الصمت والإفلات من العقاب: الحاجة الملحّة لتجريم العنف الجنسي في موريتانيا

الإسكات الممنهج كأداة لحماية المغتصبين والمتحرشين

يبقى العنف الجنسي ضد النساء في موريتانيا واقعًا خطيرًا رغم ما يحدث من محاولات تجاهله من طرف الدولة والمجتمع، ومن غياب التقارير حوله، متغذيًا ليس فقط على الوصم الاجتماعي، بل على ثغرات في القانون الجنائي ومجلة الأحوال الشخصية.

فإلى جانب المعاناة النفسية التي تعاني منها الناجيات، فإن غياب مواد قانونية تُعرّف الاغتصاب والتحرش الجنسي قد تجعلهن عرضة للمحاكمة، إذا لم يستطعن إثبات “انعدام الرضا”، الذي يتطلب إحضار شهود.

هذا الغموض في المواد القانونية يخلق ثقافة من الخوف والصمت، ويثني الضحايا/ الناجيات عن التبليغ، ما يتيح للجناة الإفلات من العقاب. واقعٌ يرسّخه مجتمعٌ أبويٌّ يربي الفتيات على أن “شرفهن” مرتبط بأجسادهن، ويشجع التطبيع مع انتشار جرائم الاغتصاب باعتبارها واقعًا لا يمكن الفكاك منه، خوفًا من الوصم الاجتماعي الذي يلحق بالناجيات، بل وغالبًا ما يُلقى عليهن اللوم بدل إنصافهن.

ما ترويه الأرقام عن واقع العنف ضد النساء

في مثل هذا السياق، يتقلص عدد الحالات المُبلَّغ عنها بشكلٍ كبير رغم انتشار ظاهرة العنف الجنسي، وتبقى أغلب هذه الحالات طي الكتمان، حيث يتم اعتبارها مشكلة تُحل في إطار أسري بعيدًا عن العدالة، تحت ضغطٍ اجتماعي وقبلي يدفع الناجيات إلى القبول بالصلح بذريعة الحفاظ على “التوازن” و”السلم الاجتماعي” حتى إن كان ذلك على حساب حقوقهن وكرامتهن.

ورغم ذلك، تكشف الإحصائيات المتوفرة حجم العنف الذي تعيشه النساء والفتيات في موريتانيا.

فقد سجلت جمعية النساء معيلات الأسر (AFCF) خلال سنة 2025 ما مجموعه 9483 ناجية في مختلف قضايا العنف والنزاعات، من بينها 941 حالة اغتصاب، و476 محاولة اغتصاب، و743 حالة تحرش جنسي، إضافة إلى 600 حالة عنف زوجي و787 حالة عنف جسدي. كما بلغ عدد النساء الضحايا 1893، وعدد البنات 3459، وهي أرقام لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للعنف، بقدر ما تعكس عدد الحالات التي استطاعت الوصول إلى التبليغ في مجتمع يفرض الصمت على الناجيات.

الإسكات الممنهج: حين تخاف الناجيات من العدالة

وفي حالات التبليغ، تفتقر الأجهزة الأمنية إلى التكوين اللازم للتعامل مع الناجيات/ ضحايا العنف الجنسي، حيث تُواجَه شكاوى العديد من النساء بالتجاهل من طرف السلطات، أو بالضغط عليهن بالتراجع عن رفعها، بل وأحيانًا بالسخرية والاستخفاف من معاناتهن، ويكرس هذا التعامل انعدام الثقة بالمؤسسات، كما يثني العديد من الناجيات عن اللجوء إلى العدالة.

وحين تواصل الناجية نضالها رغم كل هذه العراقيل، فإنها لا تجد في النهاية قانونًا يحميها. فغياب تعريف قانوني واضح للاغتصاب والتحرش الجنسي يتركها عرضة للتأويلات القانونية، بل وقد يحوّلها في بعض الحالات إلى متهمة، إذا لم تستطع إثبات انعدام الرضا، فتتم محاكمتها بتهمة الزنا!

وحتى في الحالات النادرة التي تتم فيها إدانة المعتدين، غالبًا ما تكون العقوبات مخففة وغير رادعة، حيث تصدر أحكام بالسجن غير نافذة أو محدودة أو يخرجون من السجن بعد ستة أشهر بذريعة الحرية المؤقتة، التي تعني في موريتانيا “حرية أبدية” ويظلون تحت الرقابة القضائية.

وفي هذا السياق، قالت عزة أحمد عضوة جمعية النساء معيلات الأسر:

“يعود تراجع النساء عن التبليغ عن جرائم العنف إلى عدم وجود قانون يحمي النساء، وخصوصًا جرائم الاغتصاب. أذكر في ملف ماضٍ كنا نتابعه: أب اغتصب بناته الخمس وحُكم عليه بعشر سنوات ثم أمضى ثلاث سنوات في السجن وخرج بحرية مؤقتة.”

وأثار الحكم الصادر في قضية اغتصاب ثلاث فتيات من طرف زوج والدتهن موجة غضب واسعة، بعدما تمت إعادة تكييف القضية إلى “انتهاك حرمات الله” والحكم على المغتصب بسنتين فقط!

وفي بيان صادر يوم 18 نيسان/ أبريل 2026، أدانت الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل -التي كانت تتابع الملف- هذا الحكم، معتبرة أن العقوبة “لا تتناسب مع خطورة الجريمة ولا تحقق العدالة للضحايا”. وهكذا تُسهم هذه الثغرات القانونية في ترسيخ ثقافة الصمت والإفلات من العقاب، بدلًا من ردع المجرمين وإنصاف الضحايا.

من يسند النساء حين تتراجع الدولة؟

وفي السياق ذاته، لا توفر الدولة فعليًّا أيّة منظومة متكاملة للدعم النفسي أو المساعدة القانونية للناجيات من العنف الجنسي، تاركةً هذا العبء بالكامل تقريبًا على عاتق المنظمات غير الحكومية، التي تعمل بموارد محدودة لمساعدة الناجيات. ويمثل هذا الغياب إخلالًا صريحًا من طرف الدولة بمسؤوليتها في حماية الضحايا وضمان حقهن في التعافي والعدالة.

وفي ظل هذا الفراغ، تبرز أهمية المراكز التي توفر للناجيات مرافقة نفسية وقانونية واقتصادية، باعتبار أن آثار العنف الجنسي لا تتوقف عند لحظة الاعتداء، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي والقدرة على الاستقلال والعيش بأمان.

ويقوم مركز الوفاء التابع لـلجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل بدور أساسي في دعم النساء والفتيات ضحايا العنف، من خلال توفير المرافقة النفسية والدعم القانوني والمساعدة الاقتصادية. وفي هذا الإطار، قام المركز يوم 30/04/2026 بتوزيع 40 نشاطًا مدرًّا للدخل لصالح الفتيات المستفيدات، ضمن مشروع حماية الأطفال والنساء من العنف، بتمويل من UNICEF في إطار برنامج مشترك مع UNFPA.

ويكشف وجود مثل هذه المبادرات أن حماية الناجيات لا تقتصر على العقوبات القانونية فقط، بل تشمل أيضًا توفير فضاءات آمنة ودعم نفسي واقتصادي يساعد النساء والفتيات على استعادة الاستقرار والقدرة على مواصلة حياتهن بعيدًا عن العنف والتبعية.

تزويج القاصرات.. اغتصاب مُشرعن

ولا يقتصر القصور القانوني على غياب النص من حيث تعريف واضح للاغتصاب والتحرش الجنسي ووضع عقوبة مباشرة لهما، بل يمتد إلى نصوص في مدونة الأحوال الشخصية تسمح بتزويج القاصرات في ظروف معينة “إذا رأى الولي مصلحةً لها في ذلك”.

هذا التساهل والتسامح مع تزويج القاصرات يطرح إشكالات عميقة تتعلق بالرضا والحماية، إذ أن الفتيات القاصرات لا يمتلكن القدرة الكاملة على اتخاذ قرارات واعية وحرة بشأن أجسادهن وحياتهن.

يفتح هذا الواقع الباب أمام علاقات غير متكافئة قد تنطوي على أشكال من العنف والإكراه، في ظلّ غياب ضمانات كافية لحمايتهن، وبهذه الطريقة يتقاطع السماح بتزويج القاصرات مع غياب تعريف قانوني واضح للاغتصاب، لينتج بيئة قانونية تُضعف حماية الفتيات وتعرضهن لمخاطر متعددة، بدلًا من صون حقوقهن.

إصلاحات موجلة على جثث “الناجيات جتى الآن”!

ورغم خطورة هذا الواقع، لا يمكن القول إن محاولات الإصلاح كانت غائبة تمامًا؛ فقد طرحت الدولة الموريتانية سابقًا مشروع قانون يُعنى بمكافحة العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، غير أنه سُحِب من البرلمان قبل أن يتم التصويت عليه، ما حال دون فرصة قبوله من طرف الجهاز التشريعي.

كما تم إعداد مشروع قانون “كرامة” سنة 2023، والذي يهدف إلى تعزيز حماية النساء وتجريم أشكال متعددة من العنف، إلا أنه هو الآخر لم يحظَ بفرصة عرضه حتى الآن على البرلمان، وهو ما يعكس تعثّرًا واضحًا في مسار الإصلاح التشريعي.

كما لا يمكن أن نتجاهل أن الدولة الموريتانية قد صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تُلزم الدولة باتخاذ تدابير فعالة لحماية النساء من العنف وضمان حقوقهن، غير أن استمرار غياب قوانين وطنية واضحة ومطبّقة يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الدولة بترجمة هذه التعهدات الدولية إلى واقع ملموس.

لم يعد بالإمكان تبرير هذا الفراغ القانوني أو تأجيل الإصلاح، فكل يومٍ دون قانون واضح هو يومٌ إضافي تُترك فيه النساء دون حماية، ويُمنح فيه العنف شرعية ضمنية.

كتابة: تربه حبيب

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد