
“ملاذ لدعم المرأة”: 61 جريمة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال الربع الأول لعام 2026
أطلقت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أول تقاريرها الدورية، والذي يرصد ويحلل أنماط العنف ضد النساء في مصر خلال الربع الأول من عام 2026، مستندًا إلى قاعدة بيانات تضم 61 حالة موثقة.
وأعلنت المؤسسة في بيانها، الاثنين 13 نيسان/أبريل الجاري، أن التقرير يقدم تحليلًا شاملًا لظاهرة العنف ضد المرأة في مصر خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى آذار/مارس 2026، استنادًا إلى رصد 61 حالة موثقة من مصادر إعلامية مصرية وبيانات متاحة.
واستهدف التقرير الانتقال من مجرد عرض الوقائع إلى فهم الأنماط المتكررة والسياقات الاجتماعية التي تنتج هذا العنف، بما يدعم تطوير استجابات أكثر فاعلية تستند إلى الأدلة.
وكشفت نتائج التقريرأن العنف ضد المرأة في مصر لا يمثل ظاهرة فردية أو استثنائية، بل نمطًا متكررًا يعكس اختلالات بنيوية في العلاقات الاجتماعية، ويتسم بطابع تصاعدي يبدأ في كثير من الحالات بأشكال أقل حدة – مثل العنف النفسي أو التهديدات- قبل أن يتطور إلى اعتداءات جسدية قد تنتهي بالقتل في بعض الحالات.
وأكدت البيانات أن هذا النمط أن العنف ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تدريجيًا يمكن التدخل فيه إذا توفرت آليات الوقاية والحماية المبكرة.
أشارت البيانات إلى أن الاعتداء بالضرب يمثل النمط الأكثر شيوعًا (42.6%)، يليه التحرش (23.0%)، ثم القتل (21.3%)، وهو ما يعكس تداخل أنماط العنف بين المجالين الخاص والعام. كما أظهرت النتائج أن ما يقرب من ربع الحالات (24.6%) يقع ضمن نطاق العنف الشديد، الذي يشمل جرائم القتل ومحاولات القتل، مما يعكس مستوى مرتفعًا من الخطورة التي تواجهها النساء والفتيات.
وأُبرز التحليل مسارًا تصاعديًا واضحًا للعنف، يبدأ غالبًا بأشكال نفسية أو ضغوط غير مباشرة، قبل أن يتطور إلى اعتداءات جسدية، وقد ينتهي في بعض الحالات إلى القتل، وهو ما يطرح التدخل المبكر ليس كخيار، بل كضرورة حاسمة لكسر هذا المسار قبل اكتماله.
وكشف التقرير عن امتداد العنف عبر المجالين الخاص والعام، حيث ترتبط الحالات الأكثر حدة بعلاقات قريبة داخل الإطار الأسري، في حين يظهر التحرش بصورة أكبر في الفضاء العام، بما يعكس تعدد مصادر التهديد، ويضع النساء في مواجهة ما يمكن وصفه بـ”ازدواجية الخطر” داخل المنزل وخارجه.
ولا يقف التقرير عند توصيف الأنماط، بل يتعمق في تحليل دوافع العنف، مشيرًا إلى أنها رغم تنوعها الظاهري بين الخلافات الأسرية والعوامل الاقتصادية والشك في السلوك، تتقاطع في جوهرها حول محاولات فرض الهيمنة وضبط سلوك النساء، وهو ما يكشف عن البعد الثقافي والاجتماعي العميق للظاهرة.
وعلى المستوى الجغرافي، أشار التقرير إلى امتداد الظاهرة عبر عدد واسع من المحافظات، مع تركز نسبي في المناطق الحضرية، وهو ما يرتبط بعوامل مثل الكثافة السكانية ومستوى الإبلاغ، في مقابل احتمالية وجود حالات غير مرصودة في مناطق أخرى نتيجة فجوات في التوثيق.
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن محدودية الموارد تمثل عائقًا أمام بناء صورة مكتملة للظاهرة، حيث لا تتيح الإمكانيات الحالية تغطية ميدانية شاملة، وهو ما يخلق فجوة بين الحجم الفعلي للعنف وما يتم رصده.
وأوصى التقرير إلى تبني مقاربة شاملة تتجاوز الاستجابات الجزئية، ترتكز على تعزيز آليات الحماية والتدخل المبكر، وتفعيل المساءلة القانونية، ومعالجة الجذور الثقافية والاجتماعية، إلى جانب تطوير نظم الرصد والبيانات، ودعم التمكين الاقتصادي للنساء.
ومن جانبه، قال رئيس مجلس أمناء مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أنس عقيل: “ما يكشفه هذا التقرير لا يمكن قراءته كأرقام أو وقائع منفصلة، بل كمؤشر على بنية تنتج العنف وتعيد إنتاجه. التأخر في التعامل مع هذه البنية لا يعني فقط استمرار الظاهرة، بل تعقيدها، ورفع كلفتها على المجتمع ككل. نحن بحاجة إلى انتقال حقيقي من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، قائم على الفهم والتحليل، وليس فقط على الاستجابة.”
وأضاف: “أن ما يرصدُه التقرير لا يقتصر على زيادة عدد الحالات، بل يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة العنف نفسه، من حيث حدته وتسارع وتيرته. وتكمن خطورة النتائج ليس فقط في الوقائع ذاتها، وإنما في المسار الذي تتحرك فيه، حيث يبدأ العنف بمؤشرات أولية قد تبدو محدودة ويتم تجاهلها، قبل أن يتصاعد تدريجيًا إلى مستويات شديدة الخطورة. وهو ما يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في الاستجابة بعد وقوع العنف، بل في القدرة على التدخل المبكر وكسر هذا المسار قبل وصوله إلى مراحل أكثر عنفًا وتعقيدًا.”