
إعدام النساء في السعودية.. بين غياب الشفافية والانتهاكات المستمرة
أعدّت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان دراسة تحليلية حديثة موسعة بعنوان “إعدام النساء في السعودية: من الحماية الهشة إلى الممارسة الممنهجة”، تناولت فيها واقع تطبيق عقوبة الإعدام بحق النساء خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2025، وهي مرحلة وصفتها الدراسة بالمفصلية على المستويين السياسي والقضائي في “السعودية”.
وتسعى الدراسة إلى تفكيك التناقض القائم بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لتحولات واسعة في أوضاع المرأة، وبين الممارسات القضائية المرتبطة بعقوبة الإعدام، والتي تشير إلى استمرار أنماط خطيرة من الانتهاكات التي تمس الحق في الحياة وضمانات العدالة.
العاملات المنزليات المهاجرات في قلب الأزمة
وتوضح الدراسة، المنشورة في 25 شباط/فبراير الماضي، أن أحد أبرز العوامل المرتبطة بهذه القضية يتمثل في واقع العاملات المنزليات المهاجرات، اللواتي يشكلن جزءاً أساسياً من سوق العمل داخل “السعودية”. إذ تشير البيانات الرسمية إلى وجود ملايين العمالة المنزلية الأجنبية، تشكل النساء نسبة كبيرة منها، يعملن ضمن بيئة مغلقة تعتمد بدرجة كبيرة على نظام الكفالة، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاعهن القانونية والاجتماعية ويجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.
ووفقاً للدراسة، بلغ عدد النساء اللواتي أُعدمْن خلال الفترة بين 2015 و2025 ما لا يقل عن 44 امرأة من جنسيات مختلفة. وتشير الدراسة إلى أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى فقط، نظراً لغياب الشفافية وعدم نشر قوائم رسمية شاملة بالمحكومات بالإعدام أو تفاصيل إجراءات المحاكمة.
“بلغ عدد النساء اللواتي أُعدمْن خلال الفترة بين 2015 و2025 ما لا يقل عن 44 امرأة من جنسيات مختلفة.”
وتشير البيانات كذلك إلى أن النساء الأجنبيات شكّلن الغالبية الساحقة من الحالات الموثقة، إذ بلغ عددهن نحو ثلثي النساء اللواتي نُفذت بحقهن أحكام الإعدام خلال الفترة المدروسة، وهو ما يعكس ارتباط الظاهرة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية لسوق العمل والهجرة.
وتكشف الأرقام عن تذبذب في معدلات التنفيذ خلال السنوات الأولى، قبل أن تشهد ارتفاعاً واضحاً في السنوات الأخيرة من الفترة محل الدراسة، حيث بلغ العدد ذروته في عام 2024 بتسع حالات إعدام، وهو أعلى رقم مسجل خلال العقد محل الرصد.
من جرائم القتل إلى المخدرات.. عقوبة الإعدام مستمرة
وترى الدراسة أن هذا التصاعد الكمي ترافق أيضاً مع توسع نوعي في طبيعة التهم التي أفضت إلى الإعدام. ففي حين كانت غالبية الأحكام سابقاً مرتبطة بجرائم القتل، شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في تنفيذ الإعدام في قضايا مرتبطة بالمخدرات، وهو تطور اعتبرته الدراسة مؤشراً على توسع استخدام العقوبة خارج نطاق ما تصفه المعايير الدولية بـ”أشد الجرائم خطورة”.
أنماط الاتهامات والأحكام القضائية
توضح الدراسة أن نحو 79% من حالات الإعدام كانت مرتبطة بتهم القتل، بينما ارتبطت ثماني حالات على الأقل بجرائم مخدرات، إضافة إلى حالات أخرى شملت اتهامات مثل السحر أو الخطف.
وصنفت الدراسة الأحكام ضمن ثلاثة أنماط رئيسية في النظام القضائي: الحدود، والقصاص، والتعزير، وتلفت الدراسة إلى أن الأحكام التعزيرية تمنح القضاة مساحة تقديرية واسعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاوت كبير في الأحكام وإمكانية تأثرها بعوامل غير واضحة أو غير خاضعة للرقابة الكافية.
وتبرز إشكالية أخرى تتعلق بآلية “الدية”، التي يفترض أن تتيح إمكانية العفو في قضايا القتل، إلا أن الدراسة تشير إلى أن المبالغ المطلوبة غالباً ما تكون مرتفعة للغاية، ما يجعل الاستفادة من هذا الخيار شبه مستحيلة بالنسبة للعاملات المهاجرات أو الأسر ذات الدخل المحدود، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تفاوت في فرص النجاة من تنفيذ الحكم.
قصور الحماية الدبلوماسية
تناولت الدراس دور الدول التي تنتمي إليها النساء المُعدَمات، حيث خلص التحليل إلى وجود ضعف واضح في التدخلات الدبلوماسية المبكرة. ففي كثير من الحالات، اقتصرت ردود الفعل على بيانات احتجاج صدرت بعد تنفيذ الإعدام، دون اتخاذ إجراءات ضغط فعالة أثناء مراحل المحاكمة.
وأوضحت الدراسة أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، يلزم السلطات بإبلاغ القنصليات عند اعتقال رعاياها، إلا أن عدة حالات أظهرت تأخر الإبلاغ أو حدوثه قبيل التنفيذ أو حتى بعده.