
مصر.. أين مسؤولية الدولة عن حماية ضحية الغدر الذكوري آية رضوان؟
لم تكن عودة القاصرة آية سيد بدري رضوان إلى منزل أسرتها نهايةً لقضية تغيّبها، ولا عودةً إلى الأمان. فبعد ساعاتٍ من العثور على الفتاة المصرية البالغة 16 عامًا وإعادتها إلى أسرتها، قُتلت بدمٍ باردٍ على يد شقيقها بذريعة “الخوف من كلام الناس”.
وبين العثور على آية ومقتلها، أثارت القضية نقاشًا تجاوز الجريمة ومرتكبها إلى قصور مؤسسات الدولة عن حماية الفتيات القاصرات، بل تسهيل إعادتهن دوائر العنف في تجاهلٍ واضحٍ للخطر المتربص بهن.
وقد قررت النيابة العامة بجنوب الجيزة، الأربعاء 16 أيلول/سبتمبر، حبس شقيق آية 4 أيام على ذمة التحقيقات، على خلفية اتهامه بقتلها داخل منزل الأسرة في قرية الشوبك الشرقي التابعة لمركز الصف بمحافظة الجيزة.
كما طلبت النيابة تحريات الأجهزة الأمنية بشأن الواقعة، وأمرت بفحص الآثار المرفوعة من مكان الجريمة، فيما نُقل جثمان آية إلى مشرحة زينهم لإجراء الصفة التشريحية وتحديد سبب الوفاة وكيفية حدوثها.
من بلاغ التغيّب إلى العثور عليها
بدأت القضية في 13 أيلول/سبتمبر، عندما أبلغت والدة آية مركز شرطة الصف بتغيّب ابنتها، وهي طالبة تمريض، بعدما خرجت من منزل الأسرة لشراء بعض المستلزمات ولم تعد.
وبعد تداول منشورات للبحث عنها، أعلنت وزارة الداخلية المصرية أن التحريات تمكنت من تحديد مكان آية في منطقة العجمي بمحافظة الإسكندرية.
وقالت الوزارة إن آية أفادت، عند سؤالها، بأنها غادرت منزلها بمحض إرادتها، وإنها كانت تقيم برفقة أحد معارفها، وهو فرد أمن في شركة خاصة ومقيم في قليوب، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية ضبطه واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
لكن ما لم يتضمنه البيان المنشور لوزارة الداخلية هو أي إشارة إلى تقييم مدى أمان عودة الفتاة القاصر إلى منزلها، أو إلى التحقق من أسباب مغادرتها له، أو احتمال تعرّضها للعنف بعد عودتها.
قُتلت بعد عودتها بساعات
بعد ساعات من عودتها، قُتلت آية داخل منزل الأسرة.
وتشير التحريات الأولية المنشورة إلى اتهام شقيقها بقتلها، فيما أفادت عدة وسائل إعلام مصرية بأنه سلّم نفسه إلى الأجهزة الأمنية عقب الجريمة.
ونقلت وسائل إعلام عن التحريات الأولية أن الجريمة ارتبطت بما وُصف بـ”خشية العار” أو “الخوف من كلام الناس”، وهي الرواية الجاهزة لتبرير جرائم تعنيف النساء والفتيات وقتلهن.
وأمرت النيابة بمعاينة مكان الجريمة ورفع الآثار البيولوجية والبصمات، والاستماع إلى أفراد الأسرة والشهود، إلى جانب استكمال التحريات وانتظار نتائج الطب الشرعي لتحديد ظروف مقتل آية ومسؤوليات المتورطين/ات.
وفي مسارٍ منفصل من القضية، قررت جهات التحقيق حبس الرجل الذي كانت آية برفقته في الإسكندرية 4 أيام على ذمة التحقيق، ووجهت إليه، وفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية، اتهامات مرتبطة بوجوده مع فتاة قاصرة ومغادرتها منزل أسرتها.
حين لا يكون البيت مكانًا آمنًا
أثارت قضية آية غضبًا واسعًا في مصر، ولم يقتصر النقاش على جريمة قتلها، بل امتد إلى الطريقة التي جرى بها التعامل مع فتاة قاصرة عُثر عليها بعد مغادرتها منزلها بإرادتها، ثم أُعيدت إلى الأسرة التي قُتلت داخل منزلها بعد ساعات.
وتعيد الجريمة طرح سؤالٍ أساسي حول مسؤولية مؤسسات الدولة عن حماية الفتيات القاصرات عندما تكون الأسرة نفسها مصدرًا محتملًا للعنف.
فالعثور على فتاة متغيّبة لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر الذي يتهددها، كما أن إعادتها إلى منزل الأسرة لا تعني تلقائيًا إعادتها إلى مكان آمن، بل على العكس قد يكون إعادةٍ إلى الخطر الأساسي. فحين تغادر قاصر منزلها بإرادتها، يصبح الاستماع إليها، وفهم أسباب مغادرتها، وتقييم المخاطر التي قد تواجهها عند العودة، جزءًا من الحماية التي يفترض أن تحظى بها.
ولا يمكن افتراض أن البيت مساحة أمان لمجرد أنه بيت العائلة، خصوصًا في سياقٍ قد تواجه فيه الفتيات عنفًا بسبب خياراتهن أو علاقاتهن أو لمجرد خروجهن عن الأدوار التي ترسمها لهن أسرهن ومجتمعاتهن.
قُتلت آية وهي في السادسة عشرة من عمرها، لكن قضيتها تتجاوز مصير فتاة واحدة إلى سؤال عن فتيات أخريات قد يكون الخطر الأقرب إليهن داخل المكان الذي يُفترض أن يحميهن. فحين يصبح البيت مصدرًا للخطر، لا تتراجع مسؤولية الدولة عن الحماية؛ بل تصبح أكثر إلحاحًا.