه الذي يحمّل الأم مسؤولية التربية الكاملة للأبناء، لا يمنحها أي أدوات واقعية للتوفيق بين هذه المسؤولية والعمل.
فلا توجد سياسات مرنة، ولا حضانات ملحقة بأماكن العمل في معظم القطاعات، ولا إعادة هيكلة حقيقية وواقعية لمفهوم ساعات العمل الثابتة.
والنتيجة أن الأم تُترك وحدها في مواجهة المعادلة الصعبة: إما أن تتنازل عن طموحها، أو تتحمل ضغطًا اقتصاديًا ونفسيًا مستمرًا.
فحين تُستبعد النساء من إعلان وظيفة قبل تقييم كفاءتهن، وحين تصبح تكلفة الاستمرار في العمل أعلى من كامل الدخل، وحين تضطر الأمهات إلى شفط لبن الثدي في حمام مقر العمل، وحين يُصمم نظام العمل على افتراض أن الموظف/ة بلا حياة أسرية، وحين يُطلب من الباحثة أن “تترهبن للعلم” وتعاقَب لأنها حامل، فإننا لا نناقش اختيارات فردية، بل تصميمًا مهنيًا لا يعترف بأن للموظف/ة حياة.
فالسؤال لم يعد: “هل تستطيع النساء التوفيق بين الأمومة والعمل؟”، فهن يفعلن ذلك يوميًا رغم التحديات والألم. بل السؤال الأهم هو: لماذا يُصمم نظام العمل وكأن الأم حالة استثنائية يجب دائمًا أن تعتذر عن وجودها؟
وربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال بشكل مختلف: كيف نصنع منظومة عمل تعترف بأن النجاح المهني لا يتناقض مع الأمومة، بل يمكن أن يتكامل معها؟
لكن هذا السؤال لا يكتمل دون مساءلة افتراضٍ راسخ في بنية العمل والمجتمع معًا، وهو افتراض أن الرعاية مسؤولية الأم وحدها، بينما يُغيَّب دور الأب في الحياة الأسرية، أو يُعامل حضوره في الرعاية كاستثناء لا كواجب. فطالما تُلصق مسؤوليات الرعاية بالأم وحدها، سيظل نظام العمل مصممًا على قياس موظفٍ متخيَّل بلا مسؤوليات أسرية، أو يفترض ضمنًا أن هناك امرأة في الخلفية تتكفل بكل ما يتعلق بالحياة.