ماذا يعني استدماج الذكورية في عقول النساء؟

يشكل استدماج الذكورية حجر الأساس للنظام الأبوي وإمكانياته في السيطرة والإقناع. وكان النصيب الأكبر في هذه العملية موجّهًا إلى النساء أنفسهن. إذ عمل النظام الأبوي، عبر مختلف المؤسسات والقيم، على تطبيع النساء مع اضطهادهن. وذلك لضمان عدم اعتراضهن على سلطته أو مواجهتها وتحديها. 

فلا يُمكن أن يضمن هذا النظام بقاء السلطة الذكورية وتواترها في المجتمع، دون أن يجعل من تُمارس عليهن/م ينخدعن/م بأساطير دونيتهن/م وتفوق قامعهن/م. تارة بالعنف المباشر، وتارة بخطابات التكريم الزائف الذي يجعل العنف والتمييز جزءًا من “حماية وتكريم النساء”.

ويمكن تعريف الاستدماج الذكوري بأنه أداة فكرية وسياسية يتخذها النظام الأبوي، من أجل بسط سلطته على عقول من يضطهدهن/م. وذلك من خلال آليات متعددة منها التنشئة الاجتماعية، والأعراف والتقاليد، والقيم الدينية والقوانين. كما ساهم ظهور مؤسسات كالإعلام والمؤسسات التعليمية في تقوية هذه الأداة والمساهمة فيها.

لذلك كان، ولا يزال، أثر الذكورية خطيرٌ على النساء. خصوصًا لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية تفرّق صفوف النساء، وتجعلهن رقيبات على أنفسهن وغيرهن. كما أنها تسلب قدرتهن على مواجهة النظام الأبوي، أو فهم أنه السبب في العنف والألم الذي يختبرنه، والقيود التي يعشن تحتها. وبالتالي، يكون العنف الأبوي الصورة الأكثر خطورة على حياة النساء وسلامتهن.

تضع الذكورية النساء في منافسة شرسة بين بعضهنّ، وتُغذي شعور الكراهية بينهنّ حتى يأكلهنّ من الداخل ويُسمم علاقتهنّ بأنفسهنّ وبالنساء الأخريات.

أول ما نتعلمه هو كراهية أنفسنا

منذ الولادة تستقبلنا الأسرة والمجتمع بحزمة من القيم والسلوكات الذكورية التي يتم تقديمها كأوامر حازمة وفطرة أزلية.

نتنفس الذكورية في الهواء، ونسمعها عندما نستيقظ، وتدّرس لنا كتعاليمٍ سامية. تُمارس ضدنا في الطب والمؤسسات، ونتعرّض بسببها للعنف. يصعب على إحدانا النجاة منها أو عدم تصديقها واستدماجها كحقيقةٍ مطلقة.

تصبح التنميطات والأساطير الأبوية مسارًا وحيدًا، نصدّقه ونمارسه على أنفسنا وغيرنا من النساء. وحتى بعد اكتسابنا الوعي النسوي، تبقى ترسّبات الوعي الذكوري مرافقةً لنا لوقتٍ طويل. حيث تكبح تقديرنا لأنفسنا، وربما تتسرب بغير قصدٍ تجاه الأخريات.

نبدأ في سماع عبارة “نقص ودونية النساء” منذ الطفولة، وعوضًا عن أن نكون فتيات صغيرات نتعلم الاستمتاع بالحياة ونتعلم كيف نقدر أنفسنا، تهاجمنا القيم والمؤسسات الأبوية. تقول لنا إن “النساء ناقصات عقل ودين”، و”لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”.

يُغرقوننا في أوهام أن النساء سبب كل البلاء، وأن مكاننا هو المطبخ، ومهما درسنا وعملنا، فإن مهمتنا العظمى هي أن نكون أمهات وزوجات. يقولون لنا أننا عورات وأننا سبب للفضيحة وأننا ابتلاء عظيم وسبب لدخول رجال عائلتنا النار. يرددون: وجوهنا “عورة”، أجسادنا “عورة”، وأننا عرِض كل رجال الشعب، و”الشرف” أسطورة في أجسادنا.

تتردد هذه الخطابات على مسامعنا، حتى نسمع صداها داخلنا. يبدأ الاعتقاد أننا لا يمكن أن نكون غير هذه الصورة الذكورية. وتبدأ الكراهية في الترسّخ داخل أغلبنا، حتى تصبح الشعور المرافق لنا والمُحدد لنظرتنا إلى الأخريات.

ماذا يعني استدماج الذكورية بين صفوف النساء؟

 الذكورية هي نظام قيم وسلوك وقوانين وتشريعات، يقوم عليها النظام الأبوي. كما يسيطر بها على المجتمعات، ويستخدمها في إخضاع النساء وأفراد ومجتمعات الميم-عين لسلطة الأبوية الغيرية. وهي منظومة فكرية، استطاع النظام الأبوي نشرها عبر قرون في مختلف البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية. ومن خلالها، يجري تطبيع التفاوت الجندري في عقول المتضررات/ين منه.

انتشار الذكورية في مظاهر الحياة ساهم في ظهور ما يمكن تسميته بترسيخ الذكورية في عقول النساء. وفي الوقت الذي يسهل فيه تعريف وتحديد مختلف مظاهر الذكورية التي تمارسها الفئات المهيمنة، فإن هذا النوع منها يبدو الأصعب على التعريف والتصحيح.

مع ذلك، يمكن تعريفه بأنه القيم والسلوكيات الذكورية التي تمارسها النساء وتتبناها كتمثّل اجتماعي عن أنفسهن، وعن غيرهن من النساء. كما تظهر بشكلٍ لافتٍ في التجمعات والخطابات بين النساء، أو تمارسها امرأة ما، لتنال بها شرعية أمام الرجال والمجتمع الأبوي.

كما يمكن أن تكون الذكورية وسيلة للحماية، تتخذها الكثير من النساء لضمان عدم محاسبتهن من المجتمع.

تتخذ الذكورية التي تمارسها بعض النساء شكل الهجوم الصريح، أو الوصم والتعهير، أو المشاركة في العنف ضد نساء أخريات. كما أنها قد تكون على شكل سلوكٍ عدائي تجاه النفس، من خلال لوم النفس وجلد الذات.

ترسيخ الذكورية هو استمرار للاضطهاد بشكل عام

يعتبر استدماج الذكورية أحد مظاهر استدماج الاضطهاد بشكلٍ عام، وهو سلوكٌ ناتجٌ عن قرون من سيادة قيم النظام المسيطر وإحلال العنف والخوف بدلًا من القبول والتعددية والتضامن. وبذلك، يساهم في استمرار هذا النظام وخدمته حتى في غياب المستفيدين منه، بسبب الإيقاع بضحايا هذا النظام لاستدماج قيمه والدفاع عنها.

تمارس النساء الذكورية ضد بعضهن وتجاه أنفسهن. فتلعب بعضهن دور المحرّضات، باستخدام معظم أنواع الميسوجينية كوصم سلوكيات النساء. أو يمارسنها بشكلٍ مباشر كما هو الحال في نماذج الأمهات ونساء العائلة، اللواتي يمكن أن يمارسن عنفًا ذكوريًّا. كأن يساهمن في تثبيت السلطة الذكورية، أو فرض أشكال قسرية من الحياة على فتيات العائلة، أو حتى تعنيفهنّ جسديًا.

كما يشكل الحديث عن النساء الأخريات والمشاركة في محاكمتهن علنًا أحد أشكال الذكورية الشائعة. إذ يكون الحكم على أشكال وسلوكات النساء نمطًا متعارفًا عليه، وأكثر أنواع هذه الذكورية تطبيعًا.

ثم تظهر أيضًا من خلال التبرؤ العلني من كل ما يخالف السلطة الأبوية، سواءً بمدحها واعتبار أنها “فطرة” وواجب ديني، أو من خلال وصم مَن تخالفها.

إن النضال النسوي هو السبيل الوحيد لمواجهة الوقيعة الأبوية بين النساء. وهو الطريق نحو إعادة الثقة بين النساء، بدلًا من التنافسية والكراهية التي يعمل النظام الأبوي دائمًا على جعلها العلاقة الأساسية بينهن.

هل تستفيد النساء من الذكورية؟

 عادة ما يتم تمرير قناعة زائفة أن النساء يستفدن من الذكورية، من خلال شعارات وخطابات تبثّ في النساء عداوة بعضهن. أو بالهجوم على العمل النسوي بعبارات مثل: “المشكلة في النساء، ومعظم النساء مطبّعات مع السلطة الأبوية”. وجدير بالذِكر أن سؤال استفادة النساء من الذكورية متكررٌ في النقاشات النسوية، التي تُثري فهمنا عن دوافع وأسباب استدماج النساء للذكورية.

من هنا، تكمن أهمية تفكيك استفادة النساء من الذكورية في كشف حقيقة هذه الخطابات.

قد تتآمر النساء ضد بعضهن، وقد يكررن بوعي أو بدون التنميطات وأنواع الكراهية التي زرعتها الأبوية داخلهن. يمارسنها ضد بعضهن، ويشاركن في حملات الوصم ضد نساء أخريات، أو لومهنّ على عدم الالتزام بالمعايير الاجتماعية. بعضهن قد يؤلفن كتباً عنها، ويتصدرن البرامج التي تنتقص من النساء، ويستخدمن نفوذهن الاجتماعي في تمريرها. وكثيرات يكتبن منشورات، أو يشاركن في السخرية من نساء أخريات ويتبرّأن من سلوكياتهن، لأنهنّ مختلفات عن السائد.

لكن لا توجد امرأة قد تحظى بمكانةٍ مختلفة من خلال دفاعها عن السلطة الذكورية، دون أن تكون هي نفسها متعايشة مع  العنف الأبوي، ودون أن تخسر النساء اللواتي قامت بمهاجمتهن.

قد تحظى بلقب “المرأة المثالية“، وقد تحظى بقبولٍ ذكوري، كلما أبرزت أنها ليست من النساء “السيئات”، وأنها ملتزمة بالقواعد والمعايير الاجتماعية المفروضة على جميع النساء. لكنها على كل حال لن تنال الاحترام والتقدير، الذي يتم تمريره كذبًا، كمكافأةٍ على سلوكها “الجيد”. كما أن ذلك لن يحميها من العنف، بكافة تجلياته السياسية والاقتصادية والجسدية والجنسية والنفسية.

تضع الذكورية النساء في منافسة شرسة بين بعضهن، وتُغذي شعور الكراهية بينهن حتى يأكلهن من الداخل ويُسمم علاقتهن بأنفسهن وبالنساء الأخريات.

إلا أن الشعور الدائم بالتهديد من النساء ومهاجمة بعضهن، يستنزف الصحة النفسية لمعظمهن، سواء كُن مهاجِمات أم مُهاجمَات. وهو أيضًا يساهم في شروخ اجتماعية دائمة، لأنه يزعزع ثقتهن بأنفسهن وببعضهن. فتوقع الشر الدائم من النساء، وقطع أوصال الثقة بينهن، يعمل على تفريقهن بشكلٍ أكبر من الاعتماد على الذكورية الكلاسيكية التي يمارسها الرجال والأنظمة القمعية.

استدماج القيم الذكورية.. خسارة شخصية

تؤثر السلطة الأبوية، وما تفرضه من عنف وتمييز ذكوري بشكلٍ مباشر على سلامة النساء وتهدد حيواتهن، بل وتقتلهن كل يوم.

يرى البعض أن النساء يستفدن من الذكورية، من خلال حماية مكانتهن كالأمهات أو الحصول على تزكية بين صفوف الرجال والفئات المهيمنة. مع ذلك، تظل هذه الأشياء مجرد تفاوضات تجريها النساء، وليست استفادة مباشرة. إذ يستحيل أن تقع الإفادة من نفس النظام الذي يضطهدنا، ولا يمكن أن نحصل على الشرعية أو السلطة من نفس النظام الذي يسلبنا إياها. 

ومن المهم أن نتذكر دائمًا أن النظام الأبوي هو نظام يكنُّ العداء لجميع النساء. هذا النظام، بأذرعه المختلفة، استثمر عبر قرونٍ في آلة دعائية ضخمة، وطرح نفسه كالنظام القيمي الوحيد المتاح أمامهن.

كما أنه استخدم أدوات العقاب السياسي والديني، لفرض هذه البنيات الأيديولوجية للتحكم في عقول النساء وزرع الخوف من مقاومتها. لذلك، قد تتبنى معظمهن الذكورية بدافع الخوف، وليس ابتغاء فائدة ما. فالنظام لا يكافئنا على سلوكنا “الجيد” معه. بل يعمل على تقوية الخوف داخلنا لكي نرتبط به، ونراه الملاذ من الشرور التي هو نفسه صانعها وحاميها.

تستفيد بعض النساء، بناءً على امتيازات طبقية وعرقية من النظام السياسي والاقتصادي، من ممارسة سلطة عنصرية واستعمارية وطبقية على النساء من فئات أكثر هشاشة. لكنها لا تضمن أن النساء الحاصلات على هذه الامتيازات لن يتعرّضن لشكلٍ آخر من العنف الأبوي، أو يُصبحن في مأمن من تسلطه. 

كيف يمكن بناء خطاب نسوي يعترف بهذه المشكلة دون وصم النساء؟

من الصعب الاعتراف بالذكورية المستدمجة بين النساء، والأصعب تفكيكها.

يرجع السبب في ذلك إلى أنه تم تطبيعها بكل السبل، حتى أصبحت مَن لا تمارسها متآمرة ضد المجتمع والدين والفطرة. وعليه، فإن إثبات الولاء الدائم للأبوية، هو بمثابة حبل نجاة لكثيرات، نظرًا للشعور الزائف بالأمان. رغم أنه لا يحميهن من العنف.

فالنسويات، في هذا السياق، يكنّ معرّضات بشكلٍ أكبر للهجوم من النساء، سواء داخل العائلة أو في المساحات العامة. وقد يبدو صادمًا لكثيراتٍ أن ترفض بعض النساء أنفسهن الخطاب النسوي، أو يقمن بردود أفعالٍ ذكورية ضد مَن تتبناه. هذا ما أدركنه النسويات اللاتي لم يعلمن بأن طريق النضال لم يكن يومًا معبّدًا بالورود. بل تتخلّله مواجهات شرسة مع النظام، وصبرٌ مؤلم على ردود الأفعال العنيفة من النساء أنفسهن.

هذا ما يحتّم ضرورة استمرار الاستثمار في بناء خطاب نسوي قادر على العمل دون مللٍ على وعي النساء. خطابٌ يثابر من أجل تحليل وتفسير مصدر دوافع النساء لممارسة أو دعم الذكورية.

فمن خلال الحوار والتعلم المستمر، وتحدي الوعي الذكوري وبناء تضامن نسوي قوي، نرى بشكلٍ شفاف كيف نقوم بشكل ما بممارسة الذكورية دون وعي. وندرك كيف يمكن لنا أن نتحداها ونعمل على إنهاءها بالوعي النسوي.

إن النضال النسوي هو السبيل الوحيد لمواجهة الوقيعة الأبوية بين النساء. وهو الطريق نحو إعادة الثقة بين النساء، بدلًا من التنافسية والكراهية التي يعمل النظام الأبوي دائمًا على جعلها العلاقة الأساسية بينهن.

لا نجاة لإحدانا دون الأخرى..

نتذكّر كل الصديقات والأخوات والجارات. هؤلاء اللواتي ساعدننا على تجاوز العنف الأبوي، واستطعنا الوقوف بهن ومعهن، والاتكال على أنهن سندنا وحمايتنا الحقيقية.

منهن نستلهم دافعًا وتضامنًا لمحاربة العنف الأبوي بكل أشكاله، لنا ولهن، وللأجيال الحالية والقادمة من النساء والفتيات والمهمّشات/ين.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد