العنف الجنسي الممنهج في السودان: هل اغتصاب النساء من اغتصاب الأرض؟
تعد حروب السودان من النزاعات التي شهدت انتشارًا واسعًا للعنف الجنسي ضد النساء حتى صار سمةً توسم بها.
فعلى الرغم من التعدد الثقافي والاجتماعي وما يتبعه من تقاطعات واختلافات، ظل توظيف العنف الجنسي ضد النساء قاسمًا مشتركًا حاضرًا بصورة متكررة في تاريخ الصراعات السودانية. وكثيرًا ما ينظر للانتهاكات الجنسية كأحد ظواهر طبيعة الحروب، فهل يعد العنف الجنسي ضد النساء نتيجة ملازمة للحروب المسلحة، أم أنه نتيجة فشل مخفي للمجتمع والدولة؟
يُعدّ المجتمع السوداني مجتمع “محافظ” ذو تراتبية جندرية، كما تغلب على تسييره الأعراف كمرجعٍ لتحديد السلوك المقبول وتنظيم شكل العلاقات الجنسية بين الأفراد.
وللبنى الاجتماعية السودانية توقعاتها الخاصة عند الحديث عن العلاقة الجنسية وقضايا العنف الجنسي، إذ ترتبط مكانة النساء بمفاهيم ما يُعرف بـ”الشرف” وسمعة العائلة/القبيلة. وفي كثيرٍ من قضايا النساء الجنسية تحل الأعراف أو الأسرة أو المجتمع المحلي كبدائل عن الدولة، ما يحد من إمكانية وصول النساء إلى حقوقهن القانونية. كما يظهر هذا النمط ضعفًا في مؤسسات الدولة ومحدودية فاعليتها.
View this post on Instagram
هل الحروب بطبيعتها تحتم وقوع انتهاكاتٍ جنسية؟
رسخت أدبيات النزاعات القديمة وجود علاقة شرطية بين نشوب نزاع مسلح وبين حدوث انتهاكات جنسية بالضرورة.
ولم يكن المجتمع السوداني استثناءً من التأثر بهذه الفكرة، فكرة أن الانتهاكات الجنسية هي حدث مصاحب للحروب، ما جعلها تتوارد إلى أذهاننا كجزء لا ينفصل عنها. لكن هذا أقرب لكونه انطباعًا سائدًا في مخيلتنا لا الحقيقة، لأن للأرقام رأيًا آخر.
في رواندا اغتُصبت نحو ربع مليون إلى نصف مليون امرأة خلال 100 يوم فقط!
فبدلًا من أن يكون العنف الجنسي وقت النزاع ظاهرة موجودة في كل النزاعات، إلا أن تقصّي الحقيقة يظهر تفاوتًا كبيرًا بين الحروب والمتحاربين، بل وحتى داخل البلد الواحد، قد نجد جماعات مسلحة ترتكب هذه الانتهاكات بينما لا ترتكبها جماعات أخرى. ومثالًا لهذا التفاوت، شهدت رواندا اغتصاب ما يقدر بنحو ربع مليون إلى نصف مليون امرأة خلال 100 يوم فقط، بينما تقول الباحثة إليزابيث جين وود في كتابها “الجماعات المسلحة والعنف الجنسي: متى يكون الاغتصاب في زمن الحرب نادرًا؟” الصادر عام 2009، إنه “خلال الحرب الأهلية في السلفادور لم تطلع على أيّة حالات عنف جنسي ضد المدنيات/ين من قبل عناصر جبهة فرابوندو مارتي للتحرير الوطني خلال 26 شهرًا من البحث الميداني الذي أجرته خلال الحرب وبعدها مباشرة”.
كما وسعت إليزابيت هذا الطرح في مقالها الشهير “التباين في العنف الجنسي زمن الحرب”، حيث سعت إلى تفسير التباين الهائل في استخدام العنف الجنسي في النزاعات المسلحة المختلفة. وأكدت أن افتقار بعض الجماعات المسلحة، مثل الجبهة في السلفادور، لهذا النوع من العنف يبرهن على أن الاغتصاب في الحروب ليس “أمرًا حتميًّا”، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقيادة والانضباط العسكري والأيديولوجيا”.
في نفس السياق، أفادت ناشطات حقوق الإنسان المسلمات في سياق حرب سريلانكا بين الحكومة وحركة نمور تحرير التاميل الانفصالية “أنهن لم يسمعن قط عن حادثة عنف جنسي خلال التطهير العرقي 1990 أثناء عقود من عملهن في مخيمات اللاجئين”. والجدير بالذكر أن حالة نمور التاميل تظهر أن عدم وجود عنف جنسي ممنهج لا يعني غياب العنف ضد المدنيين/ات عمومًا، بل يشير إلى أن هذه الانتهاكات تتأثر بعوامل تنظيمية ومؤسسية، إذ عرف هذا التنظيم بقيادة هرمية صارمة ولوائح تحظر الاعتداءات الجنسية وتعاقب مرتكبيها.
“لقد اغتصبونا جميعًا”!
إذا كانت الحروب وحدها لا تفسر وقوع العنف الجنسي فإن فهم الحالة السودانية يقتضي النظر الى البيئة الاجتماعية والسياسية التي تسبق النزاع وتستمر خلاله.
“لقد اغتصبونا جميعا”. هكذا صرحت إحدى الناجيات السودانيات، ولم تكن الوحيدة. فقد وثقت التقارير الدولية أشكالًا مختلفة من الانتهاكات الجنسية مثل الاغتصاب الجماعي والاختطاف والاستعباد الجنسي، وحتى الاغتصاب على مرأى أفراد الأسرة. كما انتشرت مقاطع قام بتصويرها الجناة أنفسهم وهم يقومون بضرب وتعذيب نساءٍ مقيدات على جذوع الأشجار.
يستنكر المجتمع السوداني الانتهاكات ويتعاطى معها بنوع من الصدمة والامتعاض باعتبارها وليدة الحرب وأحد جوانبها التي لا مفر منها. لكن الفارق بين وقت الحرب والسلم بالنسبة للعديد من النساء السودانيات ليس فارقًا جوهريًّا إنما هو فرق حدة.
فالانتهاكات أثناء الحروب ما هي إلا امتداد للتماهي المجتمعي والرسمي مع العنف المنزلي والاغتصاب الزوجي وتزويج الطفلات وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث وجرائم (الشرف) التي ترتكب في غياهب البيوت في أقاصي البلاد و تدفن بلا صوت و لا خبر، ومختلف أشكال التمييز القانوني والاقتصادي في وقت السلم، كما إن الحروب لا تخلق أشكال العنف من الصفر.
على الصعيد الاجتماعي، غالبًا ما ينظر إلى الانتهاكات الجنسية في الحروب باعتبارها سلاح حرب نتج عن الانفلات الأمني الكبير أو أداة للتطهير العرقي. أو أن ترى هذه الانتهاكات كنتيجة منطقية لكون النساء الحلقة الأضعف، لكن كل الأسباب السابق ذكرها يمكن إرجاع جذورها إلى المجتمع، فعندما تترسخ خطابات التشييئ الجنسي للنساء ويحصر وجودهن بكونه شرف الأسرة أو القبيلة، عندها يتم تسليح المعتدي وتهيئته ليرى في أجساد النساء أرض معركة.
سلاح العنف الجنسي في السودان..
ليس وليد الرصاصة الأولى!
كما أن هذه الرؤية مدفوعة أيضًا بتنشئة اجتماعية ربطت العنف والجنس بالنصر والفحولة، وهكذا تتحول ثقافة مجتمع ما وخطاباته إلى ذخيرة جاهزة لتصوّب على النساء عندما يحين الوقت.
عرّف أحد عناصر قوات الأمن السوداني نفسه بأنه “اختصاصي اغتصاب”!
أما على صعيد الدولة ومؤسساتها، فيمكننا لمس التحديات التي تواجهها النساء السودانيات في أوقات السلم بوضوح عند الاطلاع على قانون الأحوال الشخصية مثلًا، فضلًا عن ضعف نفاذ القوانين بصورة عامة.
وكذلك وثّقت تقارير دولية عديدة تورط أجهزة الدولة والقوات الأمنية في انتهاكات جنسية ضد النساء خلال فترات السلم والاحتجاجات السياسية، ومن أبرز هذه الأمثلة قضية الناشطة صفية إسحاق التي أعلنت تعرّضها للضرب والاغتصاب على يد عناصر أمنية في العام 2011. ولا يمكننا أن ننسى الحادثة المرتبطة بمحاكمة بعض أفراد جهاز الأمن المتهمين بقتل واغتصاب المعلم أحمد الخير أثناء اعتقاله إبان ثورة ديسمبر، عندما عرّف أحد عناصر قوات الأمن السوداني نفسه بأنه “اختصاصي اغتصاب”.
وبالرغم من وقاحة العبارة إلا أنها ليست مستغربة تمامًا، عندما نستذكر تصريح الترابي عراب الحركة الإسلامية الذي لمّح أن رأس النظام وقتها الرئيس المخلوع عمر البشير قال لأحد أعضاء لجنة تحقيق في الانتهاكات الجنسية التي ارتكبت أثناء حرب دارفور بغرب السودان ”هي الغرباوية لو واحد جعلي ركبها كده، ده شرف و لا اغتصاب؟!”.
الأمر الذي يثير التساؤلات حول مدى انتشار هذه العقلية بين عناصر الأجهزة الأمنية وصولًا لرموز الدولة، وكأنها حدود غير مكتوبة للانتهاكات الجنسية لكنها موجودة ضمنيًّا و متعارفٌ عليها.
ولا يمكننا في ضوء جميع هذه الوقائع التي توضح بنى العنف و التمييز المترسخة داخل المجتمع و الدولة، أن نزعم بأن استخدام العنف الجنسي كسلاحٍ في حروبنا هو حدث وليد الرصاصة الأولى.
في ورقةٍ بحثية تم نشرها في المجلة الدولية للدراسات الإقليمية سنة 2016 قام فريق البحث بدراسة العلاقة بين انتهاكات القوات الأمنية وقت السلم والانتهاكات وقت الحرب. وأشارت نتائج الدراسة التي حملت عنوان: “العنف الجنسي الذي ترتكبه قوات الأمن الحكومية” إلى “أن مستويات العنف الجنسي الموجودة في دولة ما قبل النزاع تُعد مؤشرًا على مستوى العنف الجنسي الذي ستشهده تلك الدولة أثناء النزاع”.
واقعٌ خطير ينذر باستمرار استخدام الانتهاكات الجنسية كسلاحٍ في الحروب، ما لم يتم توجيه جهود حقيقية تضمن التزام الدولة والمجتمع بالعمل على تغيير البنى التي تؤدي لهذا النمط من الانتهاكات بشكلٍ يضمن عدم تكررها. ولن يتم ذلك إلا بمشاركة النساء الفعالة في ملفات العدالة الانتقالية وجبر الضرر.
إن مستوى العنف المرتفع الذي تتعرض له النساء السودانيات، لا يقابله حضور ومشاركة في مراحل العدالة الانتقالية وصنع السلام. وكثيرًا ما تعامل قضايا المساواة الجندرية في مراحل إنهاء النزاعات باعتبارها رفاهية وقضية ثانوية لم يحن وقتها، بينما ينصب التركيز غالبًا على عوامل مثل التمييز العرقي والفقر، لتفادي تجدد هذه النزاعات مستقبلًا ولتكريس السلام.
إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أن العنف الهيكلي والثقافي الممارس ضد النساء داخل المجتمع لا يمثل مجرد مشكلة تخص النساء وحدهن، بل يعد مؤشرا على مدى تقبل المجتمع والدولة للعنف واللامساواة بصورة أوسع. ومن هذا المنطلق، فإن معالجة التمييز القائم على النوع الاجتماعي لا تعد مسألة عدالة فحسب، بل جزءًا أساسيًّا وضروريًّا من الجهود الساعية إلى الحد من مسببات النزاع وبناء سلام أكثر استدامة.