المشاريع المنزلية.. هل تلقي بحبل النجاة للنساء؟

“وصلت ليومي الأسود وما معي ولا قرش”، تقولها سناء “اسم مستعار” بحسرةٍ باديةٍ في صوتها.

دعتني للدخول إلى منزل والديها في دمشق حيث انتقلت مؤخرًا بعد طلاقها، جلستُ إلى جانبها وهي تلف ورق العنب. “زبونتي مستعجلة عالطلبية لا تواخذيني رح أحكي وأنا عم أشتغل”، تقول موجهةً حديثها لي.

لم تكن رائحة البهارات تُملي أرجاء المكان بقدر عبق الإرادة الذي حاولت سناء من خلاله ترميم تصدعات حياتها بعد الطلاق، مُجسّدةً صورة النساء اللواتي يخضن معارك يومية في سبيل العيش بكرامة.

وصفة العيش مقاديرها غالية

لجأت العديد من النساء مؤخرًا إلى العمل من المنزل لتخفيف الأعباء الاقتصادية وإعالة أنفسهن وعائلاتهن في ظل الظروف المعيشية الصعبة.

من هذه السيدات “سناء”، أم منفصلة لديها طفلتان، تعمل في الطبخ المنزلي، وتعيش واقعًا صعبًا لأنها اضطرت فجأة إلى العمل لتعيل نفسها وطفلتيها وتخفف الأعباء المادية عن والدتها التي أصبحت تسكن معها بعد الطلاق.

تشرح الامرأة عن صعوبة التوفيق بين الأعمال المنزلية اليومية وتحضير الطلبيات للزبائن، مؤكدةً أن الـ24 ساعة لم تعد كافية، خصوصًا مع حرصها على أداء الأدوار الملقاة على عاتقها كأم تجاه طفلتيها ورعايتهما وتدريسهما.

تتابع: “الموضوع يزداد صعوبة مع زيادة تكاليف المواد الغذائية، التاجر لا يرحم والأسعار تحلّق بشكل رهيب”.

وبذلك، تحارب سناء على جبهات متعددة في آن واحد.. نظرة المجتمع، والارتفاع الجنوني للأسعار.

بين الرغبة بالعمل والخوف من الاستغلال

تختلف تجربة أم سامر، فهي تعمل في التسويق الإلكتروني وتصفه بأنه خيارها والمشروع الذي تحب.

تقول لـ”شريكة ولكن” إن أولادها ومنزلها “رقم واحد”، ومن ثم يأتي مشروعها الذي يتيح لها التوفيق بينهما لأنه عن بعد “أونلاين”.

مع ذلك، تعاني أم سامر والتي تقطن في ريف دمشق من انقطاع الكهرباء والإنترنت، ما يشكل تحدّيًا كبيرًا أمام سير عملها ويؤخره.

تضيف: “تأخير شحن البضائع أيضًا يعد عائقًا ويتسبّب في تأخير طلبات الزبائن، لا يوجد مواعيد محددة مُتفق عليها بعقد نظامي وبالتالي التأخير ممكن في بعض الأحيان”.

وتروي أم سامر أن لديها بعض التخوفات بسبب قصة حدثت مع صديقة لها تعمل في المجال نفسه، إذ بعد دفعها مبلغ شحنة كاملة من البضائع لمُورّد تتعامل معه، وصلت الشحنة ناقصة وتعرضت السيدة لاحتيال مالي.

تطرح هذه التجارب تساؤلات واسعة حول مدى أمان هذه الأعمال وإمكانية تنظيمها من قبل جهات رسمية ومسؤولة لمنع تعريض السيدات رائدات المشاريع المنزلية لأضرار كبيرة.

مَن يُوفّر حماية قانونية للنساء؟

“سناء” و”أم سامر” ليستا من ضمن الحالات الإنسانية وحسب، بل تجسيد حيّ للفراغ الذي يتركه القانون، حيث تعمل الكثيرات من النساء في سوريا دون مظلة قانونية تحميهن لعدم وجود قانون خاص بتنظيم العمل الرقمي حتى اليوم.

في هذا الشأن تشير المحامية نور قندلفت لـ”شريكة ولكن” إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية في القانون السوري يشمل جرائم النصب والاحتيال، التهديد، القدح والذم وغيرها من الجرائم عبر الإنترنت.

وتفيد قندلقت بضرورة إثبات وتوثيق عملية النصب والاحتيال عبر المحادثات أو التسجيلات الصوتية، والتقدّم بمعروض أمام النيابة، ليتم تحويله للجهة المختصة بالنظر في الجرائم الإلكترونية.

تواجه النساء اللواتي يعملن من المنازل عدة تحديات، مثل العزلة المهنية نتيجة نقص التفاعل الاجتماعي والمهني مع الزملاء.

تتابع: “يتم تفريغ وسائل الإثبات الإلكترونية المتعلّقة بالجرم من تسجيلات ومحادثات وغيرها بعد الحصول على إذن من النيابة، والتأكد من صحة الادعاء، ومن ثم تُكيّف النيابة الجرم وتُحيله إلى المحكمة المختصة أصولاً”.

وتنصح المحامية النساء بـ”توثيق أعمالهن الرقمية عبر عقود إن أمكن ذلك”، لافتةً إلى أهمية زيادة الوعي القانوني لتُحصّل النساء حقوقهن ومنها “طلب ضمانات، التأكد من ترخيص الشركة التي تعملن معها، رفض التوقيع على أيّة ورقة، عدم اللجوء لمكالمات “الفيديو”، والامتناع عن إعطاء معلومات الهوية أو إرسال الصور الشخصية لأي شخص”.

كما يمكن للسيدات أن يستشرن خبيرًا قانونيًّا عند تقديم أي عرض لهن ليوجههن قانونيًّا ويضمن حمايتهن من الوسائل الاحتيالية، بحسب رأي المحامية.

العمود الفقري “غير المرئي” للاقتصاد

ترى الباحثة الاقتصادية آية القربي أن “ريادة النساء للأعمال من المنزل ركيزة أساسية في الاقتصاد الحديث لأنها تسهم بتحسين الدخل الأسري وسدّ احتياجات الأسرة المادية في ظل التضخم وارتفاع الأسعار”.

وتضيف القربي أنها تساعد في “توفير احتياجات النساء الخاصة وتُقلّل نسب البطالة بين النساء من خلال توفير فرص عمل مرنة، ما يرفع القوة الشرائية ويحفظ الكثير من البيوت من الأزمات المالية”.

وتقول الباحثة لـ”شركة ولكن” إن “استغلال المهارات غير المرئية من خلال تحويل المهارات المنزلية كالطهي والحرف اليدوية والخياطة إلى منتجات قابلة للتسويق يمنح هذه المهارات قيمة اقتصادية مرئية”.

لا تزال بعض المجتمعات تنظر لعمل النساء من المنزل بشكل غير جاد.

وتشرح القربي عن التحديات التي قد تواجه النساء بهذا العمل، كالعزلة المهنية نتيجة نقص التفاعل الاجتماعي والمهني مع الزملاء، وضعف المبيعات بسبب الظروف الاقتصادية العامة، لافتةً إلى النظرة الاجتماعية، إذ لا تزال بعض المجتمعات تنظر لعمل النساء من المنزل بشكل غير جاد.

وعن مقترحات الباحثة لتعظيم الفوائد الاقتصادية لعمل النساء من المنزل، تحدثت عن “التدريب والتمكين الرقمي عبر السعي لتوفير دورات تدريبية متخصصة للنساء، وتسهيل التسويق والتسليم من خلال إنشاء منصات إلكترونية ومبادرات تربط بين المنتجات المنزلية والأسواق المحلية، وتوفير خدمات توصيل مدعومة”.

تردف: “بالإضافة إلى تقديم دعم مالي وقانوني وتقني، كتسهيل الحصول على قروض متناهية الصغر للمشاريع المنزلية، وتوفير إطار قانوني يحمي حقوقهن، وبنية تحتية رقمية توفّر إنترنت سريع وموثوق للمنازل بأسعار معقولة لضمان استمرارية العمل”.

وتذهب القربي أبعد من ذلك إلى “تغيير النظرة الاجتماعية من خلال نشر الوعي بأهمية عمل النساء من المنزل كعمل منتج ذو قيمة اقتصادية، وليس مجرد تسلية أو هواية”، مشيرةً إلى أهمية تسليط الضوء على قصص النجاح.

وتؤكد القربي أن عمل النساء من المنزل يعد خيارًا استراتيجيًّا يعزز من التنمية الاقتصادية الشاملة، ويحقق التمكين المالي للنساء خصوصًا مع تطور التكنولوجيا التي سهّلت الوصول إلى الأسواق.

بين نجاة النساء عبر مشاريع ريادة الأعمال من منازلهن، وغياب الوعي القانوني الكافي والتذبذب الاقتصادي، تبقى النساء عرضةً للاستغلال والانتقاص من حقوقهن المادية والمعنوية.

وتقع على عاتق المجتمع والسلطة مسؤولية توفير بيئة قانونية واقتصادية واجتماعية تُنظّم عمل النساء، وتُحصنهن ماديًّا، وتضمن لهنّ حياة كريمة بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية التي نصّت على تمكين النساء، لأنها تشكّل حجر الأساس لبناء مجتمع تُشارك النساء بكل طاقاتها وإمكاناتها في بنائه.

كتابة: مارينا منصور

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد