هذا الغضب كله كان حبا يومًا ما.. حكاية النساء اللواتي أبقين اليمن حيًّا فقتلوهن  

أشعر بالغضب. غضبٌ متصاعدٌ يسيطر عليّ منذ أيام، ويتفاقم كلما أدركت أنه مستمرٌّ معي حتى بعد مرور سبع سنوات من العيش في الخارج.

غضبٌ لأن حياتنا كنساء يمنيات في الخارج لطالما كانت مختلطة بمشاعر الذنب والشوق وآمال غير منطقية بالعودة. كأيّ مغترب/ة، تعافر وتحاول وتسعى إلى أن ترتبط رحلته/ا في لحظة ما بجذورها، أبحث عن مساحةٍ في بلدي يمكن أن تستوعبني وتفخر بي وتستخدمني وتستثمر بي.. لكن الواقع أنني وبلدي نمشي في خطين متعاكسين ومتوازيين لا يمكن أن يلتقيا أبدًا.

أشعر بالعار عندما نتحدث بأسمائهن وكأنهن “فقط” مقموعات وضعيفات ومعنَّفات!

أشعر بالغضب والحزن لأن النساء في اليمن، اللواتي بقين هناك تحديدًا، لا يستحقين أبدًا كلّ هذا الظلم وهذه الإهانات.

وأشعر بالعار عندما نتحدث بأسمائهن وكأنهن “فقط” مقموعات وضعيفات ومعنَّفات، ليس لأننا نغازل الجهات المانحة والرجل الأبيض، إطلاقًا. بل لأن واقعهنّ بات مدعاةٌ للقهر والسخط…

مجتمعٌ يصر على أن يقمع ويعنّف بل ويقتل هؤلاء النساء..

دعونا نبدأ بالحكاية من أوّلها.

كل ما تقوم به النساء في اليمن من عملٍ رعائي هو غير مرئي، غير مقدَّر، وغير معترَف به من مجتمعنا المحلي. مجتمعٌ يصر على أن يقمع ويعنّف بل ويقتل هؤلاء النساء اللواتي صمدن خلال ١٣ سنة من الحرب، حافظن على البيوت المقصوفة والمزارع المهجورة والمدارس المتداعية، وصنعن الطعام من سلة الإغاثات، واستضفن النازحين/ات وسحبن أبنائهن من ساحات القتال، وتظاهرن لعودة المخفيين/ات قسـريًّا، وتظاهرن لأجل التيار الكهربائي والماء والبنزين، ودعمن رجالهن عندما غابت مرتّباتهم بالشهور، أو خسروا أعمالهم، واستجبن -فجأة- لضرورة أن ينضممن لسوق العمل خارج المنزل أو داخله رغم إقناعهن لسنوات أو إجبارهن بأن “يقرن في بيوتهن،” وبعد أن حرمن من التعليم والمهارات..

كنت هناك لعشرين عامًا، وكل ما بني في وجوهنا جدارًا صنعنا فيه حفرةً لنتنفس وتتنفس أسرنا، وتتنفسون جميعًا حتى وأنتم تصرون على خنقنا.

إذا بدأنا الحكاية من “أوّلًا”، سنجد أن اليمنيات هنّ من حافظن مضطرّات على خرافة “خصوصية المجتمع اليمني”. حتى عندما تتمرد إحداهن تكون كل خطوة مدروسة، وكافية كي لا “تشوه صورة المجتمع وتسيء لسمعته وتهين كرامته”. ورغم هذا يتم معاملتنا باستمرار أننا مجرد امتدادٌ لما يُعرف بالـ”شرف” وامتدادٌ للكرامة وامتدادٌ لخصوصية الثقافة، لكن بلا قيم وبلا مبادئ وبلا شرفٍ إنساني!

لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يتعزّز بممارساتٍ علنية تعكس حجم العداء لفكرة حماية النساء نفسها. فقد وثّق أحد المقاطع المصوّرة قيام مجموعة من الرجال في منطقة فُوّة بمدينة المكلا باقتلاع لافتة مشروع دار إيواء للنساء المعنّفات، في مشهدٍ يكشف كيف تحوّلت المطالبة بحماية النساء إلى موضوعٍ للتحريض والهجوم.

ودار الإيواء النسائي هذا هو مرفقٌ تشرف عليه السلطات المحلية ممثلة بمكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، ويهدف إلى توفير الحماية والرعاية المؤقتة للنساء المعرضات للخطر أو اللواتي لا يجدن مأوى آمن، إلى حين معالجة أوضاعهن الاجتماعية والقانونية عبر الجهات المختصة. ورغم أنه أُنشئ بتمويل عملية بنائه من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلّا أن المبنى سُلّم رسميًّا للدولة.

هذه المعلومات وردت في بيان أصدره مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالمحافظة بعد أن حملة منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي، ضمّت أشخاص يصنَّفون محليًّا “نخبة المجتمع”، روّجوا للرفض القاطع لتأسيس دار الإيواء، ووجدت صداها في الشارع حيث خرج هؤلاء الشباب لتخريب مكان المنشأة بذريعة “حماية القيم”.

في نفس البيان أوضح المكتب أن هذا المشروع تأسس تلبيةً لاحتياجٍ عاجل حيث أن تدخلاته خلال الأعوام الثلاثة الماضية شملت أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية والرعاية الاجتماعية. كما أكد أن جميع الإجراءات تتم بالتنسيق مع الجهات المعنيّة وبالتعاون مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، وأن “الدار مخصصة لحماية النساء اللاتي يواجهن ظروفًا استثنائية ومشكلات اجتماعية وأسرية، وليست وسيلة لتشجيع التفكك الأسري أو الخروج عن القيم المجتمعية كما يروّج البعض”.

لا أفهم مغزى التعاون تحديدًا مع وزارة الأوقاف والإرشاد بدلًا من منظمات المجتمع المدني ذات الخبرة، وفي مقدمتها “اتحاد نساء اليمن” أو “اللجنة الوطنية للمرأة”، ولكن الرد جاء سريعًا و “بصراحة” ليس مفاجئًا.

ففي تعليقٍ للشيخ صالح باكرمان، عضو هيئة علماء اليمن، يرى هذا البيان غير كافٍ لتبديد المخاوف المجتمعية والتساؤلات المتداولة بشأن طبيعة عمل الدار وآليات الإشراف عليها. وقد دعا إلى إخضاع دار الإيواء النسائي في حضرموت لإشرافٍ شرعيٍّ رسمي، مقترحًا بدائل كتحويلها إلى مدرسةٍ للبنات أو مركزٍ لتحفيظ القرآن الكريم. ومواقف كثيرة غيرها تعكس رفض التعامل مع العنف ضد النساء بوصفه قضيةً إنسانية وأخلاقية تستدعي التحرك العاجل لحمايتهن، في مقابل تحويل المساحات الآمنة للنساء إلى المشكلة بحدّ ذاتها.

من أنشأ محطة الطاقة الوحيدة في عبس لحي كامل؟..  الإجابة بساطة: عشر نساء!

أولويتنا أن نحمي النساء قبل أن نسمع أخبار قتلهن!

أشعر بالغضب يسري كتيار كهربائي في جسدي وأنا أشاهد حملة مجتمعية يقودها “صحافيون” و “نشطاء” و “مثقفون” يمنيون لطالما عملنا معهم و ناضلنا معهم و تضامننا معهم عندما سُجنوا وعُذبوا وتم نفيهم، وهم يخذلوننا ويخوّنوننا ويرفضون تأسيس “دار إيواء للمعنفات” ويستخدمون حججًا أقبح سأرد عليها لأن هذه آخر محاولاتي لاستخدام المنطق في مجتمع مجنون تمامًا:

يقولون: “يفترض أن الميزانية تذهب للخدمات الأساسية، للكهرباء والماء!”

عفوًا؟ لم تقطع النساء الكهرباء والماء، لم يحملن السلاح ولم يسرقن ميزانية الدولة ولم يكن لهن أي يد في المهزلة التي حدثت، ومع ذلك، من حمل أنابيب الغاز وجرار الماء ووقف في الطوابير وصنع الخبز في التنور بالحطب؟ من باع الذهب لشراء بطاريات وألواح شمسية حتى لا نموت في الحر والظلام؟ من تظاهر في عدن لأيام في “ثورة النسوان” ووقف في الشمس لتعود الخدمات؟ بل من أنشأ محطة الطاقة الوحيدة في عبس لحي كامل؟..  الإجابة بساطة: عشر نساء!

يقولون: “مشاريع مستوردة لا تمثل أولويات مجتمعنا!”.

مجتمع من؟ وأولويات من؟ أولويتي أنا أن أظل على قيد الحياة ونظل جميعًا كذلك!

في اليمن تموت النساء ضربًا وإهانة في بيوتهن. ليس كل البيوت حسنًا، ولكن النساء في البيت المجاور أخواتنا ونساءنا، الأرامل والمطلقات وزوجات المدمنين والمختلين وبنات الشهداء نساءنا كذلك.

أولويتنا أن نحميهن قبل أن نسمع أخبار قتلهن!

أولويتي في ٢٠٢٠ كانت ألا أقرأ خبر قتل مروة البيتي، زميلتي في الثانوية حرقًا حية أمام طفليها.

ولو كان هناك دار معنّفات لما فقدنا مروة وعشرات النساء اللواتي لم يكن أمامهن إلا الشارع.

مستوردة؟ أول دار إيواء في العالم “رباط البغدادية” تشيدت على يد الأميرة المملوكية “المسلمة” خاتون بنت بيبرس في القاهرة 684 هـ  بالتقويم الهجري، مقابلةً في التقويم الميلادي بين سنتي 1285 و1286 ميلادي، وهذه مقالة من موقع اسمه “قصة الإسلام”.

كامرأة يمنية أرفض كذلك دار إيواء المعنفات لكن لأسباب مختلفة تمامًا عن هذا الهراء والتلاعب بالحقائق.

يقولون: “دور الإيواء تفكك الأسر وتزرع التمرد؟”

الأسرة لا تمارس العنف، لا تهين ولا تضرب ولا تقتل ولا تخيف. دور الأسرة الأوّل هو الحماية والدعم والأمان المادي والنفسي، وعندما يحدث أن تخرج امرأة من بيتها يعني أن الأسرة إلى مؤسّسة حكوميّة تفكّكت بالأصل بفعل التعنيف، وأن هناك من لم يحترم الإنسانية والقيم وهو المعنّف، وهو بالتأكيد المجرم والمتمرد وليس الضحية.

دار الإيواء في هذه الحالة هو آخر محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قبح وتدني المجتمع الذي وصلنا له.

وفي الحقيقة؟ أنا كامرأة يمنية أرفض كذلك دار إيواء المعنفات لكن لأسباب مختلفة تمامًا عن هذا الهراء والتلاعب بالحقائق.

أرفضها لأنني أرفض العنف، وأرفض انعدام الخيارات، وأرفض انعدام القوانين التي تحميني وتوفر لي مسكن ورعاية ودعم مادي ونفسي وقانوني، أرفض أن أخرج مضطرةً من بيتي الذي بنيته وحافظت عليه بالحب والعرق والدم لأقيم في مصلحة عامة، أرفض ألا أجد من يقف معي ولي من أهلي وعائلتي ومجتمعي ليجبروا المعتـدي على الخروج ويوبخوه، ويسألونني كما تُسأل النساء الحرائر عن الحل الذي يرضيني ويجبر ضرري وخاطري!

لا تحدثوننا عن القيم والأصول والعادات بينما المسدس فوق رؤوسنا، لأن لنا كرامة أيضًا…

لا تحدّثوننا عن الشرف وأنتم تقتلوننا أو تصفقون لقتلنا… كفى تدليسًا ونفاقًا وخيانة!

كتابة: عائشة الجعيدي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد