لاجئات سوريات تحدّين الظروف .. خميرة تُضاعف المحبة وإبرة تخيط قدراً مشتركاً

لاجئات سوريات تحدين القدر، ضحكاتهنّ تملأ الأجواء والأنحاء، وأيديهن تصيب الناظر إليها بالدوار وهي تنتقل من عملٍ إلى آخر.

تتقلّب بين طيّات الأقمشة الملوّنة، وتراقص في الفضاء عجينةً تتلوّى على أنغام ثرثراتهن الضائعة بين الوجع والحنين والأمل.

عجينة مجبولة بتعب الأيام على صاج “أم رؤوف”

لاجئات سوريات قصة أم رؤوف

 

“أي أحد تسألينه عن صاج أم رؤوف يعرف أنه يقع في حي التربة”، بصوتٍ واضح، عالي النبرة، ينضح ثقة بالنفس، تتحدّث سماهر العلي عن باب رزقها.

فهي صاحبة فرن صاج وخبّازة معروفة في مخيّم برج البراجنة الواقع على التخوم الجنوبية للعاصمة بيروت، والذي بات يضمّ، منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، إضافة إلى اللاجئات/ين الفلسطينيات/ين، أخريات وآخرين سوريات وسوريين، لا تزال أعدادهن/م في مهب حسابات المنظمات الدولية والمرجعيات الرسمية اللبنانية.

منذ سنواتٍ عديدة، لجأت “أم رؤوف” من سوريا إلى مخيّم برج البراجنة حيث “لم أشعر يوماً أنني سوريّة في مخيّم ذي غالبيّةٍ فلسطينية. فالجميع هنا يعيش وسط جوٍّ من الإلفة والتعاون رغم ظروف العيش الصعبة، خلافاً لما يشاع بأن القلّة تولّد النقار”، تقول ممازحةً، وإن كانت مسحة من الأسى تُبدّل ملامح وجهها لبرهةٍ من الزمن، قبل أن تعود الضحكة لتزيّن وجهها.

يقصد الزبائن صاج “أم رؤوف” من داخل المخيّم وخارجه، وأشارت في حديثها مع “شريكة ولكن” إلى أن زبائنها “بمعظمهن/م من الفلسطينيات/ين، ولديّ صديقات فلسيطينينات، نتشارك معاً هموم الحياة ومصاعبها الكثيرة. فكلّنا نشرب من نفس الكأس المرّة”.

بدأت أولى فصول قصتها في المخيّم منذ 4 سنوات. وإن كانت كنيتها “أم رؤوف”، إلا أن الأيام لم ترأف بها أبداً.

هي المرأة السورية التي عانت من الحرب ولجأت وعائلتها إلى لبنان، فألمّت بها كل الصعاب، لتلقي بها أخيراً في رحاب هذا المخيّم، تقاسي الأمرّين. تمزج لقمة أبنائها بعرق جبينها، ولا تعرف سبيلاً لمواجهة مشاكلها إلا … الخبز.

وعن بداياتها في العمل، قالت: “منذ 4 سنوات وأنا أعمل كخبّازة. في السنة الأولى، كنت أداوم بشكلٍ يوميّ لدى أحد الأشخاص، وعندما قرّر إقفال فرنه، اشتريت منه المعدّات واستأجرت هذا المحل. وأصبحت مستقلّة تماماً منذ 3 سنوات ولا أزال”.

شيء واحد يبدّل نبرة صوتها، ذكرها لقائمة المأكولات التي تقدّمها. فهي تجيب بحسرةٍ غير مألوفة في كلامها: “تبدّلت جداً أنواع الطعام التي اعتدتُ أن أقدّمها. كنت أخبز المناقيش بنكهاتٍ مختلفة: الزعتر، الجبنة، الكشك، الحرّ، … لكن الظروف الماديّة الصعبة وغلاء هذه المكوّنات، وارتفاع أسعار الزيت والغاز، اجتمعت ضدّي وأجبرتني على تقديم… العجين فقط!”.

وأضافت: “أما إذا أراد أحد الزبائن أن يتناول مناقيش الصاج بنكهة معيّنة يفضّلها على سواها، فعليه أن يحضر معه لي الخليط المنشود، لينال مراده”.

كما تعتمد “أم رؤوف” تدابير أخرى إضافية صارمة للتحايل على ضيق الأحوال وغلاء الأسعار.

وعلى قائمة هذه الإجراءات، بل في مقدّمتها، تعاونها مع جارتها الخياطة التي تشغل محلاً مجاوراً. فهما تتقاسمان بالتساوي دفع فاتورة اشتراك موحّد للمولّد الكهربائي.

فرن أم رؤوف

تعمل “أم رؤوف” بمفردها على إدارة شؤون محلها. تفتحه عند الساعة الثامنة صباحاً طيلة أيّام الأسبوع، ولا تقفله إلّا في السابعة مساءً.

وما بين الصباح والمساء، مهمات تنجزها الواحدة تلو الأخرى من دون كلل. فلا وقت للراحة.

تبدّل جرّة الغاز الفارغة بأخرى ممتلئة؛ تنظّف المكان؛ “تستلم الصندوق”، على حدّ تعبيرها، فتحسب الوارد إليه من المال القليل الذي يدفعه الزبائن لقاء عجينتها الـ”غير شكل”.

وتتحسّر على الهارب منه إلى جيوب التجار. تلبّي الطلبات المتلاحقة، وغيرها من الواجبات المتتالية والمرهقة.

غير أنها في مواجهة دائمة مع جسدها، تتحدى آلامه المتراكمة على كاهلها. فأكدت في حديثها أنه “بسبب شدّة التعب والوقوف لساعاتٍ طويلٍة، أصبحت أعاني مؤخراً من الفتق في بطني. والوجع في أسفل ظهري، وهو مؤلم جداً، لكنني لا أستطيع أن أؤمّن كلفة العلاج والأدوية التي أحتاج إليها بسبب الغلاء المتزايد”.

لا تجيد “أم رؤوف” الكتابة ولا القراءة، إلا أن هذا الأمر لم يكبّلها يوماً، ولم يضعف عزيمتها أو يكبح جموح طموحها.

فهي المعيلة الوحيدة لعائلتها المؤلّفة من 6 أبناء وبنات منذ سنوات، والسبب بحسب ما أوضحت: “زوجي مصاب بتكلّس في الركبة، ما جعل حركته أصعب ولا يستطيع العمل. ويحتاج إلى إجراء عمليّةٍ أو أكثر في مفاصله ليتمكّن من المشي بشكلٍ سليمٍ. لكن، يا حسرة، كيف السبيل إلى علاجه والعين بصيرة واليد قصيرة؟!”.

لا تحظى “أم رؤوف” إلا بمساعدة بسيطة يقدّمها لها ابنها البكر بين الحين والآخر.  واللافت أنها مضطرة إلى تحمل عبء الأعمال المنزلية إضافة إلى عملها.

بينما ختمت قائلةً: “أنا مجبرة على أن أكون قويّة وقادرة على تأدية كل هذه المهام وتأمين حاجات عائلتي. فبناتي لا زلن صغيرات في السن ولا أستطيع الاعتماد عليهن”.

“جنى” معنوي لا يقدّر بثمن

 

لاجئات سوريات قصة ستديو جنى

“جنى استوديو” اسمٌ على مسمّى. أطلقته فاطمة على محترفها للأشغال اليدوية مستلهمةً إياه من اسم ابنتها الصغيرة “التي تكبر متأثّرةً بمثال أعلى – والدتها – التي تستمدّ منها القوّة وتفتخر بها. وقد تحذو حذوها يوماً ما، فتؤدّي دوراً قيادياً في المستقبل”، هكذا بدأت فاطمة حديثها مع “شريكة ولكن”.

وكأن فاطمة تحلم بصوتٍ عالٍ. لكن قسماً من حلمها تحقّق في هذا المكان المليء بالشغف، والمزيّن بابتسامات 45 سيّدة سورية ولبنانية وفلسطينية، يجتمعن لتطريز منتجاتٍ يدويّة.

هذه المبادرة أطلقتها فاطمة خليفة، التي لجأت إلى لبنان عام 2013 هرباً من الحرب في سوريا. هي خرّيجة معهدَي التجارة والتجميل، ومدرّبة سابقة للاجئات سوريات على التطريز الفلسطيني في إحدى المنظّمات غير الحكومية.

جمعت خبراتها المتراكمة طوال 6 سنوات لتحقيق هدف محدّد لم يخطر على بالها يوماً.

إذ قالت: “لم أحلم بذلك منذ طفولتي ولم أتخيّل يوماً أن أصبح سيّدة أعمال!”. لكن ها هي اليوم تدير مشغلاً “عابراً للجنسيّات والفنون”.

فهو بحسب تعبيرها “يقدّم نماذج تطريز من التراث اللبناني والسوري والفلسطيني، ويضمن لي لقمة عيش مستدامة، بعدما كنت أسيرة عمل مرتَهنٍ لتمويل منظّمة أجنبية. سألت نفسي إلى متى؟ في خضمّ الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية وانتشار فيروس كورونا!”.

وعلى الرغم من كل الظروف المناهضة لطموحها، تحوّل “ضرب الجنون” هذا إلى عملية تكسير منظّمة لصور نمطيّة كثيرة: دور المرأة في المجتمع؛ ارتهان اللاجئات السوريات وسواهن من المقيمات في المخيمات للذلّ والاستغلال، وغيرها الكثير.

وفي هذا السياق، علّقت فاطمة على الصورة التي يروّجها الإعلام عن السوريين والسوريات. فقالت إن الصورة الإعلامية منفصلة عن الواقع، وإذا حاولتُ ربط حياتي بما أسمعه في وسائل الإعلام، سينتابني الخوف ويكبّلني، بما أنني سأشعر وكأنّني في غابة تملؤها الوحوش”.

عوائق كثيرة اعترضت تحقيق المشروع، أبرزها، بحسب فاطمة، “القانون الذي يعيق تسجيل المحال، بما أنني سوريّة. وعلى الرغم من توسيع نطاق عملي ليشمل التعامل مع أشخاص من الولايات المتحدة الأميركية وسويسرا وألمانيا، إلا أن القانون يعرقل كل ما هو متعلّق بالشحن وتحويل الأموال”.

بينما لا تلقي فاطمة باللوم على “العقليّة اللبنانية”، “على العكس، لم أشعر بالتمييز مع التجّار اللبنانيين، فالجميع يعاملني كما يجب، كزبونة مثل غيري”، أضافت.

علاقة السيّدات العاملات في “جنى استوديو” “أروع ما تكون”، على حدّ وصف فاطمة.

تبدأ السيدة في أشهر التدريب الثلاثة التي تسبق المباشرة بالعمل الفعلي، وتتواصل إلى أبعد من التعاون إلى المحبة والتحوّل الجذري في نمط الحياة.

فكما أكدت فاطمة “السيّدات، على اختلاف انتماءاتهن، سرعان ما يدركن أهميّة تعليم بناتهن والحؤول دون تزويجهن في سنٍّ مبكر، وهذا ما يجعلني أثابر في عملي بتصميمٍ وإصرار”.

جنى ستديو

مخيّم برج البراجنة .. تجارب نسائية نموذجية

 
كم من من عبارات من نوع “لماذا تعمل المرأة؟ لماذا لا يعيل زوجها العائلة؟” سمعَتْها “أم رؤوف” وفاطمة حين قرّرن العمل خارج نطاق منزليهما.

هما المرأتان واللاجئتان السوريتان في مخيّمٍ فلسطيني قد يصوّره البعض على أنه بيئة غريبة، غير مألوفة بالنسبة للاجئات واللاجئين السوريات والسوريين، بينما الحقيقة أن اللجوء واحد والمصيبة تجمعهن!

تحدّت “أم رؤوف” كل الظروف القاسية والأحكام الأقسى، والنظرات المجحفة بحقّها، فكسرت صوراً نمطية عدة عن النساء واللاجئات.

هي التي غادرت منزلها لتعمل وتنال استقلالها المادي والمعنوي، وتؤمّن الاكتفاء لأسرتها.

وهي اللاجئة التي نزحت من بلادها، فأصبحت خير دليل على القدرة على تحدّي العوائق الاجتماعية والصعوبات الاقتصادية وتحقيق الإنجاز مهما كان متواضعاً، بفضل إرادتها.

أما فاطمة فترى أن “كل امرأة هي سيّدة أعمال بفضل إبرةٍ أو سنّارة الكروشيه أو ماكينة الخياطة أو لفّ ورق العنب، أو أي عمل خاص بها. كل سيدة قادرة على تأمين مدخول خاص بها وبعائلتها بفضل إرادتها من دون الرضوخ لأي شرط مسبق، لا الشهادة، ولا رأس المال”.

بينما ختمت “أم رؤوف” كلامها بالقول: “أن تكوني مستقلّة مادياً وتنفقين على نفسك وعلى أفراد عائلتك، أفضل بكثير من اللجوء إلى شخص، أي شخص، لطلب المال. هذا ما أقوله لبناتي: تعلّمْنَ وأمِّنَّ المال من تعبكنّ كي لا تحتَجْنَ إلى أحد أبداً”.

كتابة: بيرلا الراعي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد