“عم بنموت” من السرطان.. عندما يدُفع المرضى/ات في سوريا إلى السوق السوداء للأدوية!

في ساعات الصباح، تحزم وفاء حسن (اسم مستعار)، حقيبتها، تضع فيها جرعة دواء اشتراها زوجها. تضيف إليها قطعًا من القطن و”القثطرة”، التي تقول إنها لا تتوفر دائمًا في مستشفى البيروني الحكومي، ولا تنسى بالطبع إبرة التحسس.

منذ خمسة أعوام تتلقى وفاء علاجًا لسرطان الثدي، وتدرك أن نقص أبسط المستلزمات قد ينعكس مباشرة على فرص العلاج والرعاية. تقول: “إذا واحد مات بالمشفى، ما عندن شي يعطوه”.

يُعد مستشفى “البيروني” الجامعي المركز المتكامل الوحيد لعلاج الأورام السرطانية في سوريا، الذي يُفترض أن يقدم خدماته التشخيصية والعلاجية “مجانًا” بالكامل للمواطنين/ات.

مستشفى "البيروني" الجامعي هو المركز المتكامل الوحيد لعلاج الأورام السرطانية في سوريا

لكنّ تكلفة رحلة العلاج لا تبدأ عند باب المستشفى؛ فوفاء تقطع الطريق إلى دمشق مع زوجها وابنتها، في رحلة تبلغ تكلفتها 100 ألف ليرة سورية (نحو 10 دولارات أميركية حسب سعر الصرف وقت إعداد التحقيق)، وهو مبلغ يوازي ضعف الدخل اليومي لزوجها الذي يقضي نهاره خلف “بسطة” في الشارع” يتكسب منها.

في الممرات المزدحمة للمستشفى، ترى وفاء الألم في وجوه المرضى/ات؛ فلا تشعر بالوحدة. ما تزال تتذكر صدمتها الأولى حين رأت نساءً أكبر منها سنًا، وقد أنهكهن المرض، فتواسي نفسها بأنها “ابنة الأربعين”، وبأن جسدها ما زال يحملها، في حين يُحمل غيرها على نقالات.

وفي إحدى المرات، بكت وفاء في ردهة المستشفى، حين رأت مريضة مسنة كانت تتلقى “السيروم” (علاج بالوريد) وحيدة من دون أن يمسك أحد يدها. تصف وفاء هذا العبء النفسي: “يوم بدي روح آخد الجرعة بَمرَض قبل ما أوصل… برجع ونفسيتي تعبانة من العالم اللي عم تتوجع قدامي”.

وما إن تنتهي رحلة المستشفى، حتى تبدأ رحلة أخرى لتأمين “الجرعة المقبلة” من سوق سوداء يُدفع إليها المرضى/ات. لم تجد وفاء مفرًا من بيع أثاث منزلها لتوفير العلاج، لعجز المستشفى عن تأمينه لها منذ شهور عديدة.

تخضع وفاء للعلاج بدواء “كادسيلا”، الذي يُفترض أن تحصل عليه مجانًا من مستشفى البيروني. لكنّها تضطر إلى شرائه من الصيدليات الخارجية بأسعار متقلبة شهريًا؛ إذ بلغت تكلفة جرعتها الأخيرة ثمانية ملايين و800 ألف ليرة سورية (ما يعادل 900 دولار أميركي).

وتشير وفاء إلى أن سعر الجرعة “المهربة” وصل في بعض الأحيان إلى 12 مليون ليرة سورية (نحو 1200 دولار أميركي)، في ظل فوضى تسعير واضحة، تتحدث عن ذلك: “كل صيدلية تبيع بسعر مختلف”. وتضيف: “المشكلة أننا مضطرون إلى شرائها، لأن الدواء مقطوع من المستشفى منذ عام ونصف العام تقريباً”.

وأوضحت أن الطبيبة المشرفة على حالتها رفعت تركيز الجرعة الدوائية، إثر توقف جسدها عن الاستجابة للتركيز السابق، والعقار غير متوفر في المستشفى، وتكلفة شرائه تصل إلى 900 دولار لجرعة واحدة تكفي لـ21 يوماً فقط.

تضيف وفاء بأسى: “عجزت عن تأمين المبلغ، فأخبرتني الطبيبة: سأغير لك الجرعة بخيار أرخص، وعليكِ مراجعة الجمعيات”. لكن هذا البديل “الأرخص” ظل عصيًا على ميزانية العائلة، لتحول تكلفته مجددًا من استكمال وفاء لرحلة علاجها.

تبعية مشتركة

في رد على سؤال وجهته معدة التحقيق إلى المكتب الصحفي لوزارة الصحة، بشأن الجهة المسؤولة عن الإشراف على الخدمات الصحية في مستشفى البيروني الجامعي، أفاد المكتب الصحفي بأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هي “الجهة الحكومية المسؤولة بشكل مباشر عن الإشراف الكامل على الخدمات الصحية داخل المستشفى”.

ويعود هذا التداخل إلى قرار رسمي صدر في 22 أيار/مايو 2025، أُلحق بموجبه المستشفى بوزارة التعليم العالي، بعد أن كان تابعًا لوزارة الصحة. ونصّ القرار على نقل التبعية الأكاديمية والإدارية والمالية للمستشفيات التعليمية بالكامل إلى وزارة التعليم العالي، مع الاكتفاء بالتنسيق مع وزارة الصحة وفق آليات تحددها لجنة مشتركة.

 

نقل تبعية المستشفيات التعليمية إلى وزارة التعليم العالي في العام الماضي 2025

وجهنا أسئلة إلى كل من وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي حول سبب نقص أدوية السرطان في مستشفى البيروني الجامعي، وعن دور كل منهما في تأمين الخدمات العلاجية للمرضى، وتحديد احتياجات المستشفى من أدوية السرطان والجهة المسؤولة عن توريدها. كما طلبنا توضيحًا بخصوص قائمة الجمعيات الخيرية التي عُلقت داخل المستشفى، وعن المعايير المعتمدة لتحديد الصيدليات التي يتم توجيه المرضى/ات إليها، لكن لم يردنا رد من الوزارتينِ المعنيتين، حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

وفي ظل هذا الصمت، يبقى الاعتراف الرسمي الأبرز ما أقرّ به رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية للدم والأورام، الدكتور جميل الدبل عام 2025؛ حين كشف عن حجم النقص الحاد في أدوية السرطان بسوريا، مؤكدًا أنه لا يتوفر سوى نحو 20 في المئة فقط من الأدوية المطلوبة. وفيما يكشف مرصد السرطان العالمي عن أكثر من 27 ألف إصابة جديدة بسوريا عام 2024، فإن الإحصاءات الرسمية المعلنة الأخيرة تشير إلى وجود ما يزيد على 15 ألف مريض سرطان في البلاد (من بينهم/ن 8281 امرأة، و953 طفلًا/ة).

طريق محفوفة بالصِعاب

تُحكم “ولاء رامي”، (اسم مستعار)، إغلاق معطفها وتُعدّل “لفحتها” الصوفية، وهي تنتظر دورها أمام مقر الجمعية “ص” أملًا في الحصول على مساعدة مالية، رغم يقينهم بأنها قد لا تغطي سوى جزء ضئيل من تكاليف العلاج. هناك، لا يكسر الصمتَ سوى أنفاسٍ تتصاعد من صدور أثقلها المرض.

حضرت ولاء للحصول على مساعدة مالية لشراء الدواء لزوجها “عزيز محمود”، (اسم مستعار، 49 عامًا)، الذي بقي في المنزل يصارع إصابته بسرطان الدماغ.

تُعنى الجمعية “ص” -التابعة لاتحاد الجمعيات الخيرية- بتقديم المساعدات الطبية للمرضى الأقل حظًا في سوريا؛ ويشمل ذلك الدعم المالي للعمليات الجراحية، والأدوية، والإجراءات الطبية كالتصوير والتحاليل. أما مرضى/ات السرطان، فلا يحصلون/ن على الدواء مباشرة؛ تزود الجمعية المريض بـ”وثيقة مساهمة” تحدد المبلغ الذي ستتحمله، ليستخدمها المرضى/ات كجزء من ثمن العلاجات التي يضطرون/ن إلى شرائها بأنفسهم/ن من الصيدليات.

ورغم وجود مؤسسات خيرية أخرى توفر مساعدات طبية لغير المقتدرين/ات في سوريا، أظهرت إفادات سبع جمعيات خيرية في العاصمة دمشق، تواصلنا معها، أن الجمعية “ص” تُعد الجهة الأبرز، التي توفر دعمًا ماليًا لمساعدة مرضى/ات السرطان على تأمين أدويتهم/ن.

يوضح أمين صندوق جمعية “صندوق العافية” هيثم سلطجي، وهي من الجمعيات التي تقدم دعمًا ماليًا لمرضى/ات السرطان للحصول على العلاج والخدمات الطبية، أن إجمالي قيمة الدعم المالي المقدم للمرضى/ات خلال العام الماضي (2025)، بلغ 680.5 مليون ليرة سورية (نحو 68 ألف دولار أميركي وقت إعداد التحقيق). وقد وُجهت هذه المبالغ لدعم 640 مريضًا/ة، معظمهم/ن (بنسبة 70 في المئة) من مراجعي/ات مستشفى “البيروني”.

 

وصفة طبية للمريض عزيز محمود، اسم مستعار، تشير إلى عدم توفر الدواء في مستشفى البيروني الجامعي

لا تجد ولاء نفسها وحيدة في مواجهة هذا العبء؛ فمنذ ساعات الصباح الأولى، يمتد طابور طويل من المرضى/ات ومرافقيهم/ن. لكنّ الوجوه بدت لها متشابهة؛ شاحبة، منهكة، وفي كل وجه كانت ترى شيئًا من زوجها، كأن الألم حين يطول، يُعيد رسم ملامح البشر على هيئة واحدة.

تمسك ولاء بالورقة الأهم في هذه الرحلة: وصفة طبية من مستشفى البيروني، ممهورة بختم يوثّق العجز الرسمي: “الدواء غير متوفر في المشفى”. كلمات مقتضبة، لكنّها تمثل وسيلتها الوحيدة لتنال مساعدة الجمعية.

تختصر قصة “عزيز” الرحلة القاسية التي يخوضها مرضى/ات السرطان، للحصول على العلاج؛ فخلف كل ورقة رسمية قصة انتظار مرير، وعلاج مؤجل إلى أجل غير مسمى.

 ورقة طلب فحص تصوير بالرنين المغناطيسي من مستشفى البيروني الجامعي للمريض عزيز محمود، اسم مستعار

بدأت معاناة العائلة مبكرًا منذ مرحلة التشخيص؛ إذ اضطر عزيز إلى اقتطاع 600 ألف ليرة سورية (نحو 60 دولارًا أميركيًا وقت إعداد التحقيق) من مدخراته لتأمين تكلفة صورة “الرنين المغناطيسي” في مركز خارجي، لأن جهاز المستشفى كان معطلًا.

على نافذة الصيدلية في مستشفى البيروني، ورقة مُعلّقة تحمل أسماء جمعيات خيرية تقدم مساعدات للمرضى/ات. لم يكن أمام عزيز وزوجته سوى التوجه إلى الجمعية “ص” لطلب العون، لكنّ الجمعية لم تستطع تقديم سوى 200 ألف ليرة سورية (نحو 20 دولارًا أميركيًا)، من أصل الإجمالي البالغ 800 ألف ليرة (80 دولارًا) لتغطية تكلفة الصورة الطبية المطلوبة.

 

ورقة إحالة لصالح  المريض عزيز محمود،  اسم مستعار، من الجمعية "ص" على مركز فحص شعاعي

تصف ولاء حالة الاستنزاف المستمرة: “أركض في كل اتجاه لأوفر له فرصة للشفاء، فليس لنا معين إلا رب العالمين”.

وأمام هذا النقص في التغطية المالية، اضطر الزوجان إلى التوجه لاحقًا إلى جمعية أخرى، في محاولة لجمع مساعدات إضافية تمكنهما من تأمين بقية تكاليف العلاج.

 قائمة بأسماء جمعيات خيرية مُعلّقة على إحدى نوافذ مستشفى البيروني الجامعي

السوق السوداء

قبل أن تدبّ الحياة في شوارع “القلمون”، تكون سعاد أكرم (اسم مستعار) وزوجها أحمد السالم (اسم مستعار) قد حجزا مقعديهما في أول “سرفيس” يتجه نحو دمشق. داخل “السرفيس” الضيق، يختبر أحمد -المصاب بسرطان الدم- كل حفرة في الطريق بوجع مضاعف. وإلى جواره، تراقب سعاد خيوط الشمس الأولى، ومرض “لا يعرف صيفًا ولا شتاء”.

عند مشارف العاصمة، يتقاسم الزوجان التعب؛ فيترجل أحمد بجسده الواهن عند مستشفى “البيروني”، فيما تكمل سعاد رحلتها نحو مقر الجمعية “ص”. وهناك، تقف لساعات في طابور طويل، مدفوعة بأمل الحصول على مساهمة تساعدهما على تأمين العلاج. لكنّ كثيرًا ما تنتهي الرحلة كما بدأت: بلا جدوى، إذا ما وصلت بعد انتهاء ساعات المراجعة.

مع الوصول في الوقت المحدد، تبدأ ما يمكن تسميته بـ”معركة الأرقام”. إذ تُحيل الجمعية المرضى/ات على صيدليات محددة سلفًا، وذلك بعد منحهم/ن “ورقة دعم مالي” توضح مقدار مساهمتها في قيمة الدواء.

أُحيلت سعاد وزوجها مرتين على الصيدلية “ع” في منطقة المزة، رغم تأكيدها أن عددًا من المرضى/ات اعترضوا/ن على هذه الإحالة بسبب الارتفاع الملحوظ في أسعار الدواء لديها. وفي أثناء العمل على هذا التحقيق، وثّقنا تكرار إحالة الزوجين على الصيدلية ذاتها.

 

تقول سعاد إنها أبلغت إدارة الجمعية بأن الصيدلية “ع” تبيع الأدوية بأسعار أعلى من غيرها، مطالبة بتحويلها إلى صيدلية بديلة. لكنّ الجمعية أخبرتها بأنها لا تتعامل إلا مع هذه الصيدلية. ورغم توجيه الزوجين لاحقًا إلى صيدلية أخرى، عادت الجمعية من جديد لتحويلهما إلى الصيدلية “ع”.

اكتشفت سعاد أن شراء الدواء من صيدليات “ضاحية الشام” القريبة من مستشفى البيروني، يوفّر لها مبالغ مالية. في النهاية، فضّلت تحمل التكلفة كاملةً من تلك الصيدليات، على الاستفادة من مساعدة الجمعية “ص” المشروطة بالصيدلية “ع”؛ لأن الأخيرة تبيع الدواء بسعر أعلى، حتى بعد احتساب قيمة الدعم المالي الوارد في ورقة الجمعية.

لم يقتصر الأمر على سعاد؛ إذ تكرر السيناريو ذاته مع “ولاء” (زوجة المريض عزيز)، التي حصلت على مساعدة مالية ضئيلة من الجمعية “ص”، بموجب الوصفة الطبية التي تثبت انقطاع الدواء في مستشفى البيروني. وكما جرت العادة، أحالت الجمعية الزوجين على الصيدلية (ع) ذاتها.

كذلك، أُحيلت “حنان محمد” (اسم مستعار)، المصابة بسرطان الساركوما (الأنسجة الضامة)، على الصيدلية نفسها، بعد حصولها على ورقة دعم من الجمعية “ص” بقيمة 215 ألف ليرة سورية (نحو 21 دولارًا). لكنّ المفارقة أن حنان اضطرت إلى التخلي عن هذه المساعدة كليًا؛ إذ اكتشفت أن بإمكانها شراء الدواء من صيدلية أخرى بسعر يقل بنحو 60 دولار عن ذاك الذي طلبته الصيدلية “ع”، بعد احتساب قيمة الدعم المالي الذي قدمته الجمعية.

 

ورقة إحالة لصالح  حنان محمد،  اسم مستعار، من الجمعية "ص" على صيدلية "ع"

ورقة إحالة لصالح  حنان محمد،  اسم مستعار، من الجمعية "ص" على صيدلية "ع"

 

في مواجهة هذه المعطيات، تنفي مديرة مديرية أمراض السرطان، غادة سوسان، وجود أي توجيه رسمي بهذا الخصوص: “وزارة الصحة لا تُلزم أي جمعية بالتعامل مع صيدلية محددة”، مشترطة فقط خضوع الأدوية لرقابة الوزارة في حال قُدمت مباشرة إلى الجمعيات.

وتضيف غادة: “أما إذا كانت الأدوية قد تم شراؤها من أي صيدلية، فبحسب معلوماتي لا يوجد أي قانون يُلزم أي جمعية باختيار صيدلية معيّنة دون غيرها”.

وعلى صعيد آخر، تُقرّ غادة بأن وزارة الصحة لا تملك إحصاءات دقيقة بشأن أعداد المرضى/ات المستفيدين/ات من الدعم الطبي للجمعيات الخيرية، محيلةً هذه المسؤولية على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. لكنّنا اصطدمنا مجددًا بمشهد “تقاذف المسؤوليات”؛ فبمجرد تواصلنا مع المكتب الصحفي لتلك الوزارة، جاء الرد مقتضبًا: “الموضوع بالكامل لدى وزارة الصحة!”.

خاطبنا الجمعية “ص” للسؤال عن معايير اختيار مرضى/ات السرطان المستفيدين/ات من الدعم، ومعايير اعتماد الصيدليات المتعاقد معها، ومدى وجود تعامل حصري مع صيدليات بعينها، لكنّنا لم نتلقَّ أي رد حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

 

كما توجهنا بأسئلة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واتحاد الجمعيات الخيرية بشأن دورهما في اختيار الجمعيات التي تقدم المساعدة المالية لمرضى/ات السرطان والرقابة عليها، بالإضافة إلى معايير تحديد الصيدليات المستفيدة في هذا السياق، لكنّنا لم نتلقَّ ردًا حتى نشر هذا التحقيق.

“مو مشكلتكم.. المريض الله بدبرو”

في صيدليته المزدحمة بالمرضى/ات في أحد أحياء دمشق، يبيع “محمد حسن” (اسم مستعار) الأدوية المهربة. يقول حسن إن هذه الأدوية تُجلب برًا وجوًا من الأردن ولبنان وتركيا، من مستودعات مرخصة هناك.

ويوضح حسن أن فرق الرقابة الدوائية لا تتهاون في التعامل مع هذه الأدوية؛ إذ تصادرها بموجب محضر ضبط وتُغرّم المنشأة المخالفة. ويعلّق على ذلك: “معهم حق، بيخافوا من المصدر”، لكنه يستدرك: “تترك العالم بلا دواء أيضًا مشكلة”.

ويؤكد الصيدلاني وجود نقص كبير ومستمر في أدوية السرطان منذ حقبة نظام الأسد، مضيفًا: “وحتى اليوم، الدولة ما معها مصاري، أو ما في عقود.. ما بعرف”.

ويتابع حسن: “الكلمة نفسها كانت تُقال في النظام السابق وبيحكوها هلا: إنه مو مشكلتكم.. يصطفل، لا تأمنوا له الدواء، قولوا له ما في، المريض الله بدبّرو!”.

ويشير حسن إلى أنهم يعتمدون على علامات محددة لكشف الأدوية المغشوشة، مثل شكل العبوة، وقوام المادة الدوائية، وغيرها من الخصائص التي تختلف باختلاف الصنف. لكنّه يؤكد وجود أدوية “نظامية” تُباع من دون لصاقة ليزرية، فضلاً عن إمكانية تزوير هذه اللصاقات وطباعتها في مدن خارج سوريا.

وفي أثناء اللقاء معه، عرض الصيدلاني فواتير صادرة عن مستودعات دوائية مرخصة في سوريا، كان قد اشترى بموجبها أدوية لصيدليته. لكن عند فحص هذه الفواتير، تبيّن أنها تخلو من أي ختم رسمي للمستودع أو أي توقيع.

ولا يُخفي حسن أن بعض الصيادلة/ الصيدليات باتوا/ن يلجؤون/ن إلى تأمين الأدوية عبر “فيسبوك”، محذرًا من هذا الخيار: “مية بالمية مضروبة”.

وجهنا أسئلة إلى وزارة الصحة ونقابة الصيادلة في سوريا، بشأن سبب نقص أدوية السرطان في الصيدليات، والتباين الملحوظ في أسعار تلك الأدوية، بالإضافة إلى الإجراءات المُتخَذة بحق الأشخاص الذين يبيعون أدوية السرطان عبر فيسبوك. لكنّنا لم نتلقَّ ردًا حتى تاريخ نشر التحقيق.

غائب في المستشفى.. حاضر على “فيسبوك”

لا تغيب صور الجرعات السرطانية وطلبات المساعدة لتأمينها عن المنشورات المتداولة على منصة “فيسبوك”.

وتُظهر مجموعة “أصدقاء/ات مشفى البيروني”، على فيسبوك، جانبًا من هذه المعاناة اليومية؛ إذ تتحول إلى مساحة يتبادل فيها المرضى/ات وذووهم/ذواتهن نداءات الاستغاثة، ويبحثون/ن عن جرعة مفقودة أو متبرع أو دواء نفد من الأسواق. ولا تقتصر عضوية المجموعة على المرضى/ات وعائلاتهم/ن، بل تضم أيضًا ممرضين/ات وإداريين/ات يعملون/ن في مستشفى “البيروني”، ما يجعلها نافذة تعكس جانبًا من الواقع الذي يعيشه مرضى/ات السرطان داخل المستشفى وخارجه.

تتعدد المنشورات التي تستفسر عن مدى توفر أدوية السرطان داخل المستشفى؛ إذ يبحث المرضى/ات عن إجابة يقينية، خشية تكبّد عناء السفر من محافظات ومناطق بعيدة إلى العاصمة دمشق دون جدوى. وغالبًا ما تأتي الردود من قِبل ممرضين/ات، لتأكيد توفر الجرعة المطلوبة أو انقطاعها.

 

وخلال تتبع ما يُنشر داخل المجموعة، رصدت معدة التحقيق تعليقًا لافتًا من حساب لشخص يزعم فيه قدرته على توفير أصناف من أدوية السرطان المفقودة، وذلك في رده المباشر على أحد المنشورات.

لفهم آلية الترويج وتأمين جرعات الأدوية المفقودة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تواصلت معدّة التحقيق مع صاحب هذا الحساب، متخفيةً خلف اسم مستعار. كانت صورة الملف الشخصي تُظهر شخصاً يرتدي معطفاً أبيض، تتدلى من عنقه سماعة طبية، فيما أُخفيت ملامح وجهه في لقطة بدت مستنسخة من مواقع “الصور الجاهزة” على الإنترنت.

وخلال المحادثة، قدّم صاحب الحساب نفسه بوصفه “موزعًا” للأدوية، عارضًا المساعدة على تأمين الجرعات المطلوبة.

وفي تواصلها الأول معه، عرض هذا “الموزع” تأمين جرعة من دواء “كادسيلا” (عيار 160) -المُستخدم في علاج سرطان الثدي- بسعر 425 دولارًا، زاعمًا أنها من إنتاج شركة “روش” السويسرية. لكنّه في المقابل، تهرّب من الإفصاح عن اسم الشركة التي يعمل لصالحها عند سؤاله عن ذلك.

وعندما عادت لمراسلته مجددًا عبر “فيسبوك”، تبدّلت لهجته فجأة نحو الحدة، واصفًا إياها بـ”المترددة”، ربما للضغط عليها لحسم قرار الشراء، قبل أن يتراجع لاحقًا ويعود ليؤكد قدرته على تأمين الدواء بالسعر ذاته.

 

صورة لجرعتين من دواء كادسيلا، مجهول المصدر، المرسلة من الموزع على فيسبوك

وللتحقق من ادعاءات “الموزع”، تواصلت معدة التحقيق لاحقًا مع شركة “العناية”؛ وهي مستودع الأدوية المعني بتوفير دواء “كادسيلا” في سوريا. وهناك، قطعت إحدى الموظفات الشك باليقين، مؤكدةً أنه غير متوفر لدى الشركة، محيلةً الاستفسار على المكتب العلمي لشركة “روش” السويسرية (المنتجة للدواء).

لكن مسار التقصي اصطدم بباب مغلق مجددًا؛ إذ رفض مدير المكتب، فريد الحداوي، الإجابة عن أي أسئلة مراعاة لما وصفه بـ”سياسة الشركة”.

ولمزيد من التحقق، عادت معدة التحقيق لمراسلة البائع ذاته عبر “فيسبوك”، باستخدام حساب مستعار آخر، للتأكد من استمرار نشاطه في الترويج للدواء. أكد “الموزع” توفر جرعة “كادسيلا” واصفًا إياها بـ”المكفولة”، لكن المفارقة أن السعر قفز هذه المرة ليصل إلى 625 دولارًا. ولم يكتفِ بذلك، بل حذّر من وجود منتج “مغشوش” في السوق يُباع بسعر 400 دولار، مُرفقًا ادعاءه بصور أرسلها عبر تطبيق “ماسنجر” للعبوة التي يزعم أنها أصلية.

لكنّ هذا السعر بحد ذاته يثير الشبهات حول حقيقة هذه “العلاجات”؛ إذ كشفت جولة ميدانية شملت 18 صيدلية في دمشق، أن أسعار الجرعات المهربة لعقار “كادسيلا” تتراوح فعليًا بين 800 و1000 دولار أميركي، وهو ما يتناقض بوضوح مع تسعيرة البائع ويزيد من احتمالية ترويجه لأدوية مغشوشة.

“نحن عم بنموت”

“نحن عم نموت حاليًا”، بهذه الكلمات، لخّصت هبة ناصر (27 عامًا)، طالبة “التصوير السينمائي”، واقع مرضى السرطان داخل أروقة مستشفى البيروني.

 

عليقات على مقابلة مع مدير مستشُفى البيروني الجامعي نشرت على فيسبوك

هبة، التي وجدت نفسها بطلة للمقطع المرئي الأكثر تداولًا على منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، وثّقت في مناشدتها عجز المستشفى عن تأمين أبسط المستلزمات الطبية؛ بدءاً بالأدوية النوعية، وصولًا إلى “القثطرة الوريدية” التي يضطر المرضى/ات إلى شرائها من الخارج وإحضارها معهم/ن.

توقفت رحلة علاج هبة، المصابة بسرطان الثدي، منذ شهر شباط/فبراير 2026. فبالرغم من تكبدها عناء شراء الجرعات على نفقتها الخاصة، فإن تصلب أوردتها حال دون إمكانية حقنها بالعلاج، وفق ما ذكرت، ما استدعى تدخلاً لتركيب جهاز خاص، استغرق شهرين لحين توفره في المستشفى.

تدفع هبة 160 دولارًا لتأمين جرعات علاج السرطان، لكنّها تحصل على أدوية المناعة من المستشفى. تقول هبة: “الإدارة تكتفي بإخبارنا أن الدواء مقطوع ولا يعرفون متى يتوفر، ويطلبون منا شراءه من الخارج”.

وبعبارة تختزل النهاية الصامتة للكثيرين/ات، تختم هبة: “المريض/ة بموت هالأيام.. وما حدا بيسمع فيه”.

أسماء الحالات الواردة بالتحقيق مستعارة؛ حفاظًا على خصوصية المرضى/ات.

كتابة: نيرمين العباس/ شبكة أريج

*أنجز هذا التحقيق بالشراكة مع “نساء ربحن الحرب”.

 

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد