
متلازمة علي برّو: كيف تحوّل التشهير إلى عقابٍ سياسيٍّ ضد النساء؟
التشهير بديما صادق ونوال برّي ومي شدياق.. ترهيب لكلّ النساء
في كل مرة تُبدي فيها إعلامية رأيًا سياسيًا أو اجتماعيًا مثيرًا للجدل، يتكرر المشهد المبتذل نفسه. تنمر، تشهير، إهانات، تدخل بالأمور الشخصية، وإساءات تصل إلى حد التهديد والترهيب. مواقف لا يمكن غض النظر لما تلقاه من رواجٍ وتطبيع كونها موجهة ضد النساء.
مشهدٌ يتراجع فيه النقاش من مستوى نقد ما يصدر عن إعلامية ما، وتفكيك موافقها كمواطنة لا كامرأة، نحو إساءاتٍ لفظية وتعليقاتٍ ذكورية تبدأ بالسخرية من الشكل والمظهر، قبل أن تنزلق إلى التشهير بالأخلاق والطعن في السمعة. نمطٌ -مع الأسف- مألوفٌ في بيئةٍ أبويةٍ أول ما تستند إليه لإسقاط النساء -مع ضمان تصفيق المجتمع- هو “سمعتهن”، وهو ما يكشف عن آليةٍ عُرفيّةٍ راسخةٍ لنزع الشرعية عن النساء في الفضاء العام، عبر “تأديبهنّ” وضبطهنّ باستخدام الأدوات الأبوية..
لا حاجة للاتفاق مع المواقف السياسية كي نرفض الإقصاء ممنهج عبر حملات التنمر والسخرية والتشهير.
حالة علي برّو: من نقد الأفكار إلى الشتم والتشهير
لا تحتاج واحدةٌ منّا إلى الاتفاق مع المواقف السياسية التي تتبناها بعض الإعلاميات كي ترفض ما يتعرضن له من إقصاءٍ ممنهج عبر حملات التنمر والسخرية والتشهير. فالنقد السياسي حقٌّ مشروع، والاختلاف في الرأي جزء أساسي من أي نقاش عام. لكن ما نشهده في كثير من الأحيان يتجاوز حدود النقد إلى مساحة أخرى تمامًا، حيث تتحول أجساد النساء وحيواتهن الشخصية إلى مواد محوريّة للهجوم بدل أفكارهن.
تُظهر الممارسات التي يعتمدها بعض صناع المحتوى والمؤثرين/ات، ومن بينهم/ن علي برّو، كيف يمكن أن ينزلق النقاش من مساءلة الأفكار والمواقف إلى استهداف النساء أنفسهن. وللمفارقة، فإن برّو يقدَّم كإعلامي، ومع ذلك يختار في محاججاته الانزلاق من مناقشة الفكرة إلى البلطجة والاعتداء.
قبل أيام، نشر برو مقطعًا مصوّرًا ردّ فيه على الإعلامية ديما صادق عقب حلقة من برنامجها “حكي صادق” على قناة “MTV” اللبنانية، تناولت فيها، بأسلوبٍ ساخر، قضية النزوح وتدمير قرى الجنوب. وقد أثار افتتاح الحلقة باحتفال تهكّمي بمناسبة “ذكرى المقاومة والتحرير” موجة واسعة من ردود الأفعال، واستفزّ شريحة كبيرة من المتابعات/ين، رأت في طرح الإعلامية نوعًا من التشفّي والاستهزاء بمعاناة الجنوبيات/ين. واعتبر هؤلاء أن ما قُدِّم في الحلقة بدا وكأنه رقص فوق أنقاض القرى التي دمّرها الاحتلال.
هل كان برّو سيجرؤ على الاستعراض نفسه لو كان خصمه رجل؟ نعلم مسبقًا الاعتبارات التي تختلف بوجود الاستحقاق الذكوري.
إلا أن ردّ برّو لم يقتصر على مناقشة مضمون الحلقة، أو تفكيك أبعاد ما ورد فيها، بل اتخذ منحى شخصيًّا واضحًا من خلال اللجوء إلى الشتم والإهانة واستحضار خطابٍ ذكوريٍّ ميسوجينيٍّ فجّ يُستخدم تقليديًا كأداة لتأديب النساء وإخضاعهن. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ظهر برّو أمام المبنى السكني الذي تقطنه ديما صادق، حاملًا بدلة رقص وعظمة كلب، كوسيلتين للسخرية والحطّ من الكرامة. سلوكٌ يحمل أبعادًا تتجاوز الإهانة الرمزية، إلى الاستضعاف الذكوري، وينطوي على انتهاك خصوصية ورسائل ترهيب مبطّنة، في ظل تعمّد الوصول إلى محيط السكن الخاص وتحويله إلى مسرح للتشهير والاستهداف. فهل كان برّو سيجرؤ على الاستعراض نفسه لو كان خصمه رجل؟
لا ننتظر جوابه، لكنّنا نعلم مسبقًا الاعتبارات التي تختلف بوجود الاستحقاق الذكوري. ولا يمكن النظر إلى هذا الاعتداء سوى ضمن سياقٍ أوسع يطبّع العنف الرقمي ضد النّساء، يسمتد علي برّو شرعيّته منه.
ففي وقت سابق، شنّ هجومًا آخر على الإعلامية نوال بري عقب نشرها تغريدة انتقدت فيها “حزب الله”. غير أن ردّه لم ينصبّ على مناقشة مضمون موقفها السياسي أو تفنيد حججه، بل اتجه نحو التشهير والإساءة من خلال التعرّض لحياتها الخاصة، في نموذج آخر لتحويل الخلاف السياسي إلى أداة للتشهير والاستهداف الشخصي بدلًا من الانخراط في نقاشٍ عام حول الأفكار والمواقف المطروحة.
كما سبق أن نشر علي برّو محتوى تحقيريًا مشابهًا تناول فيه الإعلامية مي شدياق، مستخدمًا لعبة بلاستيكية في سياق ساخر أُحيل فيه إلى إعاقتها والأطراف الاصطناعية التي تستخدمها. ويكشف هذا السلوك عن قدر كبير من انعدام الحساسية تجاه قضايا الإعاقة، حتى ضمن البيئة الاجتماعية والسياسية التي ينتمي إليها أو يتوجّه إليها بخطابه، والتي تضم عددًا كبيرًا من الجرحى والمصابين/ات بإعاقات دائمة نتيجة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
الشتم والتحقير الشخصي كبديلٍ جاهز للمحاججة الفكرية بحجة الاختلاف في السياسة او الاختلاف تجاه “حزب الله” تحديدًا.
ولا تقتصر إشكالية هذا النوع من الخطاب على كراهية النساء فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج نظرة تنتقص من الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة وتحول إعاقتهم/ن إلى مادة للسخرية والتجريح. وتزداد خطورة هذا الخطاب في السياق اللبناني، حيث خلّفت الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أعدادًا كبيرة من الأشخاص المصابين بإعاقات دائمة. وكان آخر هذه المحطات الإصابات التي نجمت عن تفجيرات أجهزة “البايجر” ووسائل الاتصالات التي نفّذها العدو الإسرائيلي خلال حرب الإسناد، وما خلّفته من إعاقات وجروح غيّرت حياة كثيرين وكثيرات بصورة دائمة.
ثلاثة نماذج من خطاب المذكور الموجه ضد إعلاميات لبنانيات، يركز على الشتم والتحقير الشخصي كبديلٍ جاهز للمحاججة الفكرية بحجة الاختلاف في السياسة او الاختلاف تجاه “حزب الله” تحديدًا. هو خطابٌ بنيويٌّ لا يمكن فصله في جوهره، عن نظرة هذه الفئة الأبوية للنساء وكيفية توجيه الجمهور المنظم وتجييشه رقميًا لشتمهن واستباحة كرامتهن علنًا.
النساء و”مربّع الطاعة”
تساعدنا الفيلسوفة النسوية كايت مان في كتابها Down Girl: The Logic of Misogyny (2017) على فهم هذه الظاهرة، إذ تشرح أن كراهية النساء تعمل بمثابة “الجهاز التنفيذي” للنظام الأبوي، ووظيفتها معاقبة النساء اللواتي يشغلن الحيز العام أو يملكن صوتًا مؤثرًا.
لماذا يتم استهداف أجساد النساء تحديدًا؟
من هنا، فإن الهجوم في هذا السّياق يهدف إلى نزع الشرعية عن صاحبة الرأي نفسها وإعادتها إلى “مربّع الطاعة”. وعندما تتحول النساء من فاعلات سياسيّات أو إعلاميات إلى موضوع للسخرية المرتبطة بأجسادهن أو حيواتهنّ وخياراتهنّ الشخصية، فإن النقاش يغادر السياسة تمامًا ليدخل في دائرة العنف الرمزي القائم على النوع الاجتماعي. لكن لماذا يتم استهداف أجساد النساء تحديدًا؟
لطالما كان دور النساء تاريخيًّا محدَّدًا ضمن أطر اجتماعية صارمة، تضبط حضورهن العام وتربطه بصورة نمطية للأنوثة تقوم على الامتثال والخصوصية. وفي السياق اللبناني، يتخذ هذا الاستهداف طابعًا أكثر حدّة حين يتعلق الأمر ببيئات اجتماعية محافظة، حيث تتقاطع الاعتبارات الجندرية مع البنية الثقافية والدينية السائدة.
في هذا الإطار، تُقرأ أي إعلامية -امرأة- من خلال توقعات مسبَقة حول “الدور المناسب” لها داخل مجتمعها، وعندما لا تتماشى مع المعايير المتوقعة، أو تتبنى خطابًا يكسر السائد، يُنظر إلى وجودها العلني بوصفه خرقًا وتحديًا لخطوط حمراء، ما يفتح المجال أمام أشكال من العقاب الاجتماعي الشرس الذي يتجاوز المهني إلى الشخصي.
المنصات الرقمية أرض خصبة للتشهير
هذا الإرث الثقافي وجد في السنوات الأخيرة بيئةً رقميّةً خصبة لمضاعفة أثره. فقد باتت ديناميات المنصّات قائمةً بشكلٍ متزايدٍ على جذب التفاعل السريع، حيث تُكافئ الخوارزميات المحتوى الاستفزازي والمشحون عاطفيًّا والقابل لإثارة الجدل.
وفي الفضاء اللبناني، يفاقم التوتر السياسي المستمر، وتعدّد الانقسامات، حالة الاستقطاب الحاد.
ومع غياب الأطر الإعلامية التي تضبط الخطابات وتحدّ من الانزلاق نحو الشخصنة، يجد “الضبط الأخلاقي” و”التشهير بالجنس” وتحديدًا التشهير على أساس النوع الاجتماعي طريقًا سهلًا ليتصدّر الواجهة، لما يوفره من سرعةٍ في الانتشار وتفاعل أعلى على المنصات الرقمية التي تحوّل كراهية النساء إلى مادة صالحة للاستهلاك والربح.
صناعة التجييش: من الشاشة إلى وعي الجمهور
يشكل نموذج محتوى الإعلامي وصانع المحتوى علي برو تجسيدًا لآليات صناعة “الترند” القائم على الاستثارة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، في تحول هذا السلوك من ممارسةٍ فرديةٍ إلى ثقافةٍ جمعيةٍ تنتقل بسلاسة من صانع المحتوى إلى الجمهور، فيما يمكن تسميته بـ “صناعة التجييش”.
في هذا الواقع الرقمي الجديد، أُعيد تعريف مفهوم السلطة والنفوذ. فمن يملك عدد متابعين/ات أكبر، بات يملك -بمنطق المنصات- الكلمة الأخيرة والفصل الأخلاقي، بغض النظر عن مدى صحة قوله أو حجم انعدام أخلاقياته. لقد خلقت “شرعية الأرقام” نوعًا من الحصانة لصنّاع المحتوى، وفي المقابل، حوّلت الجمهور من متلقٍّ سلبيٍّ إلى أداة تنفيذية متعطشة للمشاركة في عمليات “الضبط الأخلاقي”.
إما الاعتذار، أو الانسحاب من المجال العام، أو الاستمرار في مواجهة حملات منظمة تستنزف الإعلاميات نفسيًا ومهنيًا.
يندفع آلاف المتابعين/ات، مدفوعين/ات بتوجيه المؤثّر، لممارسة دور “حراس الفضيلة” عبر الشتم والتشهير الجماعي. هذا الانتقال من شاشة المؤثر إلى وعي وسلوك الجمهور يمنح المتابعين/ات شعورًا زائفًا بالبطولة الرقمية والاستعلاء الأخلاقي، بينما هن/م في الحقيقة يشاركن/ون في اغتيالٍ معنويٍّ ممنهج، يُخرج الإعلامية من دائرة الأهلية الإنسانية والمهنية ويجعل استباحتها أمرًا مقبولًا ومبررًا شعبيًا.
ولا يتوقف الأمر عند حدود منصات التواصل الاجتماعي، بل قد يمتد إلى الهاتف الشخصي للإعلامية ويطال عائلتها ومحيطها، من خلال تداول رقمها، ومراقبة حساباتها، وانتهاك خصوصيتها بأشكال مختلفة. وأمام هذا العنف، تجد الإعلامية نفسها أمام خيارات محدودة ومكلفة؛ إما الاعتذار، أو الانسحاب من المجال العام، أو الاستمرار في مواجهة حملات منظمة تستنزفها نفسيًا ومهنيًا، أو اللجوء إلى التجاهل بوصفه آلية دفاعية تعتمدها كثيرات للتعامل مع العنف المستمر المحيط بهن.
ترهيبٌ نفسيٌّ لا يقتصر على النساء المستهدفات أنفسهن، بل يتحول تدريجيًا إلى ترهيب جماعي يهدف إلى تقييد حرية التعبير ودفع مزيدٍ من النساء إلى التراجع عن التعبير العلني عن آرائهن ومواقفهن. وهكذا يحقق هذا العنف، بأشكاله الرمزية والمادية، أحد أبرز أهدافه: إفراغ الفضاء العام من التعددية والاختلاف، وإعادة إنتاج علاقات السلطة الأبوية عبر ترهيب كل امرأة تفكر في تحدّيها أو اختراق حدودها.
فبين محتوى علي برو وأطروحة كايت مان، تظهر الحقيقة الواضحة بأن أي اختلاف في وجهات النظر يتحول إلى عقاب ممنهج لإعادة ترسيم الحدود الأبوية وتذكير النساء بالثمن الباهظ لامتلاك صوت مؤثر سواء كان صوتًا يحمل نقدًا بنّاءً او سلبيًّا.