
تونس: 70 عامًا على تجريم تعدد الزوجات.. مَن يحمي مكتسبات النساء؟
تحتفل تونس، اليوم الخميس، بالعيد الوطني للمرأة، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13آب/أغسطس 1956، وهي إحدى أبرز المحطات التشريعية التي أعقبت استقلال البلاد، قبل أن تدخل المجلة حيز التطبيق في 1 كانون الثاني/يناير 1957.
وأحدثت المجلة تحولًا لافتًا في تنظيم شؤون الأسرة، إذ تضمنت جملة من الإصلاحات المتعلقة بالزواج والطلاق، من أبرزها منع تعدد الزوجات، واشتراط رضا الزوجين لصحة الزواج، وتحديد سن أدنى للزواج، وإقرار إجراءات قضائية للطلاق. كما نصت على حقوق للزوجة في إجراءات الطلاق والتعويض.
ويُعد منع تعدد الزوجات من أبرز أحكام المجلة، إذ يجرّم الفصل 18 إبرام زواج ثانٍ أثناء قيام الزواج الأول، مع ترتيب عقوبات قانونية على المخالفين.
View this post on Instagram
جدل متجدد حول تعدد الزوجات
وتكتسب الذكرى السبعون أهمية إضافية في ظل الجدل الذي أثاره النائب عبد الستار الزارعي في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عندما دعا خلال جلسة برلمانية إلى تنقيح مجلة الأحوال الشخصية، متذرعًا أن تعدد الزوجات يمكن أن يمثل حلًا لبعض مشكلات المجتمع والأسرة.
وقال الزارعي إن تعدد الزوجات قد يكون حلًا لعدد من المشكلات الاجتماعية، داعيًا إلى مراجعة المجلة بما يخدم المرأة والطفل والرجل، بحسب ما نقلته وسائل إعلام تونسية.
وأثار التصريح ردود فعل رافضة داخل البرلمان وخارجه؛ إذ أعلن النائب محمد اليحياوي استقالته من كتلة الأمانة والعمل، مؤكدًا رفضه المساس بحقوق المرأة ومكتسباتها، فيما شددت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن آنذاك على عدم التراجع عن المكتسبات.
View this post on Instagram
“لن نتراجع”.. أصوات نسائية في مواجهة الدعوات إلى التراجع
وفي مواجهة الجدل، أكدت النائبة فاطمة المسدي، في تدوينة بمناسبة الذكرى ال70 لمنع تعدد الزوجات، أن القرار مثّل «قرارًا سياسيًا جريئًا»، ورسالة واضحة بأن المرأة التونسية “مواطنة كاملة وليست تابعة”.
وشددت فاطمة على أن الدفاع عن هذا المكسب لا يقتصر على التمسك بالنص القانوني، بل يشمل مواجهة محاولات التضييق على النساء والتشهير بهن بسبب لباسهن أو حياتهن الخاصة أو مواقفهن، مؤكدة أن «المرأة التونسية ليست ضيفة في تونس، وليست نصف مواطن».
واعتبرت أن التراجع عن حقوق النساء قد يبدأ من ممارسات اجتماعية قبل أن يصل إلى تغيير القوانين، واختتمت موقفها بالتأكيد: “لن نتراجع.”
من جهتها، انتقدت الفنانة الاستعراضية نرمين صفر الدعوات إلى التراجع عن منع تعدد الزوجات، وطرحت في تدوينة لها تساؤلات حول الدعوات إلى “تطبيق شرع الله” في مسائل الزواج، منتقدة ما اعتبرته انتقائية في التعامل مع الأحكام المرتبطة بالزواج.
وختمت نرمين تدوينتها بعبارة: «طبقوا خارج تونس.”
الزواج غير الرسمي.. وجه آخر للجدل
ولا يقتصر الجدل حول مجلة الأحوال الشخصية على تعدد الزوجات، إذ حذرت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، راضية الجربي، من محاولات تطبيع الزواج الشفاهي والزواج العرفي.
وقالت راضية إن الصراع الذي كان علنيًا بعد الثورة حول مجلة الأحوال الشخصية وتعدد الزوجات والزواج العرفي تحوّل، بحسب تقديرها، إلى ممارسات مستترة تسعى إلى تقديم هذه الظواهر باعتبارها أمرًا واقعًا وعاديًا في المجتمع.
وأشارت إلى أن الزواج الشفاهي، الذي يكتفي فيه الطرفان بقراءة الفاتحة من دون وثيقة رسمية، أو الزواج بعقود غير مسجلة لدى السلطات، قد يؤدي إلى مشكلات قانونية وإنسانية، من بينها صعوبة إثبات النسب وتسجيل الأطفال وتحديد المسؤوليات القانونية للآباء.
View this post on Instagram
من حماية المكتسبات إلى المطالبة بحقوق جديدة
وبالتوازي مع الدفاع عن مكتسبات مجلة الأحوال الشخصية، تواصل المنظمات النسوية التونسية طرح مطالب جديدة تتعلق بالمساواة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ومن أبرز هذه المطالب المساواة في الميراث، إذ أكدت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، رجاء الدهماني، استمرار الجمعية في طرح القضية والدفع نحو إقرار تشريع يحقق المساواة بين النساء والرجال في الميراث.
وكانت رجاء قد أكدت في تصريحات سابقة أن الطريق نحو المساواة الكاملة ما زال طويلًا، مشيرة إلى استمرار وجود قوانين ترى فيها الجمعية تمييزًا ضد النساء، ومن بينها غياب المساواة في الميراث.
70 عامًا من الإصلاح.. والعنف لا يزال قائمًا
وفي المقابل، تكشف أرقام منظمات نسوية أن التقدم التشريعي لم يضع حدًا للعنف ضد النساء.
ومن جهتها، أعلنت جمعية «أصوات نساء» رصد 30 جريمة قتل لنساء في تونس خلال عام 2025، في مؤشر قالت الجمعية إنه يعكس تصاعد الظاهرة والحاجة إلى سياسات أكثر فاعلية لحماية النساء.
كما أعلنت الجمعية إطلاق منصة لرصد وتوثيق جرائم قتل النساء، بهدف إبراز حجم الظاهرة والمطالبة بسياسات عمومية أكثر قدرة على حماية النساء من مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وهكذا، تحل الذكرى السبعون لمجلة الأحوال الشخصية في تونس في سياق يتجاوز الاحتفاء بمكتسبات تاريخية؛ فمن الدفاع عن منع تعدد الزوجات وحماية المكتسبات القائمة، إلى المطالبة بالمساواة في الميراث ومواجهة العنف ضد النساء، تواصل المنظمات النسوية التونسية طرح أسئلة جديدة حول حدود الإصلاح التشريعي وقدرته على ضمان الحقوق في الواقع.