اغتصاب مُحتجزة داخل مركز شرطة يشعل الغضب في العراق
فجّرت قضية تعرض محتجزة لجريمة اغتصاب داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، جنوب العراق، موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الشارع العراقي، بعدما أعلنت وزارة الداخلية توقيف ضابط وثلاثة منتسبين وإحالتهم إلى الجهات التحقيقية والقضائية، مؤكدة عدم التهاون مع أي انتهاك يمس كرامة الإنسان أو يخالف القانون.
وتعود أحداث القضية إلى 28 تموز/يوليو 2026، حين أفاد مصدر أمني بأن موقوفة من مواليد عام 2000، تعرضت لاعتداء جنسي داخل مركز شرطة النهضة أثناء احتجازها.
ووفقًا للمصدر، أثار إطفاء كاميرات المراقبة في المركز أثناء الواقعة شكوك قيادة الشرطة، التي باشرت تحقيقًا عاجلًا لكشف ملابسات الحادثة.
وفي 1 آب/أغسطس 2026، وجّه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية، حسين العوادي، باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة بحق ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية الجريمة، مع إحالتهم إلى التحقيق والقضاء.
وأكدت وزارة الداخلية، في بيان، أنها “لن تتهاون مع أي انتهاك يمس كرامة الإنسان أو يخالف القانون”، مشددة على اتخاذ أقصى الإجراءات القانونية والإدارية بحق كل من يثبت تورطه، ومؤكدة أن ما حدث “لا يمثل مبادئ وزارة الداخلية ولا أخلاقيات رجل الشرطة”.
وأضاف البيان أن الوزارة ماضية في محاسبة كل من يسيء استخدام السلطة أو ينتهك حقوق المواطنين/ات، وأن القانون سيُطبق على الجميع دون استثناء.
ثقافة لوم الضحية والتبرير للجاني مستمرة
وفي خضم التفاعل مع القضية، أثارت تصريحات للإعلامي العراقي حيدر الحمداني جدلًا واسعًا، بعدما قال، في مقطع مصور، إن الواقعة كانت “برضا الطرفين” وليست اغتصابًا، مدعيًا أن كاميرات المراقبة أُطفئت قبل الحادثة.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها منتقدون/ا تبريرًا للعنف الجنسي وتجاهلًا لاستغلال السلطة داخل أماكن الاحتجاز.
ليست الجريمة الأولى!
وأعادت القضية إلى الواجهة مخاوف تتعلق بحماية النساء داخل أماكن الاحتجاز، في ظل ورود اتهامات سابقة بانتهاكات مشابهة.
وتتكرر جرائم اغتصاب النساء والفتيات في مراكز الشرطة في العراق، في واحدةٍ من أخطر الانتهاكات التي تمنع الفتيات من التبليغ في حال تعرّضهن لجريمة عنف جسدي أو جنسي، خوفًا من وقوعهن ضحية القوى الأمنية.
ففي أيلول/سبتمبر 2025، وُجهت اتهامات إلى ضابط وعناصر أمن في محافظة النجف باغتصاب فتاة بعد احتجازها بذريعة “الإخلال بالشرف، وغالبًا ما تُلفِّق عناصر الأمن في العراق تهمة “جرائم الإخلال بالشرف” لأي فتاةٍ وشابٍ يلتقيان في سيارةٍ في شارعٍ عام، وحتى لأولئك الجالسين/ات في الأماكن العامة من جنسين مختلفين.
View this post on Instagram
قام الضابط وعناصر النقطة الأمنية في تلك المنطقة باعتقال الشاب، بينما تناوبوا على اغتصاب الفتاة في الموقع نفسه.
في كانون الثاني/يناير 2025، اتهمت فتاة ضابطًا في مركز شرطة المجتبى بالنجف بالتحرش بها ثم اغتصابها أثناء احتجازها.
ويرى حقوقيون/ات أن تكرار مثل هذه الجرائم يهدد ثقة النساء في أجهزة إنفاذ القانون، وقد يدفع ضحايا العنف إلى الإحجام عن الإبلاغ خشية التعرض لانتهاكات جديدة داخل أماكن الاحتجاز.
مطالبات بتحقيق مستقل
ووصفت القانونية العراقية أزهار الدليمي ما حدث بأنه انتهاك خطير لحقوق الإنسان وللقوانين التي تكفل حماية المحتجزين، مؤكدة أن وقوع جريمة بهذا الحجم داخل مؤسسة أمنية يستوجب موقفًا قانونيًا حازمًا ومحاسبة شاملة.
وقالت إن استغلال الموظف العام سلطته للاعتداء على شخص محتجز يمثل انتهاكًا مضاعفًا، لأنه يجمع بين إساءة استخدام السلطة والإخلال بالواجب القانوني، محذرة من أن الإفلات من العقاب يفتح الباب أمام تكرار مثل هذه الجرائم.
“استغلال الموظف العام سلطته للاعتداء على شخص محتجز يمثل انتهاكًا مضاعفًا، لأنه يجمع بين إساءة استخدام السلطة والإخلال بالواجب القانوني.“أزهار الدليمي،قانونية عراقية
كما شددت على أن الاعتداء الجنسي على امرأة محتجزة يُعد من أخطر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، مطالبة بإجراء تحقيق قضائي مستقل وشفاف، وإنزال أشد العقوبات القانونية بحق كل من يثبت تورطه.
من جانبها، اعتبرت الصحافية العراقية نورا النعيمي أن الجريمة تمثل “كارثة بكل المقاييس”، لأنها لم تستهدف الضحية وحدها، بل طالت هيبة مؤسسات الدولة والثقة بالأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون.
وأكدت أن وقوع مثل هذه الجريمة داخل مركز شرطة يجعلها أكثر خطورة، لأنه مكان يفترض أن يوفر الحماية ويطبق القانون، لا أن يكون مسرحًا لانتهاك كرامة الإنسان، مشددة على أن الموقوفة، مهما كانت التهم الموجهة إليها، تتمتع بحقوق يكفلها الدستور والقانون، ولا يجوز أن تتعرض لأي شكل من أشكال الاعتداء أو الإهانة.
“ما حصل مع هذه الشابة مخجل وخزي، “سنخاطب وزير الداخلية ونوصي بإنشاء مراكز شرطة خاصة بالنساء في جميع المحافظات.” سندس الموسوي، رئيسة لجنة المرأة
بدورها، أعلنت رئيسة لجنة المرأة في مجلس محافظة الديوانية سندس الموسوي متابعة القضية مع الجهات المختصة، مؤكدة أنها ستخاطب وزير الداخلية للمطالبة بإنشاء مراكز شرطة خاصة بالنساء في جميع المحافظات، بما يضمن توفير بيئة أكثر أمانًا للمحتجزات.
وقالت سندس إن أي موقوفة، مهما كانت التهمة الموجهة إليها، يجب أن تُصان حقوقها الإنسانية وأن تكون في مأمن وهي تحت حماية القانون، ووصفت ما حدث بأنه “مخجل وخزٍ”، مع تأكيدها أن الواقعة تمثل تصرفات فردية لا تعكس أداء المؤسسة الأمنية بأكملها.
وفي السياق ذاته، أكد مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في الديوانية عباس العيساوي أن المفوضية تتابع مجريات القضية ميدانيًا للوقوف على جميع الحقائق والنتائج، فيما وصفت رئيسة لجنة حقوق الإنسان في مجلس الديوانية أنوار منهي الزيدي الواقعة بأنها “كارثية”، معتبرة أنها تضرب أمن المجتمع وتهز ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية.