
“نعود قبل الغروب خوفًا”..ماذا فعل إطفاء الأنوار بالنساء في مصر؟
"قرار الترشيد.. ثمنه أمان النساء": تحقيق في أثر الظلام على التحرش والخوف
“عندنا في البيت، ممنوع نيجي أبدًا بعد التاسعة مساءً”. تعكس شهادة دعاء حسين، كيف غيّرت إجراءات خفض استهلاك الكهرباء وإطفاء إنارة الشوارع طبيعة حياتها اليومية، وفرضت قيودًا صارمة على تحركاتها، خصوصًا في المساء.
دعاء، وغيرهما الكثير من النساء والفتيات في مصر، يتخوّفن من تبعات تطبيق الحكومة لقرار غلق المطاعم والمحال التجارية في التاسعة مساءً من أجل تخفيف استهلاك الطاقة مع تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار بسبب إغلاق مضيق هرمز. القرار الذي بات ساريًا منذ 27 آذار/مارس الماضي، تدفع ثمنه النساء من أمنهن النفسي والجسدي والاقتصادي والمهني على حدٍّ سواء.
في حوار مع “شريكة ولكن”، تعتبر دعاء أن قرار الأسرة لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجةً لشعورٍ متزايد بعدم الأمان في الشارع، ما دفعها إلى تقليص تواجدها خارج المنزل بشكلٍ كبير، “مبقتش أخرج مع أصحابي خلاص أو أقابل حد وسط أيام الأسبوع لأن لو قعدنا ساعتين بعد الشغل في مكان مش هنلحق”.
“هل يجب أن تترك النساء أعمالهن ويجلسن في المنزل للأبد؟!”
وأوضحت أن الخيارات في الخروج أصبحت محدودة ومشروطة بالمواعيد الجديدة، قائلة :”لو عايزة أنزل هيبقى جمعة وسبت ولازم أنزل أرجع بدري”. إذ ترى دعاء أن المخاطر في الشارع تتجاوز مجرد الظلام، فتمتد لانعدام إحساسها بالأمان في ظل غياب أية وسيلة للحماية أو المساعدة.
تقول: “بالنسبة لي أكون موجودة في الشارع بعد التاسعة مساءً هي مخاطرة كبيرة، لأن بيبقى عبارة عن رجالة فقط ولو أي حد تعرض لي ولا في حد استنجد به ولا في كاميرات…ناهيك عن وجود الكلاب كمان اللي مش هبقى شايفاهم من الضلمة”.
تتفق علياء أبو شهبه مع هذا الرأي، التي تقول لـ”شريكة ولكن” إنها “رغم إني معايا عربية بس أخاف أخرج بعد 9 مساءً، الظلمة بتكون رهيبة ومفيش غير رجالة وشباب في الشوارع مشغولين باللي رايح واللي جاي، إحساس الأمان راح خلاص”.
ترشيد الطاقة سيضاعف خطر العنف الأسري
تقرأ المُؤسِّسة والمديرة التنفيذية لمبادرة “سوبر وومن” آية منير قرار خفض الإضاءة ليلًا من زاوية الأمان الجندري، قائلةً: “الأزمة ليست في قرار ترشيد الطاقة، لأن كل الدول تمر بمثل هذه الأزمات، ولكن المشكلة في اتخاذ القرار بدون بدائل وحلول فعالية توفر للنساء استخدام آمن للشوارع والمواصلات العامة”.
“أول حاجة بيقولوا للستات طالما خايفين اقعدوا في البيت”!
وتضيف في حديثها لـ “شريكة ولكن”: “أسوا تبعات هذه الأزمة تحميل النساء المسؤولية كالعادة وترهيبهن في النزول للشارع”، لافتةً إلى أن “أول حاجة بيقولوا للستات طالما خايفين اقعدوا في البيت، لو الشوارع مش أمان متنزلوش، وكأن حرية حركة النساء في الفضاء العام رفاهية وليست ضرورة واحتياج طبيعي ويومي”.
“القرار سيؤدي لعودة الرجال مبكرًا للمنزل، ومن ثم زيادة العبء الرعائي على النساء، وتصاعد احتمالات العنف الأسري سواء كان عنف جنسي، جسدي ونفسي..”
آية منير، مديرة “سوبر ووامن”
وتابعت: “لدى النساء مخاوف حقيقية من التواجد في الشوارع بعد التاسعة مساءً، واستكمال حيواتهن بشكلٍ طبيعي”.
كما “لا تقتصر تبعات هذا القرار على النساء في الفضاء العام فقط ولكن تظهر جليًا في الفضاء الخاص”، بحسب آية التي توضح أن “القرار سيؤدي لعودة الرجال مبكرًا للمنزل، ومن ثم زيادة العبء الرعائي على النساء، وتصاعد احتمالات العنف الأسري سواء كان عنف جنسي، جسدي ونفسي. بالإضافة إلى حرمان النساء من المساحة الخاصة المتبقية لهن بعد نهاية يوم طويل من العمل ومتابعة اليوم الدراسي للأطفال/ات، وكانت بمثابة ساعتين خاليتين من العبء الرعائي، ولكن الآن كل أفراد الأسرة تجتمع مبكرًا في المنزل وهذا سيضاعف من دور النساء الرعائي”.
ولا شكّ في أن الخوف من تزايد العنف الأسري بفعل هذا القرار، ليس مجرّد تفصيلٍ عابر.
إذ تتخوّف الباحثة في برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية في مؤسسة المرأة الجديدة أميمة عماد من أن “النساء سيجدن أنفسهن محاصرات خارج المنزل وداخله، ليفقدن مع قرار خفض الطاقة أي متنفسٍ طبيعيٍّ في الحركة في الشوارع بأمان، بالإضافة إلى العنف الأسري الذي قد يتلقينه من الأزواج أو الآباء أو الشركاء اللواتي يضطررن لمقابلتهن لوقتٍ أطول”، مذكّرةً بأن “ليس كل المنازل مساحات آمنة للنساء، بل هي تصبح مساحات أكثر تقييدًا على حرياتهن في مثل هكذا ظروف”.
الظلام.. وتفاقم الخوف من التحرش
ردًّا على سؤال حول ما إذا كنّا أمام قرار بحظر غير على معلن على حياة النساء، تقول آية منير:”هو حظر معلن فعلًا، نلمس تبعاته مباشرة على النساء باعتبارهن الحلقة الأضعف، مثلما حدث وقت كورونا عندما بدأ الإغلاق العام أول من تأثر هنّ النساء من حيث فقد وظائفهنّ، مثلما كنّ أوّل من تحمّلن عبء العنف والدور الرعائي في المنازل”.
وتضيف: “صحيح أن المواطنين/ات بشكلٍ عام في مصر يعانون/ين من أزمة الأمان في الشارع، لكن النساء تحديدًا يعانين بشكلٍ مضاعف وبطريقة مختلفة عن الرجال، لأن هناك تقاطعية للنساء في الشوارع ما بين إنها ‘ست بشعرها -أي غير محجبة-، أو ست وأم ومعها طفل/ة، ست عاملة تضطرها ظروف عملها للتأخير والحركة في أماكن غير آمنة’، كلها تقاطعات تخلق أشكال من العنف من الممكن ألّا يتعرض لها الرجال”.
من ناحيتها، اقترحت مديرة “سوبر وامن” لتوفير الحد الأدنى من الأمان الذي يضمن للنساء حقهن في حرية الحركة والتنقل، لافتةً إلى “أهمية زيادة نقاط ودوريات الارتكاز الأمني، حيث يؤدي وجود نقطة ارتكاز أمني مع كل تقاطع لأربع طرق إلى تأمين لكل الاتجاهات”. كما أشارت إلى ضرورة “تشجيع الدولة لسكان العقارات السكنية وأصحاب المحلات من تركيب كاميرات المخصصة للعمل في الظلام، فهي وسيلة هامة لتوثيق أيّة حالات تحرش أو اعتداء تتعرض لها النساء في الشوارع، مع وجود متابعة فعالة ومستمرة من الجهات المسؤولة بالأحياء على هذه المحلّات حال مخالفتها عدم تركيب الكاميرات”.
“بعد قرار الغلق، تعرضت لكمية معاكسات وتحرش لفظي مرعبة أثناء عودتي للمنزل، ماكنتش بتحصل في الأيام العادية”.
وفي المقابل، شجّعت آية منير النساء على “اختيار الطرق ولمواصلات الآمنة بعناية لحماية أنفسهن خلال هذه الفترة التي تخضع لقرارات الترشيد في الطاقة”، مستدركة: “لكن بتمنى ألّا تعزف الستات عن الخروج والحركة مع الحفاظ على سلامتهن أولًا، ولكن مع الحرص في استخدام طرق عامة حتى لو مظلمة، فهي أكثر أمنًا من الطرق الفرعية.”
“أنا بروح الجيم -نادي الرياضة- وبخلص الساعة العاشرة مساءً، واليومين اللي روحتهم من بعد قرار الغلق، تعرضت لكمية معاكسات وتحرش لفظي مرعبة أثناء عودتي للمنزل، ماكنتش بتحصل في الأيام العادية، لإن الشوارع تحولت لبيوت أشباح من إطفاء أعمدة الإنارة وقفل المحلات، أنا وقفت الجيم وبقيت أخاف أساسًا أنزل بالليل لوحدي أصبحنا كستات متحددة إقامتنا ومضطرات للاعتماد على أخ أب أو زوج لو احتجنا النزول ليلًا”، تقول فاطمة علي.
من ناحيتها، تأثرت ضحى محمد (38 عامًا) نفسيًا بالقرار، ووصفت شعورها المقبض بـ”كأن الحياة وقفت، أنا بخلص شغلي الساعة 11 بالليل، برجع البيت والشوارع ضلمة ومخيفة، مش مرتاحة ولا مبسوطة، مبقاش عندنا كستات حتى رفاهية الخروج ولو ساعة بعد الشغل، مبقتش ألحق أشتري حاجه لنفسي، ومن شدة خوفي طلبت من أبويا ينزل ينتظرني عند مخرج محطة المترو حتى لا اضطر السير مسافة بمفردي للوصول للمنزل”. لتكمل: “الشارع أصبح مأوى للمتحرشين والكلاب الضالة خلاص”.
بقينا كستات صيدة سهلة للمتحرشين، الشارع الآن أصبح ملك للرجال فقط!
بينما كان للقرار تأثير سلبي على التطوير المهني لنادين يوسف التي اضطرت لوقف ذهابها للحصول على حصص دراسية. تقول: “الكورس في الشيخ زايد مسافة بعيدة من منزلي، وينتهي في الـ 10 مساء، ولحتى أوصل على المنزل تكون صارت 11. زمان كان ينفع لكن الشوارع دلوقتي مقلقة جدًا، ومش أمان لنا كستات نتحرك فيها ونروح نيجي بشكل طبيعي”.
تشاركها هذا القلق فاتن صبحي التي تقول: “كنت في وسط البلد، ونسيت موضوع إغلاق المضيق، لم أتمكن من العودة بسهولة للمنزل، بسبب استغلال سائقي المواصلات ورفع الأجرة نظرًا للزحام الشديد وتجمع الناس في وقتٍ واحد للعودة”. تكمل: “الشوارع تخوف، واضطريت اطلب مساعدة أحد افراد عائلتي يقابلني، علشان خفت أروح لوحدي”.
النساء يدفعن أثمان قرارات يتخذها الرجال: عبء اقتصادي إضافي على النساء العاملات
في سياقٍ متصل، تشير مديرة “سوبر وامن” آية منير إلى أن قرار ترشيد الطاقة “سيضاعف من العبء الاقتصادي على النساء العاملات، اللواتي سيلجأن لاستخدام مواصلات النقل الخاصة في ظل الإغلاق المبكر للمحلات وللخدمات، التي تؤدي لتحويل الشارع لكتلة من الظلام، ما يثير مشاعر الخوف لديهن في الشوارع، ومن ثم سيلجأن للمواصلات الخاصة للعودة لمنازلهن بسرعة”.
تؤكد رحاب مدحت المضاعفات الاقتصادية للقرار على النساء، فتعلّق: “أنا مرتبي ضاع من ساعة الإغلاق في دفع أجرة التطبيقات الذكية، لكي أحظى بتوصيلة آمنة من باب الشغل لباب المنزل، أثناء عودتي ليلًا. مضطرة عشان أحمي نفسي من التحرش في الشارع، ولأن المواصلات بتكون عبارة عن تكدس أجساد بشرية محشورة في الزحام بسبب ندرتها مع موعد الإغلاق”. وتتابع: “للأسف بقينا كستات صيدة سهلة للمتحرشين، الشارع الآن أصبح ملك للرجال فقط، وإحنا مضطرات ننزوي في بيوتنا من المغرب”.
“احتمالية ارتفاع معدلات التحرش والعنف في الفضاء العام مع ضعف الإضاءة.. أميمة عماد الباحثة النسوية في مؤسسة المرأة الجديدة”
من جانبها، تقول الباحثة في مؤسسة المرأة الجديدة أميمة عماد، أن “القرارات الاقتصادية تُتخذ دائمًا من قبل الرجال، ومن ثم يغيب في السياسات العامة المنظور الجندري الذي تدفع ثمنه النساء مضاعفًا. فمثلًا قرار خفض ساعات العمل سيؤثر أولًا على النساء العاملات في قطاع الخدمات والمحلات التجارية، فهن مهدَّدات في لقمة عيشهن بعد هذا القرار، ومعرَّضات لفقد وظائفهن، فأول من يتم الاستغناء عنهن/م في هذا القطاع يكون النساء”.
خفض إضاءة الشوارع ليلًا سيؤثر سلبًا على تطوير مهارات النساء عبر حرمانهن من حضور ورش تدريب، وبالتالي تقليل فرص تطويرهن المهني.
تتابع: “حتى لو لم تفقد النساء في هذه القطاع عملها، لكن تقليص ساعات العمل سيؤدي إلى تقليل الدخل، وهو ما يوقع النساء فريسة ارتفاع الأسعار والخدمات وآخرها رفع الحكومة لأسعار المحروقات قبل أيام قليلة من خفض ساعات العمل ليلًا وغلق المحلات في التاسعة مساءً”.
وتؤكد أن “رفع سعر المحروقات مع تخفيض ساعات العمل، سوف يجبر النساء على اختيار الوظائف الأقرب لمحل سكنهن، حتى لو كان أقل استقرارًا مادي، من أجل توفير تكاليف التنقل والمواصلات العامة، بجانب جميع تحركاتها المرتبطة بأدوارها الرعائية”.
ومن المتوقع، بحسب أميمة عماد، أن “تتوقف كثير من النساء بعد خفض إضاءة الشوارع ليلًا، وتحولها لمساحات غير آمنة من الانضمام إلى الأنشطة التعليمية بعد ساعات العمل، ما يؤثر سلبًا على تطوير مهاراتهن عبر الكورسات وورش تدريب، وبالتالي تقليل فرص تطويرهن المهني، لإن النساء سيفضلن العودة للمنزل مبكرًا في ظل غلق المحلات والخدمات، وقلة المواصلات”.
وحول النساء العاملات في القطاع الخدمي، مثل الممرضات والطبيبات -وهي مهن غير مُستثناة من قرار الإغلاق المبكر-، تتساءل باستنكار: “كم يبلغ راتب الممرضة لكي تنفقه يوميًا على تطبيقات النقل الذكي، بعد خروجها من المستشفى في وقت متأخر بعد إظلام الشوارع، في ظل قلة المواصلات العامة في هذا التوقيت؟ هل يجب أن تتحمل النساء من قوتهن اليومي لتوفير وسيلة مواصلات آمنة بسبب تخفيض الطاقة؟!”
أما عمّن قدمن من المحافظات القريبة للعمل في القاهرة، فتتساءل: “كيف ستتمكن امرأة عاملة من العودة ليلًا بأمان إلى محافظتها في ظل الظلام؟ وكيف سيتحمّلن عبء ارتفاع أسعار المواصلات؟”
لتختتم حديثها لـ”شريكة ولكن” : “هل يجب أن تترك النساء أعمالهن ويجلسن في المنزل للأبد؟!”