الأرشيف والتاريخ الشفوي النسوي

“من كان يتوقع أننا ندرس اليوم محاكم التفتيش بعيون طحان إيطاليٍّ من القرن السادس عشر، أو فرنسا قبل الثورة من منظور خادمٍ صينيٍّ متمرد، أو سنوات الاستقلال الأميركي الأولى عن طريق خبرات قابِلة من إنجلترا الجديدة؟”.

المؤرّخ الأميركي جون لويس غاديس

لطالما احتفى الأرشيف بمواد هائلة مؤرَّخة عن المؤثرين/ات في عالم الكتابة والأدب والفكر والعلم، وبتاريخ المنتصرين وذوي النفوذ وروايتهم، وقلّما التفت للمهمشين/ات في المجتمع إلا على سبيل ذكر سقطاتهم/ن وحوادث غريبة حدثت لهم/ن.

الأرشيفات تؤسس سرديات مهيمنة كما تؤسس لسرديات مضادة، هي لا تحافظ على الذاكرة بقدر ما تصنعها.

الأرشيفات بشكلٍ عام هي “أدوات المتحكمين/ات بالسلطة”، أي هي أدوات من يسعون لفرض نظامٍ معينٍ ورؤية أحادية عن الواقع، أو رواية تاريخية محددة من مرحلةٍ زمنيةٍ أو لفئة محددة. يتم عن طريق الأرشفة ممارسة سلطة الاستبعاد وسلطة تعريف ما هو مقبول وغير مقبول، وهي الممارسة الأساسية لبناء أي أرشيف.

تؤسس الأرشيفات لسردياتٍ مهيمنة كما تؤسس لسرديات مضادة، هي لا تحافظ على الذاكرة بقدر ما تصنعها، حيث إن ممارسة السلطة هي فعل يومي للقائمين/ات على الأرشيفات.

الأرشيف التمييزي

توثيق الأرشيفات النسوية يؤدي دورًا مهمًا وأساسيًا في الصراعات السياسية والحقوقية حول الذاكرة الجماعية. من هذا المنطلق نجد أن بناء الأرشيفات تحوّل في كثيرٍ من الحالات إلى فعل مقاومة لهذه السلطة الأبوية المهيمنة، التي بدأت باحتكار الأرشيف وتشكيله بناءً على سرديات محددة تخدم أنظمة ذكورية.

لطالما تم وصم كلام النساء بالثرثرة لانتقاص أي محاولة لهن بالتعبير عن ذاتهن، انتهاءً بالمطالبةِ بحقوقهن.

يعدّ الأرشيف العربي خير مثالٍ على ممارسة تلك السلطة في إقصاء وتهميش الأقليات والفئات المستضعفة، وبالأخص النساء. فلطالما تم وصم كلام النساء بالثرثرة واللغو لانتقاص أي محاولة لهن بالتعبير عن ذواتهن، انتهاءً بالمطالبةِ بحقوقهن. تم استبعادهن عن الأرشفة باستعمال كلمة ثرثرة كوصمٍ لغوي لتوضيح الاختلاف بين النساء والرجال، وكشكلٍ من أشكال التمييز غرضه جعل النساء أقلية مضطهدة.

فعندما أُرشفت الروايات المسجّلة والمدوّنة لحركات المقاومة العربية ضد الاستعمار، غُيّبت أدوار النساء، ولم يُبحث في حضورهن أو تُجمع شهاداتهن ضمن الذاكرة النضالية. وهذا الاستبعاد كان ممنهجًا ومسيّسًا وتهميشيًا، بهدف عزلهن والتحكّم بأدوارهن في التاريخ وإعادة كتابتها.

وكان وصم أحاديثهن وكتاتبتهن من بين الآليات التي تم استخدامها لعزل وتهميش النساء من الأرشيف المسجل، وتجريدهن من أيّة محاولة تعبير عن ذواتهن. خطوةٌ هدفت إلى طمس وجودهن الاجتماعي والسياسي والفكري على مر الأزمنة، ولم يكن الأرشيف العربي بمنأى عنها، حيث احتكر الرجال العرب فعل “الكتابة” تاركين للنساء “الحكي”، ما أدى لإحكام السيطرة على الوجود اللغوي والثقافي وعلى التاريخ، من خلال كتابة هذا التاريخ بقلم من يرى نفسه صانعًا للتاريخ.

النساء في الأرشيف العربي بين التهميش والانحياز

“أنا امرأة عربية ومواطنة من العالم الثالث وتراثي في الحالتين تراث الموؤودة، أعي هذه الحقيقة حتى العظم مني، وأخافها إلى حد الكتابة عن نفسي وعن آخرين، أشعر أنني مثلهم أو أنهم مثلي”.

رضوى عاشور

نتيجة الاحتكار الذكوري لكتابة الأرشيف، حوصر التاريخ النسوي العربي النضالي شفويًّا وطُمس كتابيًّا، رغم سعي كثير من النسويات العربيات الأكاديميات لتجميع هذا التاريخ الشفوي بغية تسجيله وحفظه، كفعل مقاومة للسلطة الأبوية المهيمنة على التاريخ واللغة.

تم تجميع أكثر من 110 مقابلة وسردية تاريخية شفوية لنساء عربيات مهنيات وناشطات سياسيًا، ومنهن مشاركات في الحركات النضالية والاجتماعية من سبعينيات القرن الماضي، بهدف تحويل النساء من مجرّد مواد أو مواضيع إلى فاعلات يفصحن عن أنفسهن ويسردن تاريخهن، ويناقشن كيفية إدارة سياق اللغة (كتابةً وحديثًا)، ليخلقن لضميرهن المؤنث فضاءً حرًّا يعترف بهن وبنضالاتهن وبوجودهن.

ولعلّ أقرب نموذج على ذلك هو التجربة الليبية في أرشفة مواد هائلة تمتد إلى الفترة (1969–2011) وما قبلها، إذ اتسم ما كُتب ووُثّق خلالها بانحيازات السلطة وانتقاءاتها الإقصائية. إلا أن البحث كشف عن رائدات وفاعلات كان لهن حضور وبصمة نضالية في المقاومة الوطنية، وفي ترسيخ أسس التعليم والثقافة والعمل التنموي والسياسي. وقد شكّل ذلك خطوة نحو ردّ الاعتبار إلى أدوارهن، والاعتراف بإسهاماتهن من خلال تدوين الذاكرة النسوية وأرشفتها، وإتاحة المجال لسرد رواياتهن بوصفهن طرفًا فاعلًا في صناعة التاريخ.

وقد تعرّضت هذه الذاكرة لتهميش مضاعف؛ فمن جهة، حالت سياسات السلطة الحاكمة دون أرشفة كثير من الروايات والمواد التي توثّق حضور النساء وإسهاماتهن، ومن جهة أخرى، أسهم الحجب الأبوي في تعزيز تغييبهن عن السردية التاريخية، بما أضعف حضورهن في الذاكرة الوطنية وأدى إلى اختزال أدوارهن أو إسقاطها من التوثيق التاريخي.

أسهمت الثقافة العربية الأبوية السائدة في ترسيخ طمسٍ ممنهج للتاريخ النسوي وتغييب أدوار النساء على امتداد عصور متعاقبة.

غادرت هؤلاء الرائدات الحياة دون أن ينلن ما يستحقه حضورهن من معرفة واعتراف بأدوارهن، التي اتخذت مسارات وجبهات متعددة. فقد قاومن من أجل الوطن وحملن السلاح، كما فعلت المجاهدة مبروكة العلاقية، وكنّ سجينات في معتقلات الانتهاكات والإبادة الاستعمارية. كما برزت مؤرخات لشعر المقاومة، من أمثال مريم الحجلا، وأم الخير العوكلي، وفاطمة بن عثمان، اللواتي وثّقت نصوصهن الملحمية تفاصيل الوجع والألم، واستحضرت مواقف البطولة والمقاومة في مواجهة الاستعمار.

وفي مسار آخر، تجسدت المقاومة النسوية في تجربة حميدة العنيزي، التي كرّست عقودًا من حياتها للتعليم والعمل، وأسهمت في تربية تلميذاتها على الوعي بمقاومة الاستعمار ومواجهة أشكال الهيمنة الذكورية. فلم تختر النساء العزلة، ولم يستسلمن للظلم والإقصاء، بل عبّرن عن رفضهن ورفعن أصواتهن مطالِبات بالتغيير. ومن خلال هذه المسارات المتعددة، برزت أسماء مناضلات وفاعلات أسهمن في الحياة العامة، ومارسن أدوارًا مؤثرة في مسارات العمل المدني والاجتماعي والسياسي في ليبيا.

ففي مجتمعٍ لا يستقيم حاضره ولا يتشكّل مستقبله إلا باستحضار ماضيه، يبرز الأرشيف النسوي بوصفه قاعدة أساسية لإعادة قراءة واقع النساء والعمل على تغييره في مختلف الأقطار العربية. فقد أسهمت الثقافة العربية الأبوية السائدة في ترسيخ طمسٍ ممنهج للتاريخ النسوي وتغييب أدوار النساء على امتداد عصور متعاقبة، فتحولت النساء العربيات، بفعل تداخل الحضارة والتاريخ، إلى كائنات ثقافيّات جرى استلابهن وانتقاص حقوقهن، وإخضاعهن لدلالات محددة ونمطية؛ فلم يُعاملن بوصفهن ذواتًا فاعلات أو جواهر مستقلات، بقدر ما اختُزلن في مجموعة من الصفات والأدوار التي رسمها لهن المجتمع.

وقد أفضى هذا الوأد الثقافي والتاريخي إلى إحداث فجوة عميقة في الذاكرة والتاريخ، لا يمكن ردمها إلا باقتحام اللغة المستلبة وإعادة وصلها بضمير الأنوثة، وذلك من خلال تفكيك الذاكرة اللغوية التي ما تزال، في كثير من تجلياتها، محكومة بمنظور ذكوري ذي مرجعيات وأيديولوجيات دينية واجتماعية. إلى جانب أرشفة السير البديلة للنساء، ومساءلة الكتابة التاريخية التي تُقدَّم من منظور واحد، وتظل مرتهنة لعلاقات القوة التي تحتكر المعرفة والمعلومة والاعتراف.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بناء أرشيف نسوي يعيد صياغة الرواية التاريخية من خلال اعتماد النوع الاجتماعي (الجندر) أداةً تحليلية تستحضر وجهات نظر النساء وتجاربهن وحيواتهن. ولا ينبغي أن يقتصر هذا الأرشيف على توثيق إبداعات النساء وإنجازاتهن، بل أن يضم مواد ووثائق تتصل بمختلف جوانب حياتهن، كما هو الحال في توثيق حياة الرجال؛ من السياسة والثقافة والعمل، إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها أساليب الطهي وتدبير المنزل والعلاقات الاجتماعية. فغاية الأرشيف النسوي ليست الاحتفاء بالنساء بوصفهن استثناءً، وإنما إتاحة المجال لأصواتهن وأفكارهن وتجاربهن، بصرف النظر عن خلفياتهن الاجتماعية والثقافية أو أدوارهن. وبذلك، يفكك التعارض بين العام والخاص الذي ما زال يتعامل مع النساء على أنهن شأنًا خاصًّا، نافيًا وجودهن ومعاناتهن بعزلهن عن الشأن العام.

كتابة: شهد الجميلي

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد