
“سِجلّ البيوت”.. أول خريطة تفاعلية لرصد العنف ضد النساء داخل المجال الخاص في مصر
تسنيم منير ل "شريكة ولكن": هدفنا سد الفجوة المعرفية من أجل المطالبة بسياسات أكثر عدالة للنساء
أطلقت مؤسسة “براح آمن” خريطة تفاعلية لرصد أخبار العنف في المجال الخاص في مصر خلال الفترة من (2018- 2024)، لفهم العنف الذي تتعرض له النساء والفتيات كواقع متكرر وليس كحوادث منفصلة، ويستند الرصد إلى تتبع وقائع العنف ضد النساء والفتيات المرتكبة في المجال الخاص كما ترد في المصادر الصحفية الرسمية المفتوحة.
وتهدف الخريطة لفهم أنماط العنف، وطبيعة العلاقة بين الجاني والناجية/المجني عليها، واستجابات المجتمع ومؤسسات إنفاذ القانون والخطاب الإعلامي، ومن ثم إنتاج معرفة تحليلية يتم استخدامها للتأثير على الرأي العام وصياغة توصيات للجهات المعنيّة المختلفة وتقديم رسائل مناصرة ودعم لسلامة النساء.
قالت تسنيم منير، مديرة برنامج الإنتاج المعرفي في مؤسسة براح آمن، إن المؤسسة تعمل منذ سنوات على ملف العنف في المجال الخاص في مصر، مع التركيز على تقاطعاته المختلفة وتأثيره على أوضاع النساء في المجال العام.
وأوضحت تسنيم في حديثها ل “شريكة ولكن” أن إطلاق الخريطة يأتي في الأساس لسد فجوة معرفية تتعلق بغياب البيانات الموثوقة حول هذا النوع من العنف. وأضافت: “نحن لا نملك قاعدة بيانات حقيقية توفر أرقامًا موثوقة مبنية على عمل بحثي ومنهجي، يمكن استخدامها في مخاطبة المؤسسات المعنية أو الدفع نحو سياسات وتشريعات أكثر عدالة”.
وأشارت مديرة برنامج الإنتاج المعرفي إلى أن غياب هذه البيانات يحد من قدرة المؤسسات النسوية والحقوقية على مخاطبة صناع القرار، موضحة أنه لا يمكن، على سبيل المثال، مخاطبة البرلمان للمطالبة بتشريعات موحدة لمناهضة العنف، أو مخاطبة وزارة العدل بشأن أحكام الرأفة التي قد تؤدي أحيانًا إلى تخفيف العقوبات على الجناة، وهو ما قد يساهم في استمرار العنف.
كما لفتت إلى أن إحدى أبرز الإشكاليات المرتبطة بالعنف في المجال الخاص هي التشكيك المجتمعي في روايات النساء، “عندما تتحدث النساء عن تعرضهن للعنف من الأب أو الأخ أو الزوج، غالبًا ما يتم تكذيبهن، سواء من أطراف محافظة أو من أشخاص يضعون تماسك الأسرة كأولوية، أو عبر خطاب «أسرار البيوت» الذي ينكر وجود هذا العنف من الأساس”.
وفي مواجهة هذا التحدي، قررت المؤسسة الاعتماد على الأخبار المنشورة في الصحافة المصرية كمصدر للرصد، بهدف تجاوز التشكيك في وقوع هذه الجرائم. وأوضحت تسنيم أن عملية الرصد بدأت بشكل تجريبي منذ منتصف عام 2017 عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما بدأ الرصد المنهجي الفعلي في عام 2018 واستمر حتى عام 2024.
وأضافت تسنيم أن الفريق اعتمد على الصحف المصرية المعترف بها مثل المصري اليوم، واليوم السابع، وأخبار اليوم، نظرًا لاعتماد هذه المنصات في تغطياتها على مصادر رسمية مثل سجلات المحاكم أو بيانات الأجهزة الأمنية، “اخترنا الصحافة كمصدر للرصد لأن الأخبار المنشورة غالبًا ما تستند إلى سجلات المحاكم أو إلى تحركات رسمية لقوات المباحث، وبالتالي فهي تعكس وقائع موثقة قانونيًا”.
“كانت فكرة الخريطة حلمًا يراودنا طوال الوقت؛ أن نجمع كل هذه القصص والبيانات في مساحة واحدة تُظهر قصة النساء مع العنف في المجال الخاص عبر سنوات طويلة”.
ورغم ذلك، شددت تسنيم منير على أن هذه البيانات لا تمثل الصورة الكاملة للعنف في المجال الخاص، مشيرة إلى أن كثيرًا من الجرائم لا تصل إلى المحاكم بسبب غياب الدعم المجتمعي للنساء أو الضغوط الأسرية التي قد تمنعهن من الإبلاغ.
أضافت: “الخريطة تعكس ما تمكنّا من الوصول إليه من خلال ما استطاعت الصحافة تغطيته، وليس بالضرورة كل ما يحدث بالفعل”.
وأوضحت أن إحدى أبرز الفجوات المعرفية تتمثل في صعوبة وصول الباحثين/ات والمؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المدني إلى أرشيف المحاكم أو البيانات التفصيلية لدى الدولة بشأن العنف في المجال الخاص، بما في ذلك بيانات أقسام الشرطة أو بلاغات النجدة.
وفي هذا السياق، تسعى الخريطة إلى بناء قاعدة بيانات يمكن أن يستفيد منها الإعلام والباحثون والباحثات، إضافة إلى المؤسسات المعنية والمهتمين/ات، من أجل فهم أنماط العنف في المجال الخاص في مصر، وتطوير سياسات وقوانين ومبادرات دعم للناجيات تستند إلى بيانات موثقة.
وبيّنت مديرة برنامج الإنتاج المعرفي خلال حديثها ل ” شريكة ولكن” أن عملية الرصد تضمنت تصنيف البيانات وفق عدة معايير، منها المحافظة، ونوع العنف، وصفة الناجية والجاني، إلى جانب إصدار تقرير تحليلي سنوي يوضح السياقات والأنماط المختلفة للعنف، ويعرض المنهجية المستخدمة والتوصيات المقترحة.
أما فكرة تحويل هذه البيانات إلى خريطة تفاعلية، قالت تسنيم: “كانت فكرة الخريطة حلمًا يراودنا طوال الوقت؛ أن نجمع كل هذه القصص والبيانات في مساحة واحدة تُظهر قصة النساء مع العنف في المجال الخاص عبر سنوات طويلة”.
وتضم الخريطة حاليًا البيانات الموثقة خلال الفترة من بداية عام 2018 وحتى نهاية عام 2024، على أن تُضاف بيانات عام 2025 لاحقًا، كما تعرض الخريطة الأنماط المختلفة للعنف والسياقات المرتبطة به، إلى جانب التحليلات والعوامل المؤثرة فيه.
وأشارت تسنيم إلى أن عملية الرصد والتوثيق استغرقت نحو سبع سنوات، بينما جرى العمل التقني على تطوير الخريطة خلال عام 2025.

أوضحت تسنيم منير أن تطوير قاعدة البيانات الخاصة برصد العنف في المجال الخاص مر بعدة مراحل، حيث شهدت المنهجية المستخدمة تطورًا تدريجيًا مع تراكم الخبرة في تحليل الأخبار واستخلاص البيانات منها.
وقالت: “كل سنة كانت قاعدة البيانات بتتطور أكثر من السنة اللي قبلها، لأن منهجيتنا نفسها اتطورت وبقينا قادرين نستخرج معلومات أكثر من الأخبار”. وأضافت أن الفريق عمل على توحيد البيانات المجمعة عبر السنوات المختلفة، وإعادة تنظيمها بما يسمح باستخدامها في بناء منتج رقمي تفاعلي.
وأشارت إلى أن أحد التحديات الأساسية كان كيفية تحويل هذه الكمية الكبيرة من البيانات التفصيلية إلى خريطة تفاعلية مبسطة وقابلة للاستخدام. وقالت: “كان السؤال الأساسي: إزاي نحول الكم الكبير من التفاصيل الموجودة في قاعدة البيانات إلى خريطة مفهومة وسهلة الاستخدام؟”.
وفي ضوء ذلك، قرر الفريق التركيز على عدد محدود من المؤشرات الأساسية داخل الخريطة، أبرزها الموقع الجغرافي للحادثة ونوع العنف، بينما تُعرض التفاصيل الأكثر تعقيداً في التقارير التحليلية السنوية التي تصدرها المؤسسة.
وأوضحت أن عام تطوير الخريطة شهد عملاً مكثفاً شمل توحيد المنهجيات البحثية، واستخلاص الأنماط المتكررة في البيانات، إلى جانب التعاون مع المطور المسؤول عن الموقع لمعالجة الجوانب التقنية الخاصة بعرض البيانات بصرياً.
وقالت منير إن بعض التحديات ارتبط أيضاً بطبيعة المحتوى الرقمي للصحف، موضحة أن بعض الروابط الإخبارية تغيّرت بمرور الوقت أو أُعيد استخدامها لنشر مواد أخرى، وهو ما أثر على إمكانية ربط الخبر مباشرة بالخريطة.
وأضافت: “كان فيه تحديات تقنية مختلفة مرتبطة بإن الخريطة في النهاية أداة رقمية تحتاج إلى تدخل تقني مستمر، سواء في تحديد الموقع الجغرافي للأخبار أو في الحفاظ على الروابط المرتبطة بها”.
كما لفتت إلى أن العمل على تطوير الخريطة تم في ظل موارد محدودة نسبيًا مقارنة بالشركات التقنية الكبرى، سواء من حيث الموارد البشرية أو التمويل. مُفسرة: “كمؤسسة مجتمع مدني، مواردنا محدودة سواء من حيث عدد الباحثين/ات أو التقنيين/ات أو التمويل، وبالتالي لا نتعامل بإمكانات الشركات التقنية الكبرى التي تستطيع شراء أدوات متقدمة أو تطوير خصائص تقنية معقدة بسهولة”.
“فترات الإغلاق خلال كورونا، ثم مرحلة ما بعد الجائحة وفقدان بعض الرجال وظائفهم، كانت من السياقات التي انعكس فيها الغضب والضغط الاقتصادي على النساء داخل المجال الخاص”.
سألتها “شريكة ولكن”، بعد سبع سنوات من الرصد، ماذا قالت لنا هذه الخريطة عن طبيعة العنف في المجال الخاص في مصر اليوم؟ قالت تسنيم منير: ” بعد سبع سنوات من الرصد، الخريطة بتقول لنا إن أنماطًا كثيرة من العنف للأسف في تزايد، لكنها أيضًا تساعدنا على فهم السياقات التي يحدث فيها هذا العنف”.
وأضافت أن البيانات لا تكشف فقط عن حجم العنف، بل توضح أيضًا توزيعه الزمني داخل العام الواحد، حيث تظهر زيادات ملحوظة في بعض الفترات الاجتماعية والدينية.
وأوضحت تسنيم: ” لاحظنا مثلًا أن فترات مثل رمضان والأعياد قد تشهد ارتفاعًا في العنف، حيث يتم أحيانًا تبرير انفعال الرجال بسبب الصيام أو الضغوط المرتبطة بالتحضيرات الاجتماعية، بينما تتحمل النساء العبء الأكبر من العمل المنزلي وتوقعات الأسرة الممتدة”.
كما أظهرت البيانات تأثير الظروف الاقتصادية والبيئية على معدلات العنف داخل المنازل، إذ أشارت مديرة الإنتاج المعرفي في مؤسسة “براح آمن” إلى أن موجات الحر أو البرد الشديد، إلى جانب الضغوط الاقتصادية مثل ارتفاع فواتير الكهرباء أو انقطاعها، يمكن أن تسهم في زيادة التوتر داخل الأسر، وهو ما ينعكس في كثير من الأحيان على النساء.
وأشارت الخريطة أيضًا إلى تأثيرات الأزمات الكبرى مثل جائحة كورونا على العنف الأسري، وفسرت تسنيم: “فترات الإغلاق خلال كورونا، ثم مرحلة ما بعد الجائحة وفقدان بعض الرجال وظائفهم، كانت من السياقات التي انعكس فيها الغضب والضغط الاقتصادي على النساء داخل المجال الخاص”.
وكشفت البيانات كذلك عن أنماط متعددة من العنف تتجاوز الاعتداء المباشر على النساء، لتشمل استخدام أفراد الأسرة كوسيلة للضغط والترهيب. وأوضحت تسنيم إلى :”أن الخريطة رصدت بعض الحالات تضمنت إيذاء أقارب الزوجة أو الاعتداء على الأبناء كوسيلة لإخضاع المرأة.”
كما رصدت الخريطة تطورًا في أنماط العنف الشديد، بما في ذلك استخدام وسائل أكثر قسوة في جرائم القتل مثل الحرق أو الاعتداءات العنيفة.
ومن بين النتائج اللافتة أيضًا ضعف التغطية الإعلامية لبعض الفئات، وعلى رأسها النساء اللاجئات. وقالت تسنيم منير: ” الخريطة تضم 5838 خبرًا عن وقائع عنف، لكننا لم نجد سوى ثلاث وقائع فقط تتعلق بلاجئات، وهو ما يعكس ضعف التغطية الإعلامية لقضايا العنف التي يتعرضن لها”.
كما تكشف الخريطة عن تفاوت جغرافي في التغطية الصحفية، حيث تتركز معظم الأخبار في إقليم القاهرة الكبرى مقارنة بمناطق الصعيد أو المناطق الحدودية. وتوضح منير أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض العنف في هذه المناطق، بل قد يعكس ضعف التغطية الإعلامية أو اللجوء إلى الحلول العرفية بدلًا من التقاضي.
وتطرقت منير أيضًا إلى إشكاليات تتعلق باللغة المستخدمة في التغطيات الصحفية، مشيرة إلى أن بعض الصياغات قد تعيد إنتاج الصور النمطية أو تبرر العنف،” هناك بعض التغطيات تتضمن تعبيرات مثل “دفاعًا عن شرفه” أو “ومن الحب ما قتل”، وهي صياغات قد تسهم في استدرار التعاطف مع الجاني أو وصم الناجية والتحريض ضدها.”
واختتمت بالتأكيد على أن تحليل هذه الأنماط يهدف في النهاية إلى فهم السياقات التي ينتج فيها العنف، بما يساعد على تطوير سياسات أكثر فعالية لحماية النساء ومساندة الناجيات.
” البيانات مفتوحة المصدر، وبالتالي يمكن لأي باحث/ة أو صحافي/ة أو مؤسسة أن يعيد تحليلها أو يستخرج منها زوايا مختلفة، وهو ما يساعد على توسيع النقاش حول القضية”.
سألتها” شريكة ولكن”، كيف يمكن استخدام الخريطة كأداة للمناصرة والضغط من أجل تغيير السياسات أو التشريعات؟ أجابت تسنيم: “لأنها تستند إلى بيانات موثقة يصعب التشكيك في مصادرها.”
وأوضحت: “الخريطة بتقدم بيانات صلبة solid مستندة إلى مصادر يصعب التشكيك فيها، وبالتالي يمكن استخدامها في مخاطبة صناع السياسات والتشريعات استنادًا إلى واقع موثق وليس مجرد طرح نظري”.
تابعت أن عرض الأنماط المختلفة للعنف وسياقاتها الزمنية والاجتماعية يتيح للباحثين/ات والمؤسسات المعنية تقديم حجج أكثر قوة عند مناقشة التشريعات أو السياسات العامة، مُشيرة إلى أن البيانات لا تكتفي بعرض الوقائع، بل تربطها بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في تصاعد هذه الأنماط.

كما أشارت تسنيم إلى أن الخريطة تعتمد على مبدأ المعرفة المفتوحة، حيث تتيح قاعدة البيانات للباحثين/ات والصحافيين/ات والمؤسسات المختلفة تحميلها واستخدامها في تحليلات أخرى.
استطردت:” البيانات مفتوحة المصدر، وبالتالي يمكن لأي باحث/ة أو صحافي/ة أو مؤسسة أن يعيد تحليلها أو يستخرج منها زوايا مختلفة، وهو ما يساعد على توسيع النقاش حول القضية”.
ومن بين الأهداف التي تسعى الخريطة إلى تحقيقها أيضًا تسليط الضوء على ممارسات اجتماعية تعد شكلًا من أشكال العنف، رغم أنها غير مجرّمة قانونيًا في كثير من الأحيان. وأشارت تسنيم إلى أن العديد من هذه الممارسات تندرج ضمن ما تصفه المؤسسة بـ”العنف الاجتماعي”.
” الخريطة تضم 5838 خبرًا عن وقائع عنف، لكننا لم نجد سوى ثلاث وقائع فقط تتعلق بلاجئات، وهو ما يعكس ضعف التغطية الإعلامية لقضايا العنف التي يتعرضن لها”.
وتشمل هذه الممارسات، بحسب مديرة برنامج الإنتاج المعرفي، الطرد من المنزل، الحبس المنزلي، الحرمان من العمل، الإجبار على خدمة أفراد الأسرة أو العمل المنزلي، إضافة إلى ممارسات مثل الطلاق الغيابي أو الشفهي، والتي قد تضع النساء في أوضاع قانونية واجتماعية معقدة.
وأوضحت أن رصد هذه الوقائع في الأخبار يساعد على فهم ارتباطها بأنواع أخرى من العنف، حيث غالبًا ما تتعرض النساء لأكثر من شكل من الانتهاكات في الوقت نفسه، وهو ما يمكن وصفه بالعنف المركب حيث تتداخل أشكال متعددة من الانتهاكات في الواقعة الواحدة.
كما رصد المشروع أشكالًا من العنف النفسي يصعب توثيقها قانونيًا، مثل التهديد أو التشهير أو الترهيب الاجتماعي، وهي ممارسات قد تستخدم للضغط على النساء أو تقييد حرياتهن.
وفي المقابل، أشارت تسنيم إلى وجود أشكال من العنف لا تظهر في الصحافة أو يصعب توثيقها عبر الأخبار، مثل الاغتصاب الزوجي، وهو ما يعكس حدود البيانات المستندة إلى التغطيات الصحفية.
اختتمت مديرة برنامج الإنتاج المعرفي حديثها ل”شريكة ولكن” بأن النسخة الحالية من الخريطة لا تعرض جميع أنواع الانتهاكات بالتفصيل، لكنها تمثل خطوة أولى ضمن مشروع قابل للتطوير في المستقبل، مع إمكانية توسيع نطاق البيانات المعروضة في النسخ اللاحقة.