
“بتضلك طول اليوم على رغيف حاف”.. “هندسة تجويع” ممنهجة يمارسها الاحتلال على غزة
رصد تحقيق جديد لمنصة ” مدى مصر” معاناة أهالي قطاع غزة اليومية في الحصول على الخبز، في ظل نقص الدعم الإغاثي وانخفاض أطنان الدقيق الذي كانت تزود بها المخابز.
ووفقًا للتحقيق، بدأت أزمة نقص الخبز في القطاع تتفاقم منذ منتصف نيسان/أبريل الجاري، إثر تقليص المؤسسات الإغاثية الدولية كميات الدقيق الموردة إلى المخابز، بحسب تصريحات رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة.
وقال الثوابتة أن القطاع يحتاج إلى نحو 450 طنًا من الدقيق يوميًا لتغطية الاحتياجات، في حين لا يتوفر حاليًا سوى نحو 200 طن يوفرها برنامج الأغذية العالمي، وهي كمية مخفضة أيضًا عن السابق، فيما توقف المطبخ المركزي العالمي كليًا عن إمداد المخابز بكميات دقيق كانت تتراوح بين 20 و30 طنًا يوميًا.
وأضاف رئيس المكتب الحكومي في غزة أن هذا التراجع أدى إلى انخفاض إنتاج الخبز بنحو 60%، ليصبح قُرابة 133 ألف ربطة يوميًا، يُنتجها نحو 30 مخبزًا في أنحاء القطاع، وتوزع بين المساعدات المجانية والبيع المدعوم بسعر مخفض عبر نقاط توزيع معتمدة.
وصرح أحد أصحاب المخابز في غزة، إنه اضطر إلى تقليص إنتاجه مع انخفاض كميات الدقيق، مشيرًا إلى أن مخبزه ينتج حاليًا نحو ألفي ربطة يوميًا، مقارنة بخمس آلاف سابقًا، في حين «حجم طلب المواطنين/ات على الخبز أكبر بكثير من حجم المتوفر وما يمكن إنتاجه في الوقت الحالي».
رحلة البحث عن رغيف خبز
ووصف محمد الزرد، أحد أهالي غزة الحصول على ربطة الخبز بأنها “مهمة شاقة للغاية”، إذ يضطر للسير لساعات للحصول على ربطة، يعود إلى أسرته دونها في كثير من الأيام، في ظل إغلاق المخابز ونقاط التوزيع مبكرًا لقلة الإنتاج، مضيفًا أنه يضطر في بعض الأوقات إلى شراء الربطة بسعر مرتفع من آخرين حصلوا عليها من نقطة توزيع أو مخبز.
أرجع منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي في غزة، ويلي نيكو، سبب الأزمة الحالية إلى الفجوة بين ما يغطيه القطاع التجاري وما يمكن لمؤسسات الإغاثة تغطيته، موضحًا في تصريحات لـ«بي بي سي» أن نقص الإمدادات الواصلة إلى التجار دفع العديد منهم للانسحاب من السوق مما خلق عجزًا في كميات الدقيق.
وأضاف أن برنامج الأغذية العالمي يقدم يوميًا 260 طنًا من الدقيق، وهي كمية قال إنها لا تغطي سوى 30% من احتياج القطاع اليومي، لافتًا إلى أن الـ70% الأخرى يفترض أن يغطيها القطاع التجاري.
وفسر نيكو هذه الفجوة إلى «ما وصفه باعتماد غزة خلال العامين الأخيرين، على نظام التحكم في تدفق الإمدادات من الجانب الإسرائيلي، يفتحه ويغلقه وفق اعتبارات أمنية، ما أدى إلى تعطّل خطوط الإمداد من مصر والأردن».
كما اعتبر منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، بحسب تصريحاته لـ«بي بي سي»، الاعتماد الكامل على المساعدات بدلًا من البضائع التجارية «حلاً غير مستدام»، في ظل تحول استيراد البضائع التجارية إلى عملية احتكار في يد فئة محدودة من التجار سعيًا للربح على حساب القيمة الغذائية.
وفي محاولة لسد الفجوة الإنتاجية للخبز، كشف مسؤول الاتصالات في برنامج الأغذية العالمي في مكتب غزة، ماكسيم لو ليجور، في تصريحات لوكالة الصحافة الفلسطينية “صفا”، الأسبوع الماضي، أن البرنامج سيدعم ستة مخابز إضافية بالوقود فقط، على أن يوفر أصحابها مستلزمات الخبز من دقيق وخميرة.
ورهن ليجور هذه الخطوة بضمان وصول الإمدادات التجارية من الدقيق إلى أسواق غزة، لافتًا إلى أنها لم تدخل منذ بداية الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من شهر. كما أكد أن «الأغذية العالمي» سيستمر خلال الشهر الجاري في دعم الـ26 مخبزًا المسؤول عنها في غزة، من خلال توفير الدقيق ومستلزمات الخبز والوقود، بطاقة انتاجية 130 ألف ربطة خبز يوميًا.
غزة على حافة المجاعة !
ومن جانبه، حذر رئيس المكتب الإعلامي الحكومي من عودة المجاعة مرة أخرى بين سكان القطاع نتيجة ما وصفها بـ”سياسة التجويع التي يريد الاحتلال تحقيقها”، ولا سيما بتوقف الدعم الدولي للمخابز، الذي يعني أن مزيدًا من الصعوبات سيقف أمام حصول المواطنين على الخبز، الذي يعتمدون عليه غذاءً أساسيًا.
طوابير الخبز الطويلة والمشاحنات المستمرة
ونتيجة تزايد المشكلات بين المواطنين/ات في الطوابير، استحدث أصحاب المخابز طرقًا لتنظيم العمل خلال وقت البيع، بإعطاء كل شخص بطاقة برقم دوره، حسبما قالت عبير صالحة، المقيمة في جباليا لـ«مدى مصر»، وهي الطريقة التي قالت إنها قللت من المشكلات والمشاحنات، وتضمن إلى حد كبير الحصول على الخبز، ولكنها في المقابل تؤدي لزيادة الوقت اللازم للحصول على ربطة الخبز، مشيرة إلى أن زوجها يضطر إلى التوجه إلى نقطة التوزيع ليلًا، للحصول على بطاقة ترتيبه في الطابور، ليعود في اليوم التالي للوقوف في الطابور فعليًا انتظارًا للربطة.
“وجبة واحد في اليوم”.. لنقص الخبز
أما محمد الدواهيدي، فعزف منذ أشهر عن محاولات الحصول على الخبز، وقرر تقليص وجباته اليومية إلى واحدة فقط، بعدما تحول الخبز إلى «سلعة يجري ابتزاز الناس للحصول عليها»، بحسب وصفه لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أسعار الخبز المضاعفة في السوق السوداء التي أنتجتها الحرب، وهو ما أكده أحمد جودة، المقيم في الشيخ رضوان، والذي يضطر إلى شراء ربطة الخبز من أصحاب البسطات المنتشرة في شوارع الحي، بما يتراوح بين ثلاثة و20 شيكلًا، إذ يرتفع السعر كلما مرت ساعات النهار وبات الخبز شحيحًا داخل كل أحياء القطاع.
ولم تتوقف أزمة الخبز على ندرته مقارنة بحجم الطلب عليه، وإنما تقاطعت مع أزمة أخرى، وهي عدم توفر الأموال النقدية، بحسب جودة وأبو رمضان والدواهيدي، وذلك نتيجة اشتراط القائمين على تشغيل المخابز ونقاط البيع، أن يكون البيع فقط لمن تتوفر لديه «فكة» متمثلة في «3 شيكل»، دون إمكانية البيع بالعملات الورقية أو بالدفع الإلكتروني، كما جرت العادة داخل القطاع نتيجة لأزمة النقد المستمرة، بعد أكثر من عامين على منع السلطات الإسرائيلية إدخال الأموال إلى القطاع، منذ الحصار المشدد مع اندلاع العدوان في أكتوبر 2023.
أمام كل هذه التعقيدات للحصول على ربطة الخبز، اعتمدت أسرة النازح من شمالي القطاع إلى جنوبه، محمود جلهوم، على الأرز السادة الموزع من تكايا الطعام الخيرية، والتي باتت محدودة أيضًا، وذلك تجنبًا لشراء الخبز بأسعار أعلى من البسطات، أو من المخابز غير المدعومة، «بتيجي أيام بتضلك طول اليوم على رغيف حاف، وممكن ما تغمس بإشي … في ناس كتير لسة عايشين بالمجاعة لأنهم معدومين ماديًا».
كان بيان لـ«الإعلامي الحكومي»، الأسبوع الماضي، قال إن القطاع يتعرض لعملية «هندسة تجويع» ممنهجة ومتعمدة متصاعدة تمارسها السلطات الإسرائيلية، من خلال التحكم الكامل في تدفق السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق والخبز، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي لسكان القطاع، مشيرًا إلى التراجع في إنتاج الخبز الذي وصفه بـ«الخطير»، نتيجة التضييق الإسرائيلي الشديد على إدخال البضائع والمساعدات الإنسانية.