“قضايا المرأة” تنظم مائدة مستديرة لمناقشة مشكلة العنف التوليدي في مصر

نظمت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أمس الاثنين 6 تموز/ يوليو الجاري، مائدة مستديرة بعنوان ” العنف التوليدي: نحو خدمات صحية إنجابية قائمة على الاحترام والكرامة وحقوق النساء”، في ضوء النقاشات الأخيرة عن تجارب النساء أثناء الحمل والولادة، وما تُثيره من تساؤلات حقوق النساء في ولادة آمنة ومحترمة ومدى توفر الرعاية الصحية بجودة.

وحضر المائدة عدد من النواب/ات، الأطباء/ات، حقوقيون/ات، ممثلون/ات عن المجتمع المدني والهيئات النقابية والأكاديمية والمهنية، وخبراء/ات بمجال الصحة والحقوق الإنجابية.

 

“نحتاج لإنشاء آلية آمنة وسريعة لتلقي شكاوى النساء بشأن الانتهاكات التي قد يتعرضن لها أثناء الحمل أو الولادة،.. فريدي البياضي، عضو مجلس النواب

أكد النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، أن ضمان كرامة المرأة أثناء الحمل والولادة يمثل حقًا دستوريًا وإنسانيًا أصيلًا، مشددًا على أن معالجة العنف التوليدي لا يمكن أن تقتصر على مساءلة الأطباء/ات فقط، بل تستوجب إصلاحًا شاملًا للمنظومة الصحية وظروف عمل الفرق الطبية.

وأوضح البياضي، مستندًا إلى خبرته كطبيب، أنه عايش ضغوط العمل داخل مستشفيات الولادة خلال فترة تدريبه، مشيرًا إلى أن كثافة الحالات ونقص الموارد البشرية يفرضان ضغوطًا كبيرة على الأطباء والتمريض، وهو ما يسهم في وقوع ممارسات مسيئة للنساء أثناء الولادة، إلى جانب وجود تجاوزات فردية ينبغي التعامل معها.

وقال إن الخطوة الأولى لمواجهة الظاهرة تتمثل في الاعتراف بوجودها، مع ضرورة قياس حجمها بصورة علمية ومنهجية. وأضاف أن غياب بيانات رسمية حول مدى انتشار العنف أو سوء المعاملة أثناء الولادة يحول دون وضع سياسات فعالة لمعالجته، مؤكدًا أن تشخيص المشكلة بدقة هو الأساس لأي تدخل ناجح.

ودعا إلى إعداد بروتوكول وطني للرعاية المحترمة أثناء الحمل والولادة بالتعاون بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء، مشيدًا بإعلان النقابة إصدار الميثاق الوطني للرعاية الآمنة والكريمة، واعتبره خطوة إيجابية يمكن البناء عليها.

كما شدد فريدي على أهمية تفعيل مفهوم “الموافقة المستنيرة”، من خلال تقديم شرح واضح للمرأة بشأن حقوقها والإجراءات الطبية المحتملة قبل توقيعها على أي موافقات، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تتيح للمريضة فهم حقوقها أو طبيعة التدخلات الطبية. وأكد أن تطبيق ذلك يتطلب أيضًا تحسين بيئة العمل وزيادة أعداد الأطباء/ات والتمريض والإداريين/ات بما يسمح بتقديم رعاية إنسانية حقيقية.

وطالب فريدي بإنشاء آلية آمنة وسريعة لتلقي شكاوى النساء بشأن الانتهاكات التي قد يتعرضن لها أثناء الحمل أو الولادة، بما يضمن سهولة الإبلاغ وفعالية الاستجابة.

وأكد أيضًا ضرورة إدراج التدريب الإلزامي على أخلاقيات التعامل مع المرضى والرعاية المحترمة ضمن برامج إعداد الأطباء وأعضاء الفريق الطبي، مشيرًا إلى أن هذا الجانب لا يحظى بالاهتمام الكافي في التدريب المهني الحالي.

كما دعا إلى تعزيز دور القابلات (Midwives) والتمريض من خلال التدريب والتأهيل، والاستفادة من التجارب الدولية التي تعتمد على القابلات في متابعة الولادات الطبيعية منخفضة الخطورة، بما يسهم في تحسين جودة الرعاية وتخفيف الضغط عن المستشفيات.

واختتم النائب البرلماني مداخلته بالتأكيد على أهمية إدراج تقييمات وتجارب المريضات ضمن معايير جودة واعتماد المستشفيات، بحيث تصبح آراء النساء ورضاهن عن الخدمة المقدمة أحد المؤشرات الأساسية لتقييم أداء المؤسسات الصحية، إلى جانب المعايير الفنية والإدارية.

 العنف التوليدي نتاج سياسات صحية واقتصادية ممتدة” .. نانا أبو السعود، باحثة في مجال الصحة الإنجابية

ومن جهتها، قالت الباحثة في مجال الصحة الإنجابية نانا أبو السعود إن النقاش حول العنف التوليدي ينبغي ألا يخلط بين مستويين مختلفين من الأزمة؛ الأول يتعلق بأوجه القصور المزمنة في النظام الصحي، والثاني يتمثل في التطبيع المجتمعي والمؤسسي مع العنف، مؤكدة أن فهم العلاقة بين هذين المستويين يمثل المدخل الأساسي لوضع سياسات فعالة للحد من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة.

وأوضحت نانا أن مشكلات نقص المستلزمات الطبية والوقائية، وساعات العمل غير الآدمية للأطقم الطبية، وضعف الإنفاق على الصحة، تمثل جميعها مظاهر لقصور النظام الصحي، لكنها لا تفسر وحدها ممارسات العنف التوليدي. وأضافت أن هناك بيئة تسمح بتطبيع هذه الانتهاكات والتعامل معها باعتبارها أمرًا اعتياديًا، وهو ما يتطلب التعامل معه باعتباره قضية مستقلة، وإن كانت تتقاطع مع أزمة النظام الصحي.

وأكدت أن البلاد تمتلك بالفعل قدرًا كبيرًا من البيانات التي تكشف حجم الأزمة، مشيرة إلى وجود إحصاءات رسمية حول أعداد الأسرة في المنظومة الصحية، فضلًا عن تقارير صادرة منذ جائحة كورونا عن منظمات المجتمع المدني توثق الظروف الطاردة للأطباء/ات وأطقم التمريض، وما تسببه من هجرة الكفاءات وتفاقم العجز في تقديم الخدمات الصحية.

وأضافت أن استمرار هذه الأوضاع قد يقود إلى مزيد من التدهور في قدرة النظام الصحي على توفير الخدمات الأساسية، مشيرة إلى أن نقص الكوادر الطبية أصبح تحديًا حقيقيًا في عدد من الدول التي تضطر فيها النساء إلى السفر للحصول على خدمات صحية أساسية.

ولفتت نانا إلى أن المقارنة مع النظم الصحية في الدول الأوروبية ليست ضرورية لفهم المشكلة، إذ يمكن الاستدلال بتجربة القطاع الاستثماري والسياحة العلاجية داخل مصر، حيث تقدم بعض المؤسسات الصحية خدمات متقدمة في مجالات مثل الإخصاب المساعد للمرضى/ات القادمين/ات من الخارج، مع الالتزام بمعايير مرتفعة في التعامل واحترام المرضى، وهو ما يعكس – بحسب قولها – قدرة المنظومة على تقديم رعاية مختلفة عندما تتوافر الحوافز الاقتصادية.

وشددت على أن اختزال العنف التوليدي في أخلاقيات الأطباء/ات أو أفراد التمريض لا يعكس حقيقة الأزمة، معتبرة أن جذور المشكلة ترتبط بسياسات اقتصادية ممتدة أدت إلى إضعاف المنظومة الصحية وعدم الالتزام بالمخصصات الدستورية للإنفاق على الصحة، وهو ما انعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين/ات.

واختتمت نانا أبو السعود الباحثة في مجال الصحة الإنجابية، مداخلتها بالتأكيد على أن النساء يتحملن العبء الأكبر لهذه السياسات باعتبارهن الحلقة الأضعف داخل المنظومة الصحية، مشيرة إلى أن العنف التوليدي يمثل أحد أكثر صور الخلل وضوحًا، لأنه يقع خلال تجربة الحمل والولادة التي تتسم بطبيعتها بالحساسية والاحتياج إلى أعلى درجات الرعاية والاحترام، بينما يؤدي التطبيع مع العنف إلى مضاعفة قسوة هذه التجربة.

“نقص المستلزمات الأساسية يكشف أزمة تمويل الصحة”.. ماجي سليمان، مسؤولة برنامج الصحة الإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة

أكدت ماجي سليمان، مسؤولة مسؤولة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن العاملين/ات بالقطاع الصحي، وخاصة المشاركين/ات في القوافل والعيادات المتنقلة، يبذلون جهودًا كبيرة لتقديم خدمات الرعاية الصحية والتوعية للفئات الأكثر احتياجًا، رغم ما يواجهون/ن من نقص حاد في الإمكانات.

وأوضحت ماجي أنها شاركت على مدار سنوات في متابعة عمل العيادات المتنقلة والقوافل الطبية ميدانيًا، ولاحظت حرص الأطباء/ات وأطقم التمريض على إيصال المعلومات الصحية وتقديم الخدمات للمواطنين/ات، مؤكدة أهمية الإشارة إلى النماذج الإيجابية داخل المنظومة الصحية إلى جانب رصد أوجه القصور والانتهاكات.

وأضافت أن هذه الجهود كانت تصطدم في كثير من الأحيان بنقص أبسط المستلزمات الطبية، مثل القفازات الطبية والقطن والمطهرات، وهو ما اضطر مؤسسات المجتمع المدني، وأحيانًا الأطباء/ات وأطقم التمريض أنفسهم/ن، إلى توفيرها على نفقتهم/ن الخاصة لضمان استمرار تقديم الخدمة.

واعتبرت مسؤولة برنامج الصحة الإنجابية أن هذا الواقع يعكس استمرار أزمة تمويل القطاع الصحي، متسائلة عن مدى الالتزام بتوفير المخصصات الكافية للصحة بما يضمن تقديم خدمات لائقة وآمنة للمواطنين/ات.

  

“مكافحة العنف التوليدي تتطلب بيانات وتشريعات وتمويلًا كافيًا”.. أميرة صابر، عضوة مجلس الشيوخ

قالت النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ، إن قضية العنف التوليدي قطعت شوطًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن المصطلح نفسه لم يكن متداولًا أو مستقرًا عند بدء العمل عليه قبل نحو ثماني سنوات، عندما شاركت مع عدد من الباحثين/ات ومؤسسات المجتمع المدني في ترجمة الأدبيات الدولية المتعلقة بـ”العنف التوليدي”، وهو ما يعكس حجم التطور الذي شهده النقاش العام حول القضية.

وأوضحت أن الاهتمام الحالي بالملف لم يأتِ من فراغ، وإنما هو نتاج سنوات من العمل الميداني والبحثي والنقاشات التي قادتها مؤسسات المجتمع المدني والباحثون/ات، معتبرة أن الجدل الذي أثارته الشهادات الأخيرة حول العنف التوليدي منح القضية زخمًا أكبر، لكنه كشف أيضًا عن واقع كانت تعرفه بالفعل قطاعات واسعة من المتعاملين/ات مع المنظومة الصحية.

وأكدت أميرة أن التحدي الأكبر الذي يواجه صناع السياسات يتمثل في غياب البيانات والإحصاءات المحدثة، مشيرة إلى أن المشرعين/ات والباحثين/ات ومنظمات المجتمع المدني يحتاجون/ن إلى قواعد بيانات دقيقة ومؤشرات واضحة حتى يتمكنوا من صياغة سياسات وتشريعات تستند إلى الأدلة، لا إلى الانطباعات. وأضافت أن محدودية إتاحة البيانات في عدد من الملفات الصحية والاجتماعية تعرقل الوصول إلى حلول فعالة.

وشددت عضوة مجلس الشيوخ على أهمية استمرار التعاون بين مختلف الأطراف، بما يشمل المشرعين/ات، والأطباء/ات، والباحثين/ات، ومنظمات المجتمع المدني، مؤكدة أن الإصلاح التشريعي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن الحوار مع أصحاب الخبرة والمعنيين/ات بتطبيق السياسات على أرض الواقع.

وأشارت إلى أن التوصيات التي خرجت عن مائدة مستديرة نُظمت قبل ست سنوات بدأت بعض ملامحها في الظهور داخل سياسات وزارة الصحة مؤخرًا، معتبرة أن تحويل التوصيات إلى إجراءات تنفيذية يحتاج إلى وقت وإلى وجود مسؤولين يتبنون هذه القضايا داخل الجهاز التنفيذي.

وفي السياق ذاته، لفتت أميرة إلى أهمية التوسع في تأهيل القابلات (Midwives) وإعادة الاعتبار لدورهن داخل منظومة الرعاية الصحية، موضحة أن وجود قابلات مدربات ومعتمدات يعملن وفق اختصاصات واضحة يمكن أن يسهم في تحسين جودة خدمات الحمل والولادة، مشيرة إلى أن وزارة الصحة بدأت مؤخرًا برنامجًا في هذا الاتجاه، وهو ما يتوافق مع توصيات سبق طرحها منذ سنوات.

وأكدت أن نقص التمويل المخصص لقطاع الصحة يمثل أحد الأسباب الجوهرية للأزمة، مستشهدة بما رصدته خلال الزيارات الميدانية للمستشفيات من تدهور في البنية الأساسية داخل بعض غرف الولادة، بما في ذلك غياب الحد الأدنى من الخصوصية والتجهيزات اللازمة، وهو ما ينعكس سلبًا على كرامة النساء وجودة الرعاية المقدمة لهن.

وأضافت أن تحسين أوضاع المنظومة الصحية لا يقتصر على زيادة التمويل الحكومي، وإنما يتطلب أيضًا توسيع برامج بناء القدرات والتدريب، والاستفادة من مبادرات المسؤولية المجتمعية لدعم المستشفيات وتوفير التجهيزات الأساسية، بالتوازي مع استمرار الضغط من أجل زيادة الإنفاق العام على الصحة.

وأكدت أن معالجة الظاهرة تستلزم تحقيق التوازن بين حماية حقوق المريضات وتحسين ظروف عمل الأطقم الطبية، محذرة من تحميل طرف واحد مسؤولية الأزمة في ظل الضغوط الهيكلية التي تعاني منها المنظومة الصحية، ومشددة على أن الحلول يجب أن تكون شاملة وتعالج جميع أبعاد المشكلة.

وفي ختام مداخلتها، دعت أميرة صابر، عضوة مجلس الشيوخ إلى التعامل مع العنف التوليدي باعتباره جزءًا من قضية أوسع تتعلق بثقافة العنف داخل المجتمع، مؤكدة أن الإصلاح يتطلب العمل على عدة محاور متوازية تشمل زيادة تمويل الصحة، ورفع كفاءة وتدريب مقدمي الخدمة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتفعيل التشريعات، ومن بينها قانون المسؤولية الطبية، بما يضمن حماية حقوق المرضى ومقدمي الخدمة على حد سواء. كما لفتت إلى أن التقليل من شكاوى النساء أو عدم التعامل معها بجدية لمجرد كونهن نساء يمثل في حد ذاته أحد أشكال العنف الطبي الذي يستوجب المواجهة.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد