لماذا يخاف الرجال من تحرّر النساء؟

مضى 15 عامًا منذ أن نشرت صورتها عارية على الإنترنت، حين وقفت تحدّق مباشرة بالعدسة متحدّيةً النظرة الذكورية.

في ظلّ ثقافة تعتبر ستر النساء امتدادًا لأجسادهن، وقفت علياء المهدي أمام الكاميرا تمامًا كما خُلقت، فيما عدا جواربها الممتدة حتى فخذيها وحذاء أحمر، وشريطة حمراء في شعرها. كانت تلك طريقتها للاحتجاج خلال انتفاضة الربيع العربي في العام 2011، الأمر الذي أقام الدنيا ولم يقعدها. وصفت علياء صورتها كصرخة في وجه مجتمع يملؤه العنف، والعنصرية، والتمييز الجنسي، والتحرش، والنفاق، ما أثار سخطًا واسعًا ووضعها في مرمى انتقادات المحافظين/ات والليبراليين/ات في آن معًا، إذ اعتبروا/ن أن ما قامت به يشكّل حجر عثرة في مسار تقدّم القضايا الحقوقية للنساء. فاشتعل فتيل جدالٍ محتدم، وصولًا إلى تهديدات بقتلها ونفيها لاحقًا.

ما يجمعني كإمرأة عربية مع امرأة أميركية أو هندية أو إيرانية هو أن أجسادنا جميعًا تخضع لسيطرة النظام الأبوي، وإن اختلفت أشكال هذه السيطرة.

إذا كانت الصورة بطبيعتها تساوي ألف كلمة، فالصورة المنتشرة رقميًّا تعادل جدالًا عالميًّا. فالموجة الرابعة من النسوية (التي بدأت عام 2012) تستخدم الناشطية الرقمية -المعتمدة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والوسوم الرائجة مثل وسم #أنا_أيضًا- لربط حركات النساء من جميع أصقاع العالم بطريقةٍ تذيب الحدود بين الشرق والغرب، فتجعل المحلي عالميًّا والعالمي محليًّا، وتدمج بين المجالين الخاص والعام، فتجعل الخاص عامًا والعام خاصًّا.

إن الناشطيّة الرقمية تتيح للنساء فرصة تشكيل حلقة أختيّة قائمة على ربط نضالاتهن في محاولةٍ لفهم النظام الأبوي كنظامٍ واحدٍ مترامي التأثير، لا كنتاجٍ معزولٍ لثقافةٍ أو دين معيّنين. وبالتالي، لم تعد الحركات النسوية محلية فقط.

فحركة “مي تو” -على سبيل المثال- بدأت في الولايات المتحدة الأميركية، لكنها انتشرت عالميًّا بتسميات مختلفة بحسب المناطق. كما أصبحت حركة “نساء، حياة، حرية” في إيران التي اندلعت بعد مقتل مهسا (جينا) أميني في العام 2022 رمزًا عالميًّا للحرية والتضامن الدولي. فما يجمعني كإمرأة عربية مع امرأة أميركية أو هندية أو إيرانية هو أن أجسادنا جميعًا تخضع لسيطرة النظام الأبوي، وإن اختلفت أشكال هذه السيطرة. والناشطية الرقمية تسمح لنا برؤية ذلك.

بالعودة إلى أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2011، حصدت صورة علياء المهدي العارية التي نشرتها على مدونتها أكثر من 1.5 مليون مشاهدة خلال أسبوع واحد، وانتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل. كما تداولتها وسائل إعلامٍ دولية كبرى مثل بي بي سي ونيويورك تايمز وسي إن إن. وبعدها بعامين، في 2013، سارت التونسية أمينة تايلر على خطى علياء، ونشرت صورة عارية الصدر على فيسبوك كُتب عليها “جسدي ملكي وليس مصدر شرف أحد”. وكما حدث مع علياء، واجهت انتقادات شديدة وأُجبرت في نهاية المطاف للرحيل إلى المنفى.

في مقابلة عام 2014، جمعت الكاتبة والناشطة الإيرانية مريم نمازي بين علياء وأمينة عبر الكاميرا وهما عاريتا الصدر، حيث قالت أمينة: “لو كان تعرّينا لأجل الإباحية لما واجهنا أية مشاكل… نحن لا نقوم بطريقة جنسية بهدف الإثارة، بل لنقول للعالم: إن هذا الجسد الذي أمضيت حياتك تجبرني على إخفائه، أو تعريته في إطارٍ جنسي، أنا أستخدمه لرسالة سياسية.”

وهنا يبرز سؤال طرحته النسوية الأوغندية الراديكالية تواسِيما تريشيا: “إذا كان النظام الرأسمالي يحقق أرباحًا هائلة من أجساد النساء العارية، فلماذا يصبح التعري فجأة ‘غير طبيعي’ عندما تستخدمه النساء كأداة للمقاومة السياسية؟”

سياسات الجسد والحقيقة العارية

تصبح الأدوار الجندرية خلال الثورات أكثر مرونة، إذ يُركّز الجميع على “الوحدة” ويشتركوا على هدف إسقاط النظام، باعتبار المعركة الوطنية أكثر إلحاحًا من المعركة الجندرية. في هذه المرحلة، تتولى النساء أدوارًا عامة بشكلٍ واضح، وغالبًا ما يتم تشجيعهن ويُشَدَّد على أهمية مشاركتهن. لكن ما إن ينتهي الاقتتال حتى تتصدّر الرغبة بإعادة النساء إلى “الوضع الطبيعي” -بحسب المنطق الأبوي- عبر دفعهن إلى الفضاء الخاص المنزلي، وأيّة مقاومة لذلك تُقابل بالرفض.

هذا ما حدث خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011. شاركت النساء في مختلف أنحاء المنطقة بفعالية في المظاهرات والاحتجاجات إلى جانب الرجال. ساهم النشاط الرقمي حينها في تمكين النساء من لعب دور مرئي في الشارع، إذ أتاح استخدام الوسائل الرقمية التنظيم والتنسيق بينهن. ومع ذلك، ومع انتقال الدول إلى مرحلة ما بعد الثورات، تم استبعاد النساء إلى حد كبير من مواقع صنع القرار، ودُفع بهن مجددًا إلى الحيّز المنزلي.

استخدمت علياء وأمينة المنصات الرقمية ذاتها التي ساهمت النساء من خلالها في دعم الثورة، للتعبير عن مقاومتهن للتراجع الذي أعقبها. وقد اخترن شكلًا احتجاجيًّا مثيرًا للجدل في مجتمعات محافظة، لإجبار المجتمع على الالتفات مجددًا إلى النساء في الوقت الذي كان يدير ظهره لهن. يشبه ذلك ما قامت به حركة السافراجيت (حركة المطالِبات بحق الاقتراع للنساء) في بريطانيا عندما كسّرن النوافذ تحت شعار “الأفعال لا الأقوال”، أو حزب المرأة الوطني في الولايات المتحدة عندما نظّم اعتصامات أمام البيت الأبيض، وهي أساليب متطرفة لجذب الانتباه وإجبار المجتمع على مواجهة نضالات النساء التي يتم تجاهلها.

هذا ما حدث خلال الربيع العربي عام 2011. شاركت النساء بفعالية في الاحتجاجات إلى جانب الرجال. وساهم النشاط الرقمي في إبراز دورهن في الشارع. لكن، بعد الثورات، سرعان ما استُبعدن إلى حدٍّ كبيرٍ عن مراكز صنع القرار، وأُجبرن مجددًا على العودة إلى الفضاء المنزلي. استخدمت علياء وأمينة نفس المنصات الرقمية التي ساعدت النساء على الحشد للثورة للتعبير عن رفضهن لهذا التراجع. واختارتا أسلوبًا صادمًا لإجبار المجتمع الذي بدأ يتجاهل النساء على إعادة النظر بأدوارهن، بأساليب متطرفة تشبه الطرق التي استخدمتها حركات نسوية تاريخيًّا لجذب الانتباه.

أجساد النساء تثير “خوف المحافظين/ات” بسبب ارتباطها بمفاهيم العار والانحلال، وغالبًا ما تُناقش من منظور الطهارة أو الأمومة فقط.

لقد شكّل استخدام الجسد كأداة احتجاج تحديًا للنظام الأبوي بعد الثورة. ورغم المعارضات الشديدة، فإن الانتقادات نفسها عادت لتثبت أن هذا “الأسلوب المتطرف” قد نجح. واقعٌ كشف حقيقة الكراهية السافرة للنساء، وأثار الجدل حولها. فأجساد النساء تثير “خوف المحافظين/ات” بسبب ارتباطها بمفاهيم العار والانحلال، وغالبًا ما تُناقش من منظور الطهارة أو الأمومة فقط. لكن استخدامها سياسيًّا يتجاوز هذه الأطر، وهو ما يثير الغضب لأنه يُجبرك على رؤية أي امرأة كإنسان داخل هذا الجسد، لا كجسد وحسب.

وبالتالي، فإن احتجاج علياء وأمينة عبر التعري يسلّط الضوء على سؤال بنيوي أوسع، لا يتعلق بأساليب احتجاج النساء بقدر ما يتعلق باحتجاجهن بحد ذاته. بمعنى آخر، فإن الغضب الموجّه ضدهما لا يتعلق بالجسد الأنثوي العاري بحدّ ذاته، بل بنقل أجساد النساء، في سياق ما بعد الثورة، من الحيز الخاص إلى الحيز العام. أمرٌ سهّلته الوسائل الرقمية، حيث يشبه الفضاء الرقمي الفضاء العام، وهو حيّزٌ كان تقليديًّا حكرًا على الرجال. ومن خلال احتلال هذا الفضاء العام، تفرض أجساد النساء حضورها في الخطاب العام، ما يربك ويقوّض الوضع القائم الذي يتمحور حول الرجال.

ومن بين الذرائع التي قدمتها الشابتين رفضًا لسياسات الجسد، كان تأطير استخدامهن للتعري على أنه استيرادٌ غربي. فمن المألوف في الشرق الأوسط وصم نضال النسويات من أجل أي شكلٍ من أشكال الحرية بأنه مستورد من الغرب، كما لو أن الحرية حكر على نساء الغرب، والقمع جزءٌ أساسي من هوية النساء الشرقيات.

حسنًا، لا بد من تصحيح هذه الخرافة، فاعتبار النسوية ظاهرة “غربية” بطبيعتها هي فكرةٌ غير دقيقة بحد ذاتها. الأمر نفسه ينطبق على اعتبار التعري “شكلًا غربيًّا للاحتجاج”، فهو ليس سوى أداة تُستخدم لتقويض هذا النوع من الاحتجاج في الجنوب العالمي، وخصوصًا في الشرق الأوسط. علمًا أن التعرّي -تاريخيًّا- ليس ظاهرة غربية، إذ أن الأوروبيين هم من فرضوا اللباس على المستعمرات. كما كان الاحتجاج عبر التعري شائعًا في الجنوب العالمي عبر التاريخ، مثل: “حرب النساء” في نيجيريا عام 1929، حيث استخدمت النساء تعريهن لإذلال المسؤولين الاستعماريين، أو في الهند عام 2004 عندما احتجت أمهات مانيبور على اغتصاب جماعي ارتكبه الجيش عبر التعري ورفع لافتة “أيها الجيش الهندي… اغتصبنا” متحديات الجنود لارتكاب المزيد من العنف.

كما يظهر التعري أو قلة اللباس كأداة احتجاج في الغرب أيضًا، مثل حركة “سلات ووك” أو “مسيرة العاهرات” التي بدأت في كندا عام 2011 لمواجهة لوم الضحية/ الناجية في قضايا الاعتداء الجنسي، وحملة “فري ذا نيبل” او “حرري الحلمة” في الولايات المتحدة في العام 2012 احتجاجًا على الرقابة المتحيزة ضد حلمات النساء على وسائل التواصل الاجتماعي. أما القاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات في الشرق والغرب هو أن النساء يخضن النضال ذاته: مقاومة الأنظمة التي تسيطر على أجسادهن، وتحمّلهن اللوم كضحايا أو كناجيات، وتقوم بتشييئهن واختزالهن بإطارٍ جنسي. فرغبة النساء بالاستقلال الجسدي هي حاجة إنسانية مشتركة، وليست استيرادًا ثقافيًّا.

وإذا كان التعري فعلًا يتعارض مع معايير الاحتشام السائدة في مجتمعات ما بعد الربيع العربي، فبماذا يُبرَّر انتهاك الأجساد كوسيلة عقاب ضد النساء غير الخاضعات؟ فاختبارات العذرية، والعنف الجنسي، والتحرش بالنساء بعد الثورات، كلها تجرّد النساء -فعليًّا ومجازيًّا- من “احتشامهن”، وبالتالي فهي تعرّضهن للتعري بغرض العقاب.

كيف يمكن تبرير هذا “التعري المفروض”، إذا كان “تعري النساء كفعل احتجاج” فعلًا معيبًا ومخالفًا للاحتشام؟ تناقضٌ لا يكشف فقط خلل العلاقة بين الاحتشام والتعري، بل يوضح أن المشكلة ليست في أسلوب الاحتجاج وحسب، بل في احتجاج النساء بحد ذاته. ويتجسّد هذا التناقض بوضوح في حادثة الاعتداء على فتاة بميدان التحرير بالقاهرة عام ٢٠٢١، حيث جُرّدت من عباءتها خلال الاحتجاجات، فكُشف عن حمالة صدرها الزرقاء، وعُرفت الواقعة بـ”فتاة حمالة الصدر الزرقاء”.

وفي مثالٍ أحدث تعود لعام 2024 في إيران، قام أحد أفراد أمن جامعة آزاد الإسلامية في طهران بتمزيق قميص الطالبة آهو دريائي خلال مشادة بذريعة “عدم ارتدائها الحجاب بشكلٍ صحيح”. فقامت بخلع بقية ملابسها احتجاجًا، ليتم اعتقالها لاحقًا.

عندما لا يُسمح للنساء بتعرية أنفسهن، بينما يُسمح للدولة وأدواتها للقيام بذلك، فإن “العيب” لا يكمن في التعري، بل في من يملك سلطة تعريفه.

أما السؤال الأعمق الذي يبقى بلا إجابة لا يتعلق بأساليب الاحتجاج أو لفت الانتباه فحسب، بل بسبب تهميش النساء في الأصل، ما يدفعهن إلى “الصراخ” لاستعادة الاهتمام بقضاياهن؟ فإقصاء النساء بعد الثورات، ليس حكرًا على الربيع العربي، بل هو ظاهرة تتكرر عالميًّا عبر الأزمنة والثورات. ومن خلال رفض التجاوب مع مطالب النساء بشكلٍ كاملٍ ودمجها في مرحلة ما بعد الثورة، يعيد الرجال إنتاج البنى الأبوية وأدوار الجندر التقليدية التي عطّلتها الثورة مؤقتًا. والنتيجة: نظامٌ جديدٌ ظاهريًّا، لكنه يعيد إنتاج القمع والتهميش نفسيهما. بمعنى آخر، هو نظامٌ “جديد” فقط لأن الديكتاتور القديم قد رحل، غير أن أُسس الهيمنة الذكورية والبنية الأبوية لم تتبدّل وما تزال قائمة.

هل مكان النساء هو المنازل؟

عندما أفكر في الثورة، يتبادر إلى ذهني تمثال الحرية. هديةٌ يبلغ ارتفاعها ثلاثة وتسعين مترًا قدّمتها فرنسا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وترمز إلى الحرية والديمقراطية. تمثّل الأشعة السبعة في تاجها البحار السبعة والقارات السبع، في صورةٍ تهدف إلى إيصال فكرة انتشار الحرية في أنحاء العالم. لكن أكثر ما يلفت في تصميم تمثال الحرية هو جنسها، علمًا أنه لا توجد أية دولة في العالم على المسار الصحيح لتحقيق المساواة الجندرية بحلول عام 2030.

يبلغ عمر تمثال الحرية 139 عامًا، بينما يبلغ عمر الحركة النسوية 180 عامًا. وقد أشارت النسويات منذ زمنٍ طويل إلى مفارقة أن الحرية تتمثّل على هيئة امرأة، في حين أن النساء بالفعل يفتقرن إليها.

يبلغ عمر النظام الأبوي 12 ألف عامًا. في كل مرةٍ أطرح فيها موضوع تحرر النساء في نقاشٍ مع رجال، يردون: “ولماذا لم تقاوم النساء منذ البداية؟ لماذا لم يقاتلن؟ لو فعلْن ذلك لما استمر النظام الأبوي حتى اليوم.” الإجابة على ذلك، بطبيعة الحال، هي أن النساء قاومن، ولا يزلن يقاومن. وعندما رفعت النساء أصواتهن، واجهن أنظمةً قانونيةً واجتماعيةً رجعيةً تفرض عقوبات قاسية لردع أيّ تمرد. في هذا السياق مثلًا، تشير بعض النصوص السومرية المنسوبة إلى إصلاحات أوروكاجينا إلى قوانين نصّت صراحة على معاقبة النساء بالعنف، مثل “تحطيم أسنان المرأة بحجر اللبن/الطوب”، لردع أي مقاومة مستقبلية. لذا فالسؤال الصحيح ليس “لماذا لم تقاوم النساء؟” بل “لماذا يصرّ الرجال على دفع النساء اللواتي يقاومن النظام الأبوي إلى التراجع؟”

لقد ناضلت النساء -ولا يزلن- من أجل الحرية، بعرقهن ودمائهن وحيواتهن. شاركن في بناء الثورات، ووقفن جنبًا إلى جنب مع الرجال مطالِباتٍ بالتغيير. لكن ما إن يتحقق الهدف، حتى يُدفع بهن مجددًا إلى المنازل، ليس فقط من قبل الرجال الذين ثرن ضدهم، بل أيضًا من قبل الرجال الذين وقفن إلى جانبهم. هذا نمطٌ تاريخي عالمي، وقد شاع شعار “مكان النساء هو المنزل” بشكلٍ كبيرٍ في مراحل ما بعد الثورات.

خلال الثورة الأميركية، اضطلعت النساء بأدوارٍ حاسمة في المقاطعة وجمع التبرعات، بل وتنكرت بعضهن بزي الرجال للقتال إلى جانب الجنود. إلا أنه بعد انتهاء الحرب عام 1783، واجهت النساء عودةٌ صارمة إلى أدوارٍ مجندرة، في ما عُرف باسم “الأمومة الجمهورية”.

خلال الثورة الفرنسية، شاركت النساء مباشرة في أحداث محورية، منها مسيرة النساء إلى فرساي عام 1789. لكن مع تقدم الثورة، تم قمع نشاطهن السياسي، ما أدى إلى اعتقالهن وإعدامهن خلال ما عُرف بـ “عهد الإرهاب”.

وخلال ثورة شينهاي عام 1911 في الصين، شاركت النساء كمقاتلات ومنظمات وداعمات للتغيير الاجتماعي. وبعد الثورة، واجهن اعتراضات عنيفة، وتوقف التقدم مع عودة المجتمع إلى نموذج “الزوجات الصالحات والأمهات الحكيمات” الذي حصر النساء في المجال المنزلي.

أما خلال الثورة الروسية، لعبت النساء دورًا محوريًّا في إشعال ثورة شباط/ فبراير عام 1917، عندما طالبن بـ”الخبز والسلام” في اليوم العالمي للنساء. إلا أن المكاسب القانونية الأولية للنساء، مثل تسهيل الطلاق والإجهاض، تم تفكيكها لاحقًا بشكلٍ منهجي.

وخلال الثورة الإيرانية عام 1979، شاركت نساء من مختلف الطوائف والطبقات في الاحتجاجات والإضرابات التي أطاحت بالنظام الملكي. لكن فور نجاح الثورة، تم فرض قيود أساسية على حقوق النساء.

هل مكان النساء هو المنازل؟ لو كان مكانهن الطبيعي فعلًا -كما يدّعي النظام الأبوي- لما كنّ يغادرنه باستمرار، ولما كنّ يُدفعن للعودة إليه مرة بعد كلّ مرة. فماذا يمكن أن نتعلم من التاريخ؟

لماذا تُخيفهم حرية النساء؟

“يجب أن تخاف النساء من أيّة خطوة خارج نطاق المنزل. يجب أن تخاف من الخروج وحدها، من السفر، من القيام بأي شيء بمفردها خارج البيت. وإذا لم تكن خائفة من كل ذلك… فعندها يجب أن نخاف منها.”

لا تزال هذه الكلمات ترنّ في أذني، بعد عقود. قيلت لي عندما كنت شابة أحلم بالسفر إلى الخارج لمتابعة دراستي العليا، وهو أمرٌ لم يكن شائعًا في مجتمعي. كان المقصود من تلك الكلمات أن تُخجلني، أن تغرس فيّ “الفضيلة” المطلوبة: أن أكون فتاة خائفة وخجولة، وإلا فأنا منحرفة. لكن اليوم، هذه الكلمات هي التي ترشدني. في كل مرة أبدأ مغامرة جديدة ومثيرة ومخيفة بمفردي… أقول لنفسي: يجب ألّا أخاف، بل يجب أن أكون مصدر خوف. ولكن، مجددًا، لماذا يُفترض أن تُخيفهم حرّيتي؟

لقد فتحت الناشطية الرقمية نافذةً فريدةً أمام النساء، حيث يمكنهن أن يكنّ بمفرهنّ داخل المنزل (في غرفهن الخاصة)، وخارجه (عبر المنصات الرقمية العامة) في الوقت ذاته. وفي حين يستمر الرجال في دفعنا للعودة إلى المنزل، تتيح لنا الناشطية الرقمية فرصة بدء الثورات من هناك. ومع ذلك، فالأمر ليس سهلًا، إذ تبلّغ 70% من المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحافيات عن تعرضهن للعنف عبر الإنترنت. وهذا شكلٌ آخر من أشكال إجبار النساء على “العودة إلى المنازل”، أي محاولة إبقائهن خارج الفضاء الرقمي، حيث يترك لنا الرجال تعليقات مسيئة مثل “اذهبي واصنعي لي سندويشًا”.

أجلس في غرفتي الخاصة -مساحةٌ صنعتها لنفسي، مستلهمة نصيحة فرجينيا وولف الخالدة- وأنا أكتب هذه الكلمات. مساحةٌ خالية من المقاطعات المتكررة لدور “الزوجة” أو “الأم”. مساحةٌ بلا حرّاس بوابات النشر التقليدية. مساحةٌ أنا فيها وحدي تمامًا، ومع ذلك متصلة بآلاف المتابعين/ات، وبملايين المتلصصين/ات على حساباتي، مرحبًا بكن/م!). هنا أجلس عند تقاطع الحدود الضبابية بين الخاص والعام، أكتب هذا المقال في غرفتي لأشاركه لاحقًا مع العالم.

وأسأل نفسي: هل يجب أن أخاف؟ أم أنني أنا مصدر الخوف؟

أتساءل إن كان هذا ما فكرت به علياء المهدي قبل 15 عامًا عندما نشرت صورة احتجاجها العارية على الإنترنت: هل يجب أن أخاف؟ أم أنني مصدر خوف؟ لا يزال فعلها في توظيف الجسد ضمن النشاط الرقمي حاضرًا حتى اليوم، بعد ما يقارب 15 عامًا، مع استمرار النضال الأوسع حول أجساد النساء عالميًّا. وقد مهّد هذا الطريق لفهمي الشخصي للنشاط الرقمي وأشكال المقاومة الجسدية. من طهران إلى تكساس، من “المرأة، الحياة، الحرية” إلى “جسدي، خياري”، تواصل النساء حول العالم استخدام النشاط الرقمي للتعبير عن حقهن في الاستقلال الجسدي، وكشف أننا جميعًا، رغم اختلاف الأماكن، نواجه النظام الأبوي ذاته. إن معركة استقلال النساء معركةٌ عالمية، والتضامن بين النساء هو سلاحنا الأقوى.

يُربّى الرجال على أن النظام الأبوي أمرٌ طبيعي، وأن الامتيازات التي يمتلكونها حقوق طبيعية، وليست نتيجة بنية قائمة على التمييز الجندري. أما نحن النساء، فتجربتنا مختلفة. تُسيطر البنية الأبوية القمعية على أجسانا وحيواتنا، فنختبر الشخصي بوصفه سياسيًّا، ومن المستحيل ألّا نربط بين الأمور.

بالنسبة للرجال، الثورة هي إسقاط الديكتاتور الحاكم، وليس الديكتاتور الذي يكونونه داخل المنازل. أما بالنسبة للنساء، فثورتنا ضد الإثنين. لا نريد أن نقاوم ديكتاتور الشارع لنعود إلى ديكتاتور البيت. ويتم النظر إلى مقاومتنا على أنها تمرد فقط لأن قمعنا أصبح أمرًا مُطبّعًا.

هل يجب على النساء اللجوء إلى أساليب “متطرفة” -كالصراخ- كي يُنظر إلى نضالاتهن كجزءٍ أساسي من الثورة؟ هل ستستمر معاقبة النساء بذريعة اختيار “الطريقة الخاطئة” أو “الوقت غير المناسب” للفت الانتباه إلى قضاياهن؟ وهل هناك أصلًا وقت مناسب؟

وهل سنواصل مساءلة النساء “لماذا لم تقاومن؟” مع تعمّد تجاهل أساليب مقاومتهن المستمرة؟، أم سنبدأ أخيرًا بطرح السؤال الذي لا يزال بلا إجابة في معظم أنحاء العالم:

لماذا يخاف الرجال من تحرّر النساء؟

 

كتابة: فريدة د.

باحثة عربية في قضايا الجندر وشاعرة، تدرس أشكال القمع اليومية التي تواجهها النساء العربيات منذ أكثر من عقد.
هذا النص مترجم من اللغة الإنكليزية. للاطلاع على النص الأصلي الرجاء الضغط هنا.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد