الحرب تعطل تعليم 250 ألف تلميذ/ة في لبنان

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورقة تقييم حالة بعنوان “الجيل الضائع.. كلفة الحرب والأزمات على التعليم في لبنان”، تناولت التداعيات المتراكمة للأزمات الاقتصادية والسياسية والحرب على قطاع التعليم، وما خلّفته من خسائر كبيرة في فرص التعلّم ومخرجاته، لا سيما بين الأطفال/ات الأكثر هشاشة.

بحسب الورقة، تفاقمت أزمة التعليم في لبنان مع توسّع الحرب الإسرائيلية في آذار/مارس 2026، في وقت يعاني فيه القطاع منذ سنوات أزمات متتالية، من بينها الانهيار الاقتصادي، وتعطّل التعليم بسبب جائحة كوفيد-19، وإضرابات المعلمين احتجاجًا على تراجع القيمة الحقيقية للرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي والانقطاعات المتكررة عن الدراسة.

وأدّت هذه العوامل مجتمعة إلى فقدان ما يعادل ثلاثة من كل خمسة أيام تعلّم، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في مخرجات التعلّم الأساسية.

وخلص التقييم التشخيصي الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والإنماء للعامين 2024 و2025، إلى أن أكثر من نصف تلاميذ الصف الأول يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الرياضيات، فيما لم يتمكّن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلاميذ في الصف السادس من إتقان عملية القسمة.

الحرب تعمّق أزمة التعليم

أكدت الورقة أن الحرب الأخيرة فاقمت مواطن الضعف والهشاشة القائمة في قطاع التعليم؛ ففي ذروة الحرب، استُخدم نصف المدارس الحكومية كمراكز إيواء للنازحين/ات من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدّى إلى تعطيل تعليم أكثر من 250 ألف تلميذ/ة، وألحق ضررًا بالغًا بالأطفال/ات الأكثر اعتمادًا على التعليم الرسمي.

وكانت تداعيات الحرب على تعلّم الأطفال فورية؛ إذ أظهرت الأدلة أن أكثر من نصف الأطفال/ات النازحين/ات في مراكز الإيواء التي شملها التقييم لم يكونوا ملتحقين بالمدارس الابتدائية، في حين لم يكن ستة من كل عشرة مراهقين/ات نازحين/ات ملتحقين/ات بالتعليم الثانوي.

كما أسهم إغلاق المدارس والنزوح وانعدام الأمن ومحدودية الوصول إلى موارد التعليم في تقليص فرص التعلّم بصورة أكبر.

آثار تتجاوز التعليم

لم تقتصر تداعيات الحرب والأزمات على العملية التعليمية، بل امتدت إلى الصحة النفسية للأطفال/ات. وأظهرت البيانات على المستوى الوطني أن 7 من كل 10 أطفال/ات ظهرت عليهم أعراض مرتبطة بالقلق، فيما عانى نحو ستة من كل عشرة أطفال/ات أعراضًا مرتبطة بالاكتئاب.

وكان بإمكان المدارس أن توفّر قدرًا من الاستقرار والحماية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال/ات، في وقت كانت فيه الحاجة إلى هذه الخدمات في أشدّها. إلا أن عددًا كبيرًا منهم ظلّ منقطعًا عن التعلّم وعن منظومة الدعم الأوسع التي يوفرها التعليم.

وتحذّر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» من أن الأطفال/ات الذين لا يكتسبون مهارات القراءة الأساسية يواجهون/ن نتائج حياتية أسوأ بكثير، قد تشمل انخفاض دخلهم طوال حياتهم بنسبة تصل إلى 70 في المئة.

وبهذا المعنى، لا يمثّل تراجع مستوى التعلّم أزمة تعليمية فحسب، بل ينذر أيضًا بأزمة وشيكة في رأس المال البشري والاقتصاد، إذ تتقلّص، مع مرور كل عام من دون معالجة هذه الفجوات، الفرص المتاحة أمام جيل كامل من الأطفال.

أبرز تداعيات الحرب على التعليم والأطفال في لبنان

  • أكثر من 100 مدرسة دُمّرت أو لحقت بها أضرار جسيمة.
  • خسارة ثلاثة أيام تعلّم من كل خمسة أيام.
  • أكثر من نصف تلاميذ الصف الأول يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الرياضيات.
  • بحلول الصف السادس، تراجع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة إلى ما يعادل 4.5 سنوات من التعلّم.
  • 8 من كل 10 تلاميذ/ة في الصف السادس لا يتقنون عملية القسمة.
  • تحوّل 50 في المئة من المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء.
  • أكثر من 50 في المئة من الأطفال/ات النازحين/ات لم يلتحقوا/ن بالتعليم الابتدائي.
  • 6 من كل 10 مراهقين/ات نازحين/ات لم يلتحقوا/ن بالتعليم الثانوي.

أزمة تنفيذ وترتيب أولويات

أوضحت ورقة تقييم الحالة أن التحدي في لبنان لم يكن مرتبطًا بنقص البيانات اللازمة لتحديد الاحتياجات التعليمية، إذ كانت هذه المعطيات متاحة قبل الحرب وخلالها.

وكشفت تقييمات التعلّم عن ضعف حاد في التحصيل العلمي خلال الفترة الممتدة من بداية الأزمة الاقتصادية حتى اندلاع الحرب في عام 2024، كما أظهرت حجم التداعيات الكبيرة التي خلّفها العدوان والنزوح، وما رافقهما من إغلاق للمدارس وتعطيل للعملية التعليمية.

إلا أن التحدي الأكبر، بحسب الورقة، يتمثل في الاستجابة لهذه المعطيات واتخاذ الإجراءات المناسبة بالسرعة اللازمة.

وترى الورقة أن تجربة لبنان لم تكن، في المقام الأول، أزمة معرفة أو نقصًا في التخطيط، وإنما أزمة تنفيذ وترتيب أولويات. ففي الوقت الذي حُوّلت فيه المدارس بسرعة إلى مراكز إيواء، لم تُنفّذ تدابير ضمان استمرارية التعلّم بالسرعة نفسها.

وبالتالي، لم يفقد كثير من الأطفال/ات الأكثر هشاشة حقهم في التعليم فحسب، بل حُرموا أيضًا من الوصول إلى واحدة من المنظومات القليلة القادرة على دعم تعلّمهم وصحتهم النفسية وفرصهم المستقبلية خلال فترة حادة من الأزمات.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد