هل تصنّف هيئة البترول في فلسطين النساء “عبئًا إداريًا”؟

منذ بداية شهر أغسطس/آب 2026، لم تعد أيّة امرأة مطلّقة، لا تعيل أطفالًا ولم تتجاوز الخمسين من عمرها، قادرة على الدخول إلى نظام توزيع الغاز في قطاع غزة. اسمها اختفى ببساطةٍ من “السيستم”، بلا إشعارٍ مسبق، وبلا إمكانية اعتراض. وكأنّ حاجاتها للطبخ والدفء، كأيّ/ة مواطن/ة، تُقاس بشهادة زواجٍ سارية المفعول.

قبل هذا التاريخ، كانت حصة النساء من الغاز نحو 8 كيلوغرامات شهريًّا.

“كنا نستخدم حصص الغاز، جزءٌ منه للطبيخ والاستخدام العادي، وجزء نبيعه لسد تكلفة الجرة، والاحتياجات الخاصة بالنساء، يلي ما بنقدر نخلي الأسرة توفرها”، تقول ندى (اسم مستعار) لـ”شريكة ولكن”.

أي أنّ الحصّة لم تكن استهلاكًا فقط، بل موردًا اقتصاديًّا صغيرًا تديره بنفسها؛ فتبيع جزءًا منه أحيانًا “لسائقين يشترونه بسعر أعلى لاستخدامه وقودًا”، لتغطي مصاريف لا تستطيع أسرتها تحمّلها.

اليوم، وبعد أكثر من أسبوعين على تطبيق القرار المجحف، تؤكّد ندى تأثيره السلبي على وضعها المعيشي، إذ اختفى معه هامشٌ ماليٌّ متواضعٌ كانت تعتمد عليه في ظلّ غياب أي دخل ثابت. ولا تزال تبحث عن طريقة لتعويض الفراغ الذي تركه غياب حصة الغاز.

لا مصدر طهي – أو تدفئة في فصل الشتاء – بديلٌ متاح بسهولة في ظل غلاء الحطب وندرته، ولا مسار رسمي لتقديم اعتراض أو طلب استثناء.

تقول: “الآن في صعوبة في تدبير الاحتياجات، خصوصًا انو ما في دخل وفي صعوبة للوصول للخدمات”.

ماذا تغيّر فعليًا؟

حرمان من حصصص الغاز بذريعة “انتفاء صفة الأسرة المستقلة”

قرار الهيئة العامة للبترول في قطاع غزة صدر في بداية شهر آب/أغسطس 2026، وطُبّق فعليًّا مع بداية الدورة الحادية عشرة لتوزيع الغاز، بحسب مصادر صحفية محلية. فبعد إعلان الهيئة افتتاح الدورة الحادية عشرة، صدر كشف المستفيدين/ات الأول ضمنها بتاريخ 12 آب/أغسطس 2026، ليشمل نحو 62,600 أسرة في جميع محافظات القطاع.

ونقلت مواقع صحفية محلية عن الهيئة توضيحها بأنه تم إيقاف استفادة فئة “المطلّق والمطلّقة دون أبناء ممن هم/ن دون سن الخمسين” واحتسابهن/م ضمن فئة “الأعزب/العزباء”، لانتفاء “صفة الأسرة المستقلة” عنهن/م، مع تطبيق شروط فئة الأعزب المعتمدة على غرار حالة “الابن الأكبر الأعزب لوالدين متوفيين أو مسافرين”. وبلغ عدد الطلبات المتأثرة بالقرار، بحسب البيانات نفسها، نحو 8 آلاف طلب.

ويقوم تبرير الهيئة الرسمي على افتراض “عودة المطلّق/ة دون أطفال إلى أسرة أهله/ا، والاستفادة فعليًا من مخصصاتها”. هذا الافتراض لا يأخذ بعين الاعتبار حالاتٍ متعددة لنساء لا ينطبق عليهن هذا التبرير. ما أثار نقاشًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط انتشار شهادات موثقة عن آثار تطبيق هذا الاستبعاد على الفئات الهشّة في المجتمع، كالنساء.

فبحسب الشهادات المنشورة، يوجد – على سبيل المثال لا الحصر – نساء توفي والداهن، أو يعشن في ظروف نزوح لا يوفر فيها “الأهل” أي ضمانة اقتصادية فعلية. هنا يتحول الافتراض الإداري العام إلى معيار وحيد لحرمان فئة كاملة من حقٍّ كانت تملكه، فتتسع الفجوة بين النّص والواقع المعيشي الفعلي لكلّ حالة على حدة.

يُشارإلى أنه قبل القرار، كان اسم كل مستفيدة مدرجًا برقم هويّتها، يُفحص عبر رابط إلكتروني خاص بالهيئة، ويتم التسليم بشكلٍ دوري وفق دورة قد تمتد شهرًا أو أكثر بحسب توفر إمدادات الغاز. أمّا اليوم، فهذه الفئة تُستثنى اساؤمها تلقائيًا من النظام، إذ يتم الاستبعاد آليًّا، دون أن يمر عبر مراجعة فردية، ما يزيد العقبات أمام النساء المتضررات.

وبحسب شهادة ندى لـ”شريكة ولكن”، فإن “إمكانية الاستفادة من استثناءات خاصة غير موجودة، ولا حتى مكان لتقديم شكوى أو برهان احتياج أو احتجاج”.

تبرير هيئة البترول: “التلاعب بالتسجيل”

بررت هيئة البترول قرارها بما وصفته بـ”التلاعب”، موضحةً أن “بعض العائلات كانت تتفق على (عقد قران) شكلي، يُتبع فورًا بطلاقٍ رسمي لتُسجَّل الحالة كطلاق، فتستفيد من حصص مستقلة”. وفي نموذجٍ آخر، تقول إنّ “زوجين قد يتّفقان على الطلاق الرسمي أمام المحكمة، فتُسجَّل الزوجة كمطلقة لتستفيد بحصة مستقلة، بينما تتم العودة عن الطلاق بطريقة غير موثقة قضائيًا؛ أي عبر شيخ، فتستمر الاستفادة المزدوجة دون أن ينعكس ذلك على السجلات الرسمية”.

وبدل متابعة هذه الأساليب، والتحقق من الحالات التي يُشتبه في استخدامها للتحايل، جاء الإجراء، على شكل استبعادٍ جماعي لفئة المطلقات/ين بلا أولاد ممن تقل أعمارهن/م عن 50 عامًا، بصرف النظر عن ظروف كل حالةٍ على حدة.

أمّا عن الأرقام أو حجم هذا التلاعب، فلم يُذكر أيّ إحصاء رسمي معلن، ولم نجد بدورنا أيّ بيانات منشورة تُحدد نسبة الحالات “المتلاعبة” من إجمالي الطلبات. إذ لم تُتخذ إجراءات تدريجيّة لمعالجة الظاهرة، بل كانت الاستجابة الصادمة استبعادًا فوريًّا للفئة كاملة، وليس تدقيقًا في الحالات المشتبه بها تحديدًا، أو محاسبةً لمن ثبت تحايله، بل تطبيق معيار شامل أدى إلى حرمان فئة كاملة من الاستفادة.

في المقابل، يقوم تبرير الهيئة الرسمي على افتراض أن المطلّقة دون أطفال “لم تعد تستوفي صفة الأسرة المستقلة” بذريعة أنها “ضمن أسرة أهلها التي تستفيد فعليًا من مخصصاتها”. هذا الافتراض لا يأخذ بعين الاعتبار حالاتٍ متعددة لنساء لا ينطبق عليهن هذا التبرير. فبحسب الشهادات المنشورة، يوجد – على سبيل المثال لا الحصر – نساء توفي والداهن، أو يعشن في ظروف نزوح لا يوفر فيها “الأهل” أي ضمانة اقتصادية فعلية. هنا يتحول الافتراض الإداري العام إلى معيار وحيد لحرمان فئة كاملة من حقٍّ كانت تملكه، فتتسع الفجوة بين النّص والواقع المعيشي الفعلي لكلّ حالة على حدة.

القرار في ميزان حقوق النساء..”المطلقة ما إلها حق تعيش؟”

شهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي

شهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي

 

“شو يعني مطلقة وبدون أولاد ما إلها حق تعيش يعني ولا تطبخ… ومريضة ما بقدر أولّع النار… ليش انحرم من حصتي بالغاز؟”. بهذه الكلمات، عبّرت إحدى النساء، عبر منشور متداول بعنوان “كيف نوصل صوتنا الهم”، عن غضبها من القرار الذي وصفته بالظالم.

وتساءلت عن منطق العقاب الجماعي قائلةً: “اذا مشان التلاعب، مفترض ما يُقبلوا الطلبات الجديدة المشبوهة، مش يحذفوا طلبات قديمة”.

وتكرّر السؤال نفسه في منشورات أخرى، حيث أشارت امرأة إلى أن من بين المطلقات مَن “أبوها وأمها متوفين”، متسائلةً عمّن سيتسلّم الحصة “نيابةً” عنهنّ إن كان الافتراض هو استفادتهنّ من أسرة أهلهنّ. بينما وصفت امرأة ثالثة القرار بأنه “ظلم وإجحاف” بحقهن.

يأتي هذا القرار في ظل أزمة غاز عامة يعاني منها القطاع بأكمله، حيث تتوقف كمّيات الوقود الداخلة وتتوسّع دورات الانتظار بين التسليم والآخر بحسب توفر الشحنات. ما يؤكد ضرورة أن تُبنى سياسة التوزيع على تراتبية احتياج حقيقية، لا على تصنيفات جامدة تتجاهل أن “عدم الإعالة القانونية لطفل/ة” لا يعني بالضرورة “عدم الحاجة”.

فالقرار، في صورته الحالية، لا يحلّ أزمة الغاز، بل يُعيد توزيع أعبائها على من هم أقل قدرة على تحمّلها. وهذا، في نهاية المطاف، هو جوهر الإشكال؛ أن تُدار الأزمات الإنسانية الكبرى بمنطق يُغفل أثرها على حياة الأفراد الأكثر هشاشة، وتحديدًا النساء.

كتابة: ماريا پيا فاخوري

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد