الجسد المستباح: نساء السودان بين سياسات الحرب وزنازين القمع

في زنزانةٍ ضيّقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، تضطر نحو 50 امرأة للتكدّس في فضاءٍ يفتقر لأدنى المقومات الإنسانية.

هنا، يُجرَّدن من ملابسهن ويُحرمن من الخصوصية تمامًا؛ وتحت وطأة صراعات لا ترحم، تخرج الناجيات وهنّ لا يحتمّلن حتى لمسة من أطفالهن. هذا ليس مجرد عارض لحرب عابرة، بل هو انعكاس لسياسة ممنهجة تتبعها القوى العسكرية والقمعية، حيث يُستخدم جسد المرأة كساحة حرب لإخضاع المجتمعات، وإسكات صوتها، وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية: الحق في الأمان.

توثيق حالة: أسبوعان بلا قدرة على الحركة

وفقًا لتقارير حقوقية موثقة، من بينها تقارير هيومن رايتس ووتش، تبرز شهادة الناجية “أمل” (اسم مستعار) كدليلٍ دامغ على هذا الانتهاك.

تروي أمل أنها “احتُجزت من قبل عناصر مسلّحة وتعرّضت للاغتصاب الجماعي المكرر نحو 15 مرة”. تصف أثر هذا الاعتداء الوحشي بأنها “بقيت لمدة أسبوعين كاملين عاجزة عن الوقوف أو المشي على قدميها نتيجة الإصابات الجسدية البليغة والنزيف، في ظلّ انعدامٍ تامٍّ لأي تدخل طبي أو إنساني”.

أمام حالة “أمل”، وأمام التقصير المخزي والفاضح في حماية النساء في مناطق النزاع، حيث يُستخدمن كوقود لهذه الحروب، ليخرجن منها “محطمات” جسديًّا ونفسيًّا، لا بدّ من التساؤل عن دور منظمات الحقوق الدولية التي تدعي الدفاع المستميت عن حقوق النساء في محافلها. فكيف يمكن لامرأة أن تتعرض للاغتصاب أكثر من 15 مرة بينما يقف العالم متفرجًا؟

السودان: العنف الجنسي كتكتيك عسكري

منذ اندلاع النزاع في السودان في 15 نيسان/ أبريل 2023، تحول العنف الجنسي إلى “سلاح حرب” استراتيجي تستخدمه الأطراف المتنازعة لإذلال المدنيين/ات وتدمير النسيج الاجتماعي.

وبناءً على إفادات من معتقلات في مناطق مختلفة، تبرز أساليب تعذيب ممنهجة تشمل الإجبار على وضعيات قسرية، وهي من ضمن أساليب تعذيب جسدي حيث تُجبر النساء على اتخاذ وضعيات مؤلمة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى انهيار الوظائف الحيوية والجسدية.

ومن بين أساليب التعذيب أيضًا أشارت الإفادات إلى الحصار النفسي، عبر فرض التعري القسري والضغط النفسي لكسر القدرة على المقاومة وإحداث صدمة توازي ألم الانتهاك الجسدي.

ناهيك عن غياب البيانات الرسمية، فبالرغم توثيق مئات الحالات، إلا أن الأرقام الحقيقية تظل مخفية بسبب الانهيار الأمني والخوف من الوصم الاجتماعي الذي يمنع الضحايا من التبليغ.


في ظل تكرار هذه الجرائم الممنهجة التي تحميها بنية عسكرية تسمح باستدامة الانتهاك دون محاسبة، لا بد من موقفٍ حازم لهذا الانتهاك الصارخ للمواثيق الدولية لوضع حد لاستباحة كرامة النساء. نحن لا نطالب بعطف، بل نطالب بتفعيل العدالة الدولية وحماية حق النساء في العيش بكرامة وأمان.

إن صمت المجتمع الدولي هو سماح باستمرار هذه الجرائم، وصوتنا سيبقى مرتفعًا حتى تُغلق زنازين القمع وتنتهي سياسة استباحة الأجساد.

كتابة: دينا تايه

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد