عزيزي عمرو دياب.. من أين جئت بصورة البنات في “لولا البنات”؟!

عزيزي عمرو دياب،

حينما استمعت إلى أغنية “لولا البنات” وشاهدت الكليب الذي تصدر قائمة الأكثر مشاهدة على يوتيوب في الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية، توقفت أمام صورة المرأة الريفية التي قدّمها المخرج طارق العريان، وكرّستها الكلمات التي كتبها مصطفى البرنس.

فتاةٌ لطيفة ترتدي جلبابًا بألوانٍ زاهية، مكشوفة الرأس، ترقص بفرح، تطل من البلكونة “متدلعة، متعطرة”، وكأن الريف المصري ما زال يعيش فى زمنٍ بعيد لم تمسه التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

أخشى أن هذة الصورة الحالمة لم تعد سوى حنينٍ إلى ريفٍ قديم، أو ربما خيالٍ حضري عن الريف أكثر منها وصفًا للواقع المُعاش. وحتى أكون منصفة، فإنك، في المقابل، لم تُخطئ فى نقل صورة فتيات “الساحل الشرير” كما هي؛ فلعلّ صورة المرأة الريفية التي تصدرت الكليب ليست سوى انعكاسٍ لتصوّر أبناء “الساحل الشرير” عن الريف “الغلبان”، لا صورةً للريف كما هو في واقعه.

فالفتاة الريفية اليوم لم تعد ترتدي الجلباب الزاهى الألوان كما كانت تفعل جداتها وأمهاتها. اليوم، أصبحت العباءات القاتمة، كالحة السواد، أكثر حضورًا. ومع تزايد الالتزام بالحجاب والبحث عن ملابس فضفاضة أكثر اتساعًا، اتجهت كثيرات إلى ارتداء التنانير الواسعة والفساتين الطويلة والحجاب الأطول. كما أنها ذهبت إلى الجامعة، وأصبحت تخجل من ارتداء الجلباب، لأن كلمة ” فلاحة” نفسها تحولت في الخطاب اليومي إلى سُبّة، لا إلى هوية يُفتخر بها.

عزيزى عمرو دياب،

لو أن الوقت الذي تقضيه فى الساحل أتاح لك زيارة -ولو قصيرة- إلى الريف، لوجدت أن معظم الفتيات لا يجرؤن على السير مكشوفات الرأس، ليس لأنهن اخترن ذلك، بل لأن المجتمع مستعد لوصمهن بأنهن “قليلات الرباية” إن فكّرن في كشف شعرهن. وإن أقدمن على ذلك بالفعل، فقد يجدن أنفسهن أمام الترويع والتهديد بالقتل لترهيبهن، وإن كانت العائلة رحيمة ببناتها فسيجدن أنفسهن حبيسات الغرف، حليقات الرؤوس.

والفتيات -للعلم- لا يجرؤن على الإطلال من البلكونات، كما توحي أغنيتك، فكثير من الأسر تعتبر مجرد الوقوف فيها تصرّفًا غير مقبول. بل إن كثيرًا من البلكونات أُغلقت وسُدت بالألوميتال أو الألواح، حتى بدا وكأن البيوت هي الأخرى ارتدت حجابًا.

وبالمناسبة، بيوت الريف لم تعد بيوتًا من الطين أو الطوب اللَّبِن، متناثرةً وسط الحقول الخضراء كما صوّرها الكليب. فقد ارتفعت الأبراج والمبانى الخرسانية، حتى أصبحت قرى كثيرة أشبه بغاباتٍ أسمنتية، بعد أن كانت غاباتٍ من الخضرة تكسوها الحقول والأراضى الزراعية.

كما لم تعد الفتيات يتنزّهن ببساطة وحرية في الحقول، أو على كورنيش النيل، أو حتى ضفاف “الترعة”، كما كان يحدث قديمًا؛ فالخروج بمفردها، والضحك بصوت مرتفع، والجلوس في الأماكن العامة، قد يصبح سببًا للتعليقات والمراقبة والأحكام الأخلاقية.

أما العطر الذي تغنّيت به في الأغنية، فقد أصبح هو الآخر محل جدلٍ ديني واجتماعي، بعد انتشار فتاوى دفعت بعض الأسر إلى منع فتياتها من استخدامه خارج المنزل باعتباره مدخلًا للفتنة، وكأن الرائحة الوحيدة المقبولة التي تليق بهن هي رائحة روث البهائم وزفارة السمن البلدي.

عزيزي عمرو دياب،

الصورة الواقعية لفتيات الريف لا تكتمل إذا اقتصر الحديث على الضحكة، أو الدلع، أو العطر، أو الغمازات. فخلف هذه المشاهد الخيالية المبهجة حياةٌ قاسية وشاقة، تبدأ قبل شروق الشمس وتنتهى مع حلول الليل.

آلاف الفتيات يخرجن للعمل في الحقول مقابل أجور يومية مهينة لا تتجاوز المائة جنيه، ولا تتوقف المعاناة عند العمل، بل تبدأ أحيانًا قبل الوصول اليه؛ فالطرق الوعرة، وغياب وسائل نقل آدمية تحفظ الكرامة، يجعلان رحلة الوصول محفوفة بالمخاطر.

وقد تجسدت هذة المأساة فى الحادث المروع الذى أودى بحياة ١٨ فتاة في محافظة المنوفية أثناء توجههن إلى العمل فى مزارع العنب، هذا إن كنت مهتمًّا بمعرفة آخر أخبار فتيات الريف الحقيقية.

فنّاننا العزيز،

فى الوقت الذي تتخيل فيه فتاةً ريفيةً ترقص في الأفراح وتطل من الشرفات، ما تزال أخريات يتعرّضن لممارسات مؤلمة ولا إنسانية تبدأ بختان الإناث رغم تجريمه قانونيًّا، ولا تنتهي بحرمانهن من أبسط حقوقهن، وفي مقدّمتها حقهن في الميراث وحيازة الأراضي الزراعية.

وبالرغم من أنه “لولا البنات” ما نمت أرض ولا اخضرّ زرع ولا زار الخير والبركة بيوتنا وحقولنا، فإن  كثيرًا من الأسر ما تزال تعتبر الأرض الزراعية حقًّا أصيلًا للذكور دون الإناث، فتُسجل الأراضي باسم الإخوة بينما يُطلب من الإناث التنازل حفاظًا على صلة الرحم، ويصبح الميراث منحةً يمنّ بها الأخ على أخته، لا حقًّا يكفله الشرع والقانون.

 

لجين خليفة في كليب "لولا البنات"
لجين خليفة في كليب “لولا البنات”

عزيزي عمرو دياب،

وراء “لجين خليفة”، الفتاة الجميلة التى ترقص فى الأغنية وتفتن المشاهدين أمام الشاشات، توجد فتاة أخرى تستيقظ قبل الفجر لتلحق سيارةً تقلها إلى الحقول، وأخرى تخاف السير وحدها فى طريقٍ وعر، وثالثة حُرمت من الميراث، ورابعة أُجبرت على ترك تعليمها أو الزواج مبكرًا، وخامسة تنتظر موعد ختانها.

نعم، الاحتفاء بفتيات ونساء الريف رائع، لكن الأروع أن نرى ما يواجهنه من تحدياتٍ حقيقية. وإلّا من سيصدّق أن وراء كل تلك الضحكات، وتلك الصورة المبهجة، واقعًا مثقلًا بالحرمان والعمل الشاق والتمييز؟

الفن، يا “هضبة”، حين يكتفي بتجميل الواقع من أجل صناعة الترفيه وجذب المشاهدات فقط، لا يصنع الوهم فحسب، بل يضلّل أيضًا، ويمنح هذا الوهم شرعيّةً في الوعي الجمعي. وحين يختزل النساء الريفيات في صورةٍ راقصة جميلة، فإنه يطمس معاناتهن ويجعل تغييبهن يبدو أمرًا طبيعيًّا.

المشكلة ليست في وجود صورة جميلة، بل في أن تصبح هذه الصورة هي الحقيقة الوحيدة التي يراها الناس.

 

كتابة: نوران ضياء

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد