
حتى الحزن “عيب” على النساء
وضعت مريم يدها على فمها كي لا تصرخ. قبل لحظات فقط، كانت تنظر إلى هاتفها حين وصلها عبر “واتساب” خبر مقتل شريك حياتها في غارة حربية، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.
أرادت أن تصرخ، لكن الصوت خرج أنينًا مكتومًا. تتذكر تلك اللحظة بالقول: “فجأة صارت الدنيا صغيرة”.
لم يكن على مريم أن تستوعب موت الرجل الذي تحبه فحسب. منذ اللحظات الأولى لفقده، كان عليها أن تتعلم كيف تحزن بطريقةٍ لا تزعج الآخرين.
حين عرفت أن جثمانه نُقل إلى براد إحدى المستشفيات، أرادت الذهاب إليه. أرادت أن تراه قبل أن يُغلق الكفن، وأن تمنح نفسها فرصةً أخيرة لاستيعاب أن الرجل الذي كان موجودًا في حياتها قبل ساعات، أصبح الآن جثمانًا تنتظر دفنه، لكن سلفها (شقيق زوجها) حاول منعها. السبب لم يكن الخوف عليها من رؤية الجثمان، بل الخوف من أن تصرخ أمام الناس.
“كل ما بدي صرخ يقولولي عيب”
في مجتمعاتنا، لا تنتهي الرقابة على النساء عند شكل أجسادهن وملابسهن وأصواتهن وحضورهن في الفضاء العام. حتى عندما يفقدن شخصًا يحببنه، تبقى هناك قواعد غير مكتوبة تحدد كيف يُسمح لهن بالحزن.
ابكي، لكن ليس بصوت مرتفع، انهاري، لكن ليس أمام الرجال، اقتربي من النعش، لكن لا تثيري مشهدًا. وحين يحين موعد الدفن، قد يكون المطلوب منك ببساطة أن تبقي بعيدة.
هذا ما حدث مع مريم. في الساعات التي سبقت الدفن، كلما شعرت بأنها تريد الصراخ، كان هناك من يذكرها بأن تخفض صوتها.
“كل ما كنت بدي صرخ، كانوا يقولولي عيب، وطّي صوتك”.
وحين أرادت المشاركة في الدفن، لم يسمحوا لها بأن تكون حيث أرادت. الرجال يحيطون بالقبر، ووجود امرأة منهارة بينهم، وفق الأعراف التي فُرضت عليها، غير مقبول.
تقول إن الأمر وصل إلى حد تهديدها: إذا صرخت، قد لا يسمحون لها بالمشاركة في الدفن.
“كانوا عم يخوفوني حتى اسكت”، كان عليها، إذًا، أن تختار بين صرختها ووداعه.
جسدها يريد أن يصرخ… الحزن لا يفهم كلمة “عيب”.
ولا يعرف الجسد المفجوع أن عليه مراعاة وجود رجال في المكان أو نظرات الناس أو ما قد يقال لاحقًا.
“أنا ما كان بس بدي صرخ”، تقول مريم. “كان بدي خزّق تيابي وجلدي. القهر اللي كان بقلبي ما حدا كان حاسس فيه. كنت عم موت”، قد تبدو هذه الكلمات قاسية، لكنها تكشف ما تفعله الصدمة بالجسد حين يعجز الكلام عن حملها.
الحزن ليس فكرة تدور في الرأس فقط. قد يصبح اختناقًا في الحنجرة، ورجفة في اليدين، وصراخًا، وبكاءً، وانهيارًا، أو صمتًا كاملًا، ومع ذلك، كثيرًا ما يُطلب من النساء أن يراقبن أجسادهن حتى في تلك اللحظة، أن تتذكر المرأة، وهي تستقبل خبر موت شخص تحبه، أنها ما زالت امرأة أمام مجتمع يراقب صوتها وحركتها وطريقة انهيارها.
View this post on Instagram
من قرر كيف يجب أن نحزن؟
لا توجد طريقة واحدة “لائقة” للحزن، هناك من يصرخ، ومن يصمت. من يبكي أيامًا، ومن يعجز عن البكاء. من يريد رؤية الجثمان، ومن لا يحتمل ذلك. من يحتاج إلى الوقوف أمام القبر حتى اللحظة الأخيرة، ومن يفضل الاحتفاظ بصورة الشخص كما كان حيًا.
وقد يضحك إنسان وسط مأتم وهو يستعيد ذكرى جميلة، وقد يغني آخر أغنية كان يحبها الراحل، أو يرقص في وداعه إذا كان الرقص يحمل ذكرى أو معنى بينهما، لا شيء من ذلك يحدد مقدار الحب.
التعبير عن الحزن حاجة إنسانية شديدة الخصوصية، ومن حق كل إنسان، ما دام لا يؤذي نفسه أو الآخرين، أن يجد الطريقة التي تساعده على احتمال الفقد.
المشكلة تبدأ حين ينتقل المجتمع من مواساة الشخص المفجوع إلى مراقبته، وبالنسبة إلى النساء، تصبح هذه الرقابة امتدادًا لقائمة طويلة من “العيب” التي رافقتهن قبل الموت.
حتى المقبرة مساحة ذكورية
يظهر التمييز بصورة أكثر وضوحًا عند الدفن، في العديد من البيئات، يحمل الرجال النعش، ويسيرون خلفه، ويحيطون بالقبر، ويرون الجثمان وهو يوارى تحت التراب. فيما تبقى نساء من العائلة بعيدًا، أو يصلن إلى القبر بعد انتهاء الدفن.
وقد تختلط في تبرير ذلك اعتبارات اجتماعية بتفسيرات دينية، رغم اختلاف المواقف والممارسات المتعلقة بحضور النساء للدفن وزيارة المقابر.
لكن بعيدًا عن الجدل الديني، يبقى سؤال إنساني أكثر بساطة: من يملك حق اتخاذ قرار الوداع؟
لماذا يستطيع رجل أن يقف فوق قبر الشخص الذي يحبه حتى اللحظة الأخيرة، فيما قد تُمنع امرأة من ذلك خشية أن تصرخ أمام الرجال؟ ولماذا يصبح احتمال انهيارها سببًا لإبعادها، بدل أن يكون سببًا لاحتضانها؟
مريم لم تكن تريد خرق عرف اجتماعي. كانت تريد أن تودّع الرجل الذي تحبه.
“كنت بدي قله بحبك”
أمام الكفن، لم تكن الصرخة وحدها ما أرادت مريم إخراجه.
“كان بدي اعبط الكفن، حط وجي عليه، صرخ وقله بحبك ورح اشتقتلك”، لكن حتى في اللحظة الأخيرة، حضرت الرقابة التي رافقتها طوال حياتها، توقفت. “تذكرت إنه عيب… حتى الحب بالعلن عيب”.
ربما تختصر هذه الجملة ما هو أبعد بكثير من قصة مأتم.
فالمرأة التي تتعلم أن تخفي حبها كي لا تُدان، قد تجد نفسها مطالبة بإخفاء حجم ذلك الحب حتى عندما يتحول إلى فقد.
لا تصرخي باسمه، لا تعانقي كفنه أمام الرجال، لا تقولي إنك تحبينه بصوت مرتفع، لا تجعلي حزنك مرئيًا أكثر مما ينبغي، حتى الوداع يجب أن يبقى “محتشمًا”.
الصرخات التي لا تخرج لا تختفي
قد ينتهي المأتم ويعود الناس إلى منازلهم، لكن ذلك لا يعني أن الحزن انتهى. مريم ما زالت تتذكر الأشياء التي لم تفعلها أكثر مما تتذكر الأشياء التي فعلتها، تتخيل أحيانًا أنه يعود للحظة واحدة، فقط لتخبره بما حدث بعدما رحل: “يا ريت بيرجع لخبره، ما خلّوني ودّعه، ولا كون معه بآخر لحظاتك فوق الأرض”.
الحزن حق إنساني، وليس سلوكًا يحتاج إلى موافقة المجتمع، من حق المرأة أن تبكي، وأن تصرخ، وأن تصمت. من حقها أن تضحك على ذكرى وسط دموعها، وأن تغني أو ترقص إذا كانت تلك طريقتها في الوداع.
ومن حقها أن تقف أمام قبر من تحب إذا اختارت ذلك، وألا يُتخذ القرار عنها فقط لأنها امرأة، فالإنسان الذي يودّع شخصًا يحبه لا يحتاج إلى من يراقب ارتفاع صوته، ولا إلى من يذكّره بنظرات الرجال، ولا إلى شرطي اجتماعي يقف بينه وبين لحظة لن تتكرر.
كان الموت قاسيًا بما يكفي على مريم، لكن الآخرين قرروا أن يضيفوا إليه عبئًا آخر: أن تحزن بصمت.
انتهى الدفن، رحل الناس، وبقيت مريم مع كل ما لم تستطع قوله.
أما الصرخات التي خافت أن تطلقها يومها، فتقول إنها لم تختفِ: “بعدها لهلّق عالقة بحنجرتي”.